|
حتى لا تتحول الدول العربية إلى حالة انعدام الوزن الكامل....بات يترتب عليها الإتفاق على خطة للتحرك المشترك وإتخاذ خطوات عملية لمواجهة سياسة التصعيد الشاملة التي تتبعها حكومة شارون. فقمة بيروت التي أطلقت المبادرة العربية، لم تفعل أي شيء، من أجل تنفيذ بنودها، وهذه حالة عربية رسمية غير مفهومة ولا يمكن القبول بها أو التسليم بإستمرارها.
فالإجتياحات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة لمعظم المناطق الفلسطينية وإقامة جدار العزل العنصري وتوسيع مخططات الإستيطان، وغيرها من عمليات الإغتيال والإعتقال والإبعاد والتجريف والهدم لم تنجح جميعها في إستفزاز الدول العربية لإتخاذ أي خطوات عملية لمعالجة الموقف.
وحتى الغارة الأخيرة على موقع فلسطيني قرب دمشق وقيام الطائرات الإسرائيلية بتحليق إستفزازي فوق العاصمة السورية لم تحرك ساكنا لدى هذه الدول، على الرغم من الرسالة السياسية التي حملتها، وما أعقبها من حملة تحريض رسمية إسرائيلية إستهدفت تضخيم "الخطر الخارجي الإقليمي " المتمثل حسب أقوال المسؤولين الإسرائيليين في زيادة معدلات التسليح في مصر، وفي إحتمال إمتلاك إيران لسلاح نووي، وفي الأخطار الكامنة وراء التعاون السعودي- الباكستاني، وفي إحتمال حصول السعودية على رؤوس ذرية من باكستان، وكذلك مما تصفه حكومة شارون برعاية سوريا لمنظمات الإرهاب، وفي المحاولات الليبية لشراء قنبلة ذرية...الخ.
إذن فالأخطار على إسرائيل من وجهة نظرها طبعاً ليس مصدرها فقط السلطة الوطنية الفلسطينية والرئيس عرفات الذي تطالب بإقصائه عن مسرح الأحداث، وإنما أيضاً معظم دول المنطقة بما فيها تلك التي وقعت معها معاهدات سلام وتلك التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك العراق الخاضع للإحتلال الأمريكي إذا ما اعاد بناء جيشه حتى في ظل الإحتلال. والسؤال الذي يطرح نفسه وهذه الحالة هو: ما الهدف من وراء هذه الحملة الإسرائيلية الشاملة والمتعددة المسارات ؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟
من الواضح أن أريك شارون من خلال تبنيه لهذه الحملة الهجومية، يحاول تفريغ أزمته الداخلية وأن يؤكد في نفس الوقت ان اسرائيل هي أمريكا الشرق الأوسط، وهي التي تملك صلاحيات إتخاذ القرار حول من هو الإرهابي؟ ومن هي الدول الإرهابية وكيف يجب التعامل معها...في إطار الحرب التي أعلنتها واشنطن ضد الإرهاب.
وبما أن إسرائيل تعلم جيداً بأنها لا تستطيع بمفردها القيام بهذا الدور، وهذا تعبير آخر عن الأزمة وبأنها بحاجة ماسة لغطاء أمريكي داعم لسياستها، فقد سعت لتأمين هذا الغطاء مستفيدة من أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة، وبعد أن أقنعت الإدارة الأمريكية بأن العمليات العسكرية الفلسطينية الموجهة ضدها وداخل حدودها هي بمثابة 11 أيلول إسرائيلية ولكن على مراحل وعلى موجات متصاعدة وبالتالي فإنه يترتب عليها إستخدام أكبر قدر من القوة العسكرية الرادعة من أجل وقفها...
بناء على ذلك فإن أهم مظاهر خطورة الوضع الحالي تكمن في تعميق التفاهم والتعاون والدعم الأمريكي لإسرائيل ليس حول الأهداف العامة فقط وإنما بالتحديد حول تفاصيل الحملة الإسرائيلية على الفلسطينيين وعلى دول المنطقة في سياق ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب.
