|

1- مقدمة
تمر السنوات والعالم العربي يواجه سلسلة من المشاكل "الظرفية" التي يمطره بها عالم العولمة الهيمنية: سلسلة لا تنتهي منها حلقة إلا لتحل محلها أخرى، صارفة العرب عن التصدي لمشاكلهم "الذاتية" التي تعترض نهضتهم والتي لم يفتأوا يرددون ما يطلقون عليها من أسماء، وما أكثرها، والمسمى واحد! يتعلق الأمر بما عبروا عنه منذ قرن ونصف بـ "النهضة"، هذا "الاسم الجامع" الذي يعني الإصلاح والتجديد والتحديث لكل مناحي الحياة العربية، الاجتماعية منها والسياسية والثقافية والدينية.
ومع أن المشاكل النهضوية التي تواجه العالم العربي قد بقيت منذ القرن التاسع عشر هي هي، في مضمونها العام، فإنها تكتسي في كل مرحلة أبعادا جديدة وصيغا متنوعة، الشيء الذي يستلزم تجديد التفكير فيها من وقت لآخر. وإذا كان صحيحا أن الأسئلة الكبرى التي طرحها رواد النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر وأوائل العشرين تطرح اليوم نفسها بنفس الصيغ والمضامين–تقريبا- التي طرحت بها أول مرة، فصحيح أيضا أن التطورات التي عرفها الربع الأخير من القرن العشرين، في كافة الميادين، تفرض علينا اليوم إعادة طرحها وتجديد التفكير فيها بارتباط مع الأسئلة الجديدة التي يعج بها عالم العولمة الراهن.
تجديد التفكير في موضوع من الموضوعات معناه إعادة بناء تصورنا له على ضوء ما حصل من تطور، إنْ في هذه الموضوعات نفسها أو في رؤيتنا لها وطريقة تعاملنا معها. وهذا ما يعبر عنه بلفظ جديد على خطابنا ورؤيتنا، لفظ "التحيين" (من "الحين")، ونعني به جعل المسألة في وضع مناسب للتطور الحاصل حين طرحها. وكان المتكلمون في الإسلام يعبرون عن ذات المعنى بـ"تجديد النظر"، وهو ما عبرنا عنه هنا بـ"تجديد التفكير".
ولفظ "التحيين" اليوم -والبعض منا يستعمل "التحديث" ترجمة لـ update, actualiser, mise à jour;- أصبحت له دلالة خاصة في مختلف المجالات، وبكيفية خاصة في مجال المعلوميات: مجال المعرفة والإعلام الذي يتجدد باستمرار، في كل لحظة، تجددا يفرض على المتعامل معه القيام في كل وقت بـ"تحيين" أدوات العمل، من برامج وغيرها، حتى يستطيع مواكبة التطور الذي يحصل في موضوعاتها ... لابد إذن من القيام بعملية "تحيين" لقضايا النهضة العربية على ضوء ما استجد في هذه القضايا وما جد من أدوات التفكير وطرق النظر.
***
كانت لي في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي محاولات في هذا المجال، مجال "تحيين" قضايا النهضة في الفكر العربي، وهي التي أريد اليوم تجديد التفكير فيها. كان ذلك عندما بدأت أعمل من أجل الوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسي في مقدمة كتابي "نحن والتراث" عام 1980، حين غامرت وأعلنت عن عزمي على تأليف كتاب في "نقد العقل العربي". لم أكد أتقدم في البحث حتى بدأ يهيمن على فكري سؤال إشكالي ذو طبيعة بيداغوجية: كيف يجوز مواجهة القارئ العربي المعاصر بكتاب في "نقد العقل العربي" يتخذ من النقد الإبيستيمولوجي للتراث العربي الإسلامي منهجا ومن علوم هذا التراث مادة، وهو – أعني القارئ العربي المعاصر- يجهل أو يكاد هذا التراث وعلومه؟
ومن أجل تجاوز هذا الإشكال على صعيد "المادة المعرفية" (أعني علوم التراث) قررت القيام بدورين في آن واحد: دور العارض المحلل، ودور الناقد. أما على صعيد المنهج (أعني النقد الإبيستيمولوجي)، فلم أجد طريقة أخرى لتجاوز ذلك الإشكال غير البدء أولا بممارسته في مادة يعرفها القارئ العربي المعاصر أو هي قريبة المنال لديه. ومن هنا راودتني فكرة القيام بدراسة تحليلية نقدية (نقدا إبيستيمولوجيا) لـ"الخطاب العربي المعاصر". ومما سهل المهمة علي أنه كان قد تجمع لدي، من خلال تدريسي في الجامعة للفكر العربي الحديث والمعاصر، ما يكفي من المادة المعرفية لإنجاز الدراسة التحليلية النقدية المطلوبة. وهكذا انحصرت مهمتي في إعادة توزيع هذه المادة بالصورة التي تفي بالغرض، ثم تحقيق هذا الغرض نفسه: أعني ممارسة النقد الإبيستيمولوجي فيها. وهكذا صدر كتاب "الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية" عام 1982، وقد تضمن، فضلا عن الدراسة التحليلية النقدية المطلوبة، مقدمة وخاتمة.
أما المقدمة فقد خصصتها لشرح المنهج من خلال تحليل مفهومين كانا جديدين يومذاك على القاموس العربي المعاصر، هما : "الخطاب" discours، و"القراءة" lecture. كانت هناك محاولات من بعض المترجمين لنقل مضمون هذين المفهومين إلى العربية: بعضهم استعمل كلمة "إنشاء" وبعضهم كلمة "مقال" لترجمة discours، وآخرون استعملوا كلمة "تفسير" أو "تأويل" لنقل معنى lecture. وفي النهاية استقر الأمر على اللفظين اللذين اخترتهما: الخطاب والقراءة، وكان للكتاب الذي نحن بصدده دور حاسم في هذا الصدد.
أما الخاتمة –خاتمة "الخطاب العربي المعاصر"، فقد جعلت عنوانها العبارة التالية: "من أجل الاستقلال التاريخي للذات العربية". وواضح أن في هذا العنوان نوع من التجاوز لـ "الخطاب العربي المعاصر"، ليس فقط على مستوى ربط النتائج التي خرجت بها من تحليل هذا الخطاب بـمشروع "نقد العقل العربي" الذي وعدت به في "نحن والتراث"، بل أيضا على مستوى "التبشير" بمشروع جديد يواكب ذلك المشروع ويستفيد منه وفي نفس الوقت يتجه به نحو المستقبل.. إن الأمر يتعلق إذن بفتح آفاق جديدة لخطاب عربي معاصر جديد، يكون بديلا عن الخطاب موضوع التحليل والنقد.
وبما أن نقطة انطلاق "العقل العربي" إنما تمت –تاريخيا- فيما اصطلح على تسميته بـ "عصر التدوين"، عصر البناء الثقافي العام في الحضارة العربية الإسلامية، (ما بين 150هـ و300هـ تقريبا) فقد تراءى لي أن تجديد الفكر العربي المعاصر يجب أن يؤسسه "عصر تدوين جديد"، نقوم فيه بالنسبة للقضايا التأسيسية التي تشغل فكرنا في العصر الحاضر بمثل الدور الذي قام به علماء عصر التدوين العباسي بالنسبة للقضايا التأسيسية التي كانت تشغل عصرهم. إن ذلك يعني أن علينا أن نقوم بإعادة النظر، بكيفية جذرية، في القضايا التي شغلت "الخطاب العربي المعاصر"، كما كانت تطرح في الثمانينات، وهي قضايا النهضة والتجديد، والأصالة والمعاصرة، والدين والدولة، والديموقراطية والأهداف القومية، والوحدة والاشتراكية، وتحرير فلسطين، وتأصيل فلسفة الماضي، وتشييد فلسفة عربية معاصرة الخ. كان النقد الذي مارسناه على هذه الموضوعات نقدا إبيستيمولوجيا يفكك الأغشية الإيديولوجية التي لُفَّت فيها، سواء منها تلك التي تُستمد من التراث أو تلك التي تُنقل من الفكر الأوربي. وكان الهدف جعل التفكير العربي يستعيد استقلاله وسلطته في تعامله مع هذا وذاك، وصولا إلى استعادة الذات العربية لاستقلالها التاريخي التام: الاستقلال عن التراث باحتوائه وتحقيقه، والاستقلال عن الفكر الأوربي بامتلاكه والإمساك به في زمنيته ونسبيته.