ومن هذا المنطلق جرى التعامل أمريكياً وإسرائيلياً مع خريطة الطريق، وبهدف حشر الموضوع الفلسطيني في زاوية ضيقة ومليئة بالإشتراطات الأمنية الإسرائيلية التعجيزية، تحت يافطة ضرب البنية التحتية للإرهاب. وعملت حكومة شارون في هذا السياق على تركيب مخططها ضد القيادة الفلسطينية والرئيس أبو عمار بالتحديد، خطوة تلو الخطوة بالتراكم بعد كل عملية إستهدفت المدنيين، بغض النظر عن نوايا أصحابها.
ماذا يعني ذلك! إنه يعني أننا أمام تحولات إستراتيجية تقوم إسرائيل من خلالها بإستخدام تفوقها العسكري من أجل تحويله الى مكسب سياسي وإحداث إنقلاب سياسي منهجي ينقل مضمون الحل وشكله من حل يستهدف تنفيذ قرارات الشرعية الدولية و يقوم على التفاوض مع القيادة التي يختارها الشعب الفلسطيني، إلى حل إسرائيلي أحادي الجانب تمرره بقوة الإحتلال ومن خلال فرض الأمر الواقع بإقامة جدار الفصل العنصري وبتعزيز الإستيطان وبتحويل الكيان الفلسطيني إلى مجموعة كانتونات، ومن ثم البحث عن قيادة فلسطينية تقبل بهذا الحل المفروض على الأرض وقد تتفاوض شكلياً على تحسين شروطه. ولهذا فقد وصف شارون المرحلة الحالية بأنها مرحلة إنتظار. وفسر بعض المعلقين الإسرائيليين قوله هذا بأنها مرحلة إنتقالية ستقود إلى خوض مواجهة شاملة مع الفلسطينيين قد تؤدي إلى إنهيار مبنى السلطة كجهاز مركزي وإستبدالها بمجموعة من السلطات وفق تقسيم جغرافي للمناطق الفلسطينية يخدم إعتبارات إسرائيل الأمنية. ومهما يكن من أمر فإن حكومة شارون ووفقاً لإعتباراتها التوسعية واليمينية المتطرفة لا تستطيع التعايش مع سلطة وطنية فلسطينية مركزية تنازعها على الأرض وعلى الصلاحيات، وعلى الحدود... الخ وتسعى للتحول إلى دولة مستقلة وذات سيادة. فالسلطة هي نواة الدولة وبدون هذه النواة التي تعمل اسرائيل على ضربها تتحول الدولة الى حلم لا يمكن تجسيده على الأرض. هكذا هي وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية التي يمثلها شارون وأقصى اليمن الحاكم في إسرائيل.
هذا يعني من الناحية العملية ان الصراع الذي أفرزته حالة أزدواجية السلطة (سلطة الإحتلال والسلطة الوطنية) على شعب واحد وفي بقعة جغرافية واحدة ومحدودة يكاد يصل إلى نقطة الحسم إما بممارسة مختلف الضغوط الإسرائيلية والأمريكية لدفع الرئيس عرفات للتخلي عن دوره وصلاحياته، وإما بتفجير مواجهة شاملة وأما بتجميد الأوضاع الى اجل غير مسمى. كما تسعى حكومة شارون في الوقت نفسه إلى إغلاق هامش التحرك السياسي الفلسطيني بما فيه ذلك الهامش المحدود الذي ظهر منذ الإعلان عن خريطة الطريق.
وفي هذا المجال تتحدث معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية عن سيناريوهات محتملة لفترة ما بعد الرئيس عرفات على شكل حالة فوضى وإضطرابات غير قابلة للسيطرة. وتقول صحيفة يديعوت أحرنوت في عددها بتاريخ 21/10/2003، بأن الجيش الإسرائيلي قد أعد خطة إجتياح جديدة أسماها "يوم البرد القارص"، من أجل السيطرة على الوضع وإعادة الحكم العسكري المباشر.