تلك هي المهمة التي طرحتها خاتمةُ "الخطاب العربي المعاصر" مقرونة بالمهمة الأصل: "نقد العقل العربي"، فغدا واضحا أن المؤلف يتجاذبه مشروعان: مشروع "نقد العقل العربي" من خلال تجلياته في التراث العربي الإسلامي، ومشروع "تدشين عصر تدوين جديد" للقضايا التي تشغل تفكيرنا الراهن.
وأحسب أن قليلا من القراء والكتاب قد انتبهوا إلى أنني بدأت فعلا في العمل في هذا المشروع الثاني في نفس الوقت الذي كنت منهمكا فيه في إنجاز المشروع الأول. لقد حدث في السنوات الأخيرة أن تساءل بعض الكتاب الذين يتابعون كتاباتي، وبعضهم طرح علي السؤال مباشرة، قائلين: لقد تم إنجاز "نقد العقل العربي" في أربعة أجزاء فأين مشروع "تدشين عصر تدوين جديد" الذي وعدَت به خاتمة "الخطاب العربي المعاصر"؟
كان ردي على هذا السؤال هو التالي: الواقع أنني بدأت فعلا في هذا المشروع الثاني مباشرة بعد صدور الطبعة الأولى من "تكوين العقل العربي" (1984) وذلك بمقالات شهرية متسلسلة نشرتها على مدى ست سنوات (1984-1990) في مجلة "اليوم السابع"، الأسبوعية الفلسطينية التي كانت تصدر من باريس، وكان العنوان الدائم لتلك المقالات هو: "من أجل تدشين عصر تدوين جديد". ثم أردفتها بمقالات أخرى نشرت خلال التسعينات على صفحات جرائد ومجلات...
كانت تلك المقالات بمثابة بدء العمل في مشروع "تدشين عصر تدوين جديد"، وقد عبرت عن ذلك في خاتمة المقالة الأولى حين كتبت أقول: "إننا نحن العرب نعيش اليوم نهاية مرحلة أصبحت قديمة ونقف على عتبة مرحلة ستكون جديدة. ويكفي أن ننظر إلى التحديات العديدة المختلفة التي تواجهنا في كل مجال لندرك أهمية وخطورة "اليوم السابع" (نهاية الأسبوع، نهاية المرحلة) الذي نعيشه. إنه "يوم" يفرض علينا القيام بمراجعات شاملة لكل مرافق حياتنا الفكرية والسلوكية. وبعبارة أخرى إنه يتطلب منا، في الجانب الثقافي على الأقل، تدشين "عصر تدوين" جديد، يكون بداية لانطلاقة تاريخية لثقافتنا وفكرنا، كتلك التي عرفها تاريخنا قبل أربعة عشر قرنا، أثناء العصر العباسي الأول" (اليوم السابع 10 سبتمبر 1984).
لا أشك في أن بعض القراء قد اطلعوا على بعض تلك المقالات، ولكن من المؤكد أن جيل الشباب العربي المعاصر لم يطلع عليها بسبب عامل السن. ومع أن هذه المقالات، سواء منها ما نشر في الثمانينات أم ما نشر في التسعينات من القرن الماضي، كانت ولا تزال، كما وصفها أحد الزملاء "مقالات صامدة"، فإن التطورات التي عرفها العالم، بما في ذلك العالم العربي، خلال السنوات التي تفصلنا عنها، تجعل "تحيينها" أمرا ضروريا، إذا نحن أردنا أن تكون ناطقة عن الهم النهضوي الذي يسكننا، ومعبرة في الوقت نفسه عن التلوينات التي تعكس التطورات الجديدة التي تفرض نفسها علينا، إن على صعيد الرؤية أو على طريقة النظر.
إن "تدشين عصر تدوين جديد" مشروع متجدد يطرح نفسه علينا في كل وقت، وبالتالي يطرح باستمرار ضرورة تجديد التفكير في قضاياه وإعادة النظر في مسائله.
2- رسائل الألفاظ والمعاني..!
من المشاكل الحضارية التي واجهت وتواجه العرب في العصر الحديث مشكل اللغة، وهو مشكل يتمثل بكيفية خاصة في وجود فرق واسع عريض بين لغة البيت والشارع والحياة اليومية، وبين لغة الكتابة والقراءة والعلم والثقافة. إن المسافة بين اللغة الفصحى "العالمة" وبين اللهجات العامية، المتعددة المختلفة، مسافة واسعة وعميقة. والطفل العربي يعاني في تعلم اللغة الفصحى من صعوبات جمة سواء على مستوى النطق أو الكتابة أو تركيب الجمل، صعوبات قد لا تقل كثيرا عن تلك التي يعانيها عند تعلم لغة أجنبية.