وأفادت صحف إسرائيلية أخرى بأن منسق عمليات الجيش الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية أجرى نقاشاً حول الحاجة لتنفيذ تدريبات لأحياء وحدات الحكم العسكري في هذه المناطق، ومما يعني بأن عمليات الجيش الإسرائيلي في رفح بحثا عن الإنفاق والتدمير المنهجي وعمليات الإغتيال والإعتقال تأتي في سياق العمل من أجل أحكام طوق شامل حول القطاع والضفة تحضيراً للمرحلة القادمة.
وستبقى نقطة الإرتكاز المركزية في هذه السياسة الإسرائيلية تتمثل في بناء جدار الفصل بمقاطع أحادية ومزدوجة وبطول يقدر بـ 590 كم داخل الضفة الغربية، هذا إضافة إلى إقامة الجدار الشرقي الذي يستهدف عزل منطقة الأغوار عن باقي المناطق الفلسطينية الأخرى؛ حيث قدرت الفترة الزمنية لإنجازه نهائياً بحوالي السنتين؛ وبهدف ان يؤدي ذلك مع الوقت الى ترسيم الحدود المقلصة جداً لما يمكن ان يسمى مجازاً بدولة فلسطينية مقسمة وغير مترابطة وليست ذات سيادة.
هذا الجدار سيمكن حكومة إسرائيل من ممارسة سيطرة إستراتيجية طويلة الأمد على المناطق المحتلة، وسيعزز مشاريع توسيع الإستيطان وسيمهد الظروف لما يمكن تسميته بالتراتسفير الصامت لاعداد كبيرة من المواطنين الفلسطينيين، وسيمكن إسرائيل من فرض حل الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني، ومن ثم العثور اذا أمكن على قيادة فلسطينية بديلة أو رعاية ظهور مثل هذه القيادة التي يمكن التوصل معها إلى اتفاقات جزئية حول تحسين شروط الحياة.ووفق هذا المخطط الذي يمكن قراءته في تصريحات مختلف المسؤولين الإسرائيليين، سيجري العمل من أجل الإنتقال من أسلوب تجزئة المفاوضات حول كل حاجز عسكري، وكل مدينة، وكل معتقل، وكل مستوطنة وكل طريق...الخ .... كما حصل في المفاوضات السابقة حول خريطة الطريق، إلى أسلوب التعامل مع قيادات فلسطينية محلية فيما يخص كل منطقة جغرافية وإحتياجاتها الحياتية المباشرة. وحسب هذا المنطق الإستعماري التوسعي، فانه إذا كان بالإمكان تجزئة المفاوضات إلى موضوعات صغيرة، فإنه بالإمكان أيضاً الإطاحة بالقيادة وبأي قوة أو إطار يرمز إلى وحدة المناطق الفلسطينية، والتعامل مع قيادات محلية بديلة، او مع ما يمكن تسميتهم بأمراء الكانتونات.
وبهذا الصدد تجدر الإشارة الى المؤتمر الصحفي الذي عقده منسق شؤون المناطق الفلسطينية في وزارة الدفاع الإسرائيلية ودعا فيه الى تحديد حلفاء محتملين في السلطة الفلسطينية. وقال "انه يجب فحص الجيل الوسط في فتح والنظر في من يجدر تقريبه وتعزيز دوره وما هو السبيل الأفضل لذلك" (معاريف 28/10/2003).
لهذا ستواصل حكومة شارون تنفيذ إجراءاتها بهدف إقصاء الرئيس عرفات وكذلك إدعاءاتها حول عدم وجود شريك فلسطيني تفاوضي، وستواصل ايضاً حملتها ضد السلطة الوطنية وستمارس التهديد والوعيد ضد الدول العربية المجاورة بهدف إحباط أي شكل من أشكال التضامن الخارجي مهما كان شكله ومستواه، مع الشعب الفلسطيني وقيادته.