ليس هذا فحسب، بل إن اللغة "العالمة" التي يتعلمها الطفل في المدرسة لا يستطيع توظيفها في الحياة اليومية، لا على مستوى التفكير ولا على مستوى التعبير، لأنها في وضعيتها الحالية لا تغطي إلا قسما صغيرا ومحدودا من الأشياء التي يتعامل معها يوميا، أشياء المدنية الحديثة، المادية منها والمعنوية، بينما تغطي اللهجات العامية دائرة أوسع لكونها لهجات مفتوحة تقبل "الدخيل" من الكلمات الأجنبية بدون قيود، وقد تتصرف فيها أيضا بدون قيود. وهكذا فقاموس المنزل وقاموس الدكان وقاموس المصنع... هي على العموم قواميس أغنى بما لا يقاس في اللهجات العامية منها في اللغة "العالمة" الفصحى، الشيء الذي يجعل اللجوء إلى العامية ضرورة لغوية.
على أن الانفصال بين اللغة الفصحى واللهجات المحلية في الحضارة العربية ليس وليد هذا القرن ولا القرن الماضي، ولا هو من نتائج الاحتكاك بالحضارة الحديثة والانفتاح عليها، بل هو انفصال يرجع إلى عصر الفتوحات الإسلامية الأولى، إلى بداية ازدهار الحضارة العربية الإسلامية ذاتها... إلى بدايات العصر الأموي على الأقل، حينما أخذ سكان البلاد المفتوحة يندمجون في المجتمع العربي الإسلامي الجديد حاملين معهم لغاتهم وثقافاتهم مما أدى إلى ما عبر عنه القدماء بـ "الاختلاط "، اختلاط الألسن، وبالتالي تفشي اللحن في اللغة العربية على نطاق واسع (ومعنى "اللحن في اللغة": "الميل عن صحيح الـمَنْطِق" =النطق). وإذا أضفنا إلى ذلك أن "لغات" القبائل العربية التي انتقلت في عصر الفتوحات أو بعده إلى خارج الجزيرة لتستوطن البلاد المفتوحة، كانت عبارة عن لهجات تختلف قليلا أو كثيرا عن "لغة قريش" التي اعتمدت كلغة "مركزية"، أدركنا كيف أن الفتوحات العربية قد "فتحت" الباب لقيام لهجات عامية تختلف عن بعضها باختلاف "لغات" القبائل العربية الفاتحة أولا، وباختلاف لهجات السكان الأصليين في البلاد المفتوحة ثانيا. هكذا نشأت العاميات العربية ابتداء من أواخر العصر الأموي- على أقل تقدير- بفعل عمليتين متكاملتين : استعجام نسبي للقبائل العربية في المراكز الحضرية في الجزيرة العربية وخارجها، واستعراب نسبي كذلك للسكان غير العرب المسلمين.
وكما هو معروف فلقد كانت العملية المقابلة، ولنقل رد الفعل "العالم"، لهذه الظاهرة "الطبيعية" التلقائية هو جمع اللغة العربية الفصحى وتدوينها ووضع قواعد لها، إنقاذا للغة "العالمة"، لغة القرآن والحديث والشعر والمغازي والأيام وبكلمة واحدة لغة الثقافة العربية الإسلامية الناشئة... وكما هو معروف فقد اعتمد "جامعو اللغة" السماع والنقل من الأعراب، سكان البادية في الجزيرة العربية، الذين لم "تفسد ألسنتهم بالاختلاط " حسب تعبير القدماء. فكانت النتيجة هذه اللغة الفصحى التي احتفظت لنا بها المعاجم وكتب التراث عامة والتي تشكل لغتنا "العالمة"، ولكن المنفصلة عن الحياة اليومية وأشيائها الحضارية منذ عصر التدوين نفسه، منذ القرن الثاني للهجرة، مما كرس ورسخ الانشطار في الواقع الثقافي العربي، الانشطار الذي يتمثل في عدم وجود جسر لغوي بين الثقافة العالمة، ثقافة النخبة، والثقافة "العامية" ثقافة الجماهير.
***
ما يهمنا هنا ليس حكاية هذه الوقائع المعروفة، بل يهمنا أولا وأخيرا الدرس الذي يمكن استخلاصه من تجربة "عصر التدوين" القديم من أجل تدشين "عصر تدوين" جديد. إن عملية "التدوين"، التي شهدها العصر العباسي الأول، من بدايات القرن الثاني إلى منتصف القرن الثالث للهجرة، كانت في الواقع عبارة عن إعادة بناء شاملة للثقافة العربية الإسلامية، وفي مقدمتها اللغة العربية.. وإذا كان المطلوب منا اليوم، على طريق تدشين مرحلة نهضوية جديدة، هو إعادة بناء شاملة للثقافة العربية على ضوء معطيات عصرنا ومتطلباته، فلعل أول ما يجب البدء به هو التفكير في تدشين عملية "تدوين" جديدة للغة العربية. وهنا يمكن، بل يجب، أن نستلهم الطريق ليس فقط بتوظيف ما تراكم في العصر الحديث من مناهج وتجارب في العالم كله وما حصل من تقدم في العلوم اللسانية بكيفية عامة، بل يجب علينا كذلك استذكار الكيفية التي جعل بها القدماء لغة الأعراب "الأقداح" لغة واحدة حضارية عالمة... ولكن مع مراعاة التباين والاختلاف بين طبيعة المشكل اليوم وبين طبيعته بالأمس.
كانت المشكلة التي واجهت جامعي اللغة العربية الفصحى في عصر التدوين مشكلة منهجية أولا وقبل كل شيء، وتتلخص في إيجاد وسيلة تمكن من "عزل" و"فصل" اللغة الفصحى (لغة القرآن) عن اللهجات العامية التي كانت تفرض نفسها كلهجات للحياة اليومية. أما مشكلتنا نحن اليوم فهي أيضا مشكلة منهج، ولكنها ذات اتجاه معاكس: كيف يمكن، لا جمع اللغة الفصحى وعزلها فهي مجموعة معزولة، بل بالعكس: كيف يمكن بسطها وتعميمها، وبالتالي تحويلها إلى لغة للحياة اليومية، أو على الأقل- وهذه خطوة أولى ضرورية- كيف يمكن جعلها قادرة على تغطية أشياء الحياة اليومية ومستجداتها.
يتعلق الأمر إذن بالحاجة إلى قاموس معاصر للغة العربية: معاصر، بمعنى أنه يحتوي على جميع الألفاظ الضرورية للتعبير عن معطيات حياة عصرنا المادية منها والفكرية. فما السبيل إذن إلى هذا القاموس؟
إننا على وعي كامل بالصعوبات اللغوية والتقنية التي تعترض تحقيق مثل هذا المشروع. كما أننا على وعي كامل كذلك بالمشاكل التي يطرحها تعدد المجامع اللغوية العربية في الوقت الحاضر وعدم وجود إرادة جدية للتنسيق بين عمل الدول العربية في هذا المجال كما في المجالات الأخرى. ومع ذلك فإن تجربة عصر التدوين "القديم" تبعث ليس على شيء من التفاؤل فحسب، بل تغري أيضا باستلهام بعض الحلول منها!
ذلك أن الجهة التي قامت بجمع اللغة الفصحى قديما ليس المجامع العلمية التي ترعاها الدولة وتنفق عليها وبالتالي تمارس عليها سلطتها وهيمنتها، بل أفراد تجندوا للعمل متنافسين ومتعاونين في آن واحد، لم يكونوا يتلقون أجرا، بل بالعكس كانوا يصرفون من أموالهم الخاصة على تنقلاتهم وأحيانا على "شراء" الكلام الفصيح من الأعراب... كانوا يتصرفون وكأنهم يمارسون هواية. نعم، قد يكون وراء العملية تشجيع من هذا الخليفة أو ذاك في وقت من الأوقات، وقد تكون العملية ذاتها جزء من استراتيجية عامة واعية أو غير واعية... ولكن يبقى مع ذلك أنها كانت من عمل العلماء وحدهم، أي أولئك الذين نعبر عنهم نحن اليوم بـ "النخبة المثقفة".
هذه الحقيقة التاريخية تدفعنا إلى التساؤل: لماذا لا تتجند نخبة من المثقفين العرب المعاصرين من ذوي الاختصاصات المختلفة لإنجاز مثل هذا العمل/ الهواية، خصوصا ونحن في عصر تتجه فيه الأمور إلى إسناد كثير من المهام التي كانت تقوم بها الدولة إلى ما يعبر عنه اليوم بـ "المجتمع المدني" و"القطاع الخاص".