ان مواجهة هذا المخطط تتطلب اساساً توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني والابتعاد عن كل ما يهدد وحدة الموقف الفلسطيني ان كان ذلك على شكل خطوات إنفرادية سياسية او عسكرية او على شكل خصخصة العمل العسكري وزيادة حجم التحديات بدل تخفيفها. ويمكن توحيد هذا الموقف عبر سلسلة خطوات تبدأ بتشكيل حكومة فلسطينية وطنية بأوسع تمثيل سياسي وإجتماعي ممكن، والبدء بحوار وطني، يجيب على سؤال رئيسي ويحدد قضيتين جوهريتين؛ اما الإجابة فهي حول ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة ولا يغلق الباب امام الخطوات اللاحقة وانما يقدم اساساً ومنطلقا لا ستكمالها.... واما الحوار الوطني فلا بد أن يصل اولاً إلى إتفاق على هدف وخطة سياسية يتوحد في إطارها النضال الوطني الفلسطيني. وثانياً الى إتفاق على الوسائل النضالية التي تمكن من تحقيق هذا الهدف. وهنا لا بد من التأكيد على المبدأ التالي بأن حدود النضال الوطني يجب ان تبقى ضمن الحدود الجغرافية التي يحددها البرنامج السياسي أي برنامج منظمة التحرير.
وبعد الإتفاق على الهدف والمضمون السياسي والوسائل، يمكننا الحديث عن قيادة موحدة ببرنامج سياسي موحد وأشكال كفاحية موحدة.
ومهما تفاوتت وجهات النظر فان الوحدة الوطنية لا تتم دائماً وابداً عن طريق "تجميع الجميع" وانما يمكن ان تكون ايضا من خلال تنظيم العلاقة بين الأطراف المتعارضة والإتفاق على خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها وضمان حق المعارضة بممارسة دورها بحرية ووفق القانون.
وعلى الصعيد العربي فلا بد من عقد قمة عربية طارئة تسعى لتنفيذ ما تقاعست عن تنفيذه قمة بيروت قبل حوالي العامين، وتسند الموقف الفلسطيني وتعزز صموده في مواجهة خطة شارون بتحويل سياسة الأمر الواقع إلى حل مفروض.
وفي جميع الأحوال لابد من ان تتوفر قناعة تامة لدى الجميع بأن أي اتصالات مع حكومة شارون لن تؤدي لاية نتائج ما دام يواصل بناء جدار الفصل ويوسع الاستيطان ويعتقد ان بامكانه فرض حل نهائي على الشعب الفلسطيني عن طريق القوة العسكرية. وبالتالي فان هدف أي تحرك سياسي فلسطيني يجب ان يتمثل بتعزيز الجبهة الداخلية وبتهيئة الظروف لصمود طويل الأمد، والعمل مباشرة على عزل هذه الحكومة واستعادة زمام المبادرة وتعزيز التضامن العربي والدولي مع القضية الفلسطينية. وفي نفس الوقت فان انتقادات رئيس اركان الجيش الإسرائيلي غير المسبوقة وغير المألوفة للحكومة، وقبلها عريضة الطيارين ضد قصف المدنيين، وعريضة الجنود رافضي الخدمة والى جانبها بعض التحركات السياسية والتوقيع على وثيقة جنيف وغيرها، تعتبر جميعها مظاهر تعبر عن قدر معين من الأزمة والتناقض داخل المجتمع الإسرائيلي، وهي امور لا يمكن اغماض العين عليها، او ان تمر مر الكرام وانما يتوجب الاستفادة منها في الصراع الدائر ضد الإحتلال وفي عزل حكومة شارون، وهذا هو الطريق الممكن في هذه المرحلة. |