لنطرح السؤال ولو في إطار حلم!
كان من أهم الوسائل التي استعملها أولئك العلماء/ الهواة، الرواد، لجمع اللغة العربية: وضع "رسائل الألفاظ والمعاني"، وكثير منها لا زال موجودا إلى الآن: رسائل تحمل أسماء مثل "كتاب المطر" و"كتاب اللبإ واللبن" لأبي زيد الأنصاري، و"كتاب الإبل" و"كتاب الخيل" و"كتاب الشتاء" و"كتاب أسماء الوحوش وصفاتها" و"كتاب خلق الإنسان" و"كتاب النخل والكرم" و"كتاب النبات والشجر" للأصمعي... الخ.. رسائل يختص كل منها بجمع الألفاظ العربية الفصيحة المستعملة في موضوع معين، كالموضوعات التي ذكرنا.
فلماذا لا يكون من بين المثقفين العرب اليوم نخبة من "الهواة" يؤلفون رسائل صغيرة مماثلة، ولكن بعناوين معاصرة مثل: كتاب الدراجة وكتاب السيارة، و"كتاب المطبخ وأدواته ومواده وأكلاته، وكتاب الملابس والأحذية وما في معناها، وكتاب الكهرباء والاليكترونيات، وكتب في الإدارة والمالية والبنوك، وأخرى في الاجتماعيات والسياسيات، إلى غير ذلك من الأدوات والمواد والعلاقات التي لا يعبر عنها العربي المعاصر إلا بما يقدمه له "الاختلاط" من ألفاظ ومصطلحات معظمها من لغات أجنبية لا تمت إلى العربية بصلة. إن "الرسائل اللغوية المعاصرة" التي تدعو الحاجة إليها اليوم يمكن أن تستقى موادها من مصادر متنوعة: من معاجم اللغة الفصحى، وكتب المصطلحات القديمة، ومعاجم المجامع العربية الحديثة، وأيضا من العاميات العربية المعاصرة مع الإقدام بجرأة على الوضع والترجمة والتعريب، والاستعانة بالصور والرسوم. ويمكن في إطار ذلك القيام بدراسات مقارنة بين اللهجات العربية مع البحث عن أصولها واختيار الأقرب إلى النطق العربي منها.
مثل هذه "الرسائل" يمكن أن توزع بأسعار رمزية أو بالمجان في المدارس والجامعات والدور الثقافية، ويمكن أن تخصص لها برامج تطبيقية في الإذاعات والتلفزات والفضائيات العربية. هذا مع ما يلزم من قرارات سياسية في هذا المجال، مثل القرار الذي يمنع استعمال غير العربية في الواجهات واللافتات والمعاملات الرسمية، على غرار ما هو جار به العمل في كثير من الأقطار الأوربية.
النهضة، التجديد، الحداثة، والرقي، والتقدم ... كل ذلك يحتاج إلى عمل ومشاريع عمل. أما التغني بها أو التباكي، كمجرد شعارات، فهو لا يجدي.
3- المستعمل والمهمل...
يعرف كل من له اتصال أو إطلاع باللغات الأوروبية الحية كالإنجليزية والفرنسية ... أن أهلها والقائمين على شؤونها قد أخذوا منذ مدة طويلة "يضعون" ما أصبح يسمى عندهم بـ "اللغة المبسطة" -أعني أنهم يفرزونها ويعزلونها من لغتهم العالمة، الأدبية والعلمية- لغة سهلة ينطلقون منها في تعليم أولادهم في المدارس الابتدائية وكذلك لتعليم الأجانب. وهكذا نسمع ونقرأ عن "الفرنسية السهلة" و"الإنجليزية المبسطة" الخ، وهي نفس اللغة العالمة عندهم. غير أن مفرداتها وتراكيبها مختارة بعناية ومضبوطة بدقة. وأكثر من ذلك موزعة على مراحل ومستويات يخصص لكل مرحلة عدد محصور من الكلمات ما بين 200 و 500 كلمة لكل مرحلة، حتى إذا أنهى المتعلم المراحل المقررة، سبعة أو ثمانية، يكون قد توافر لديه رصيد لغوي قوامه ما بين 3000 و 4000 كلمة من الكلمات المستعملة بكثرة في مختلف مرافق الحياة، بالإضافة إلى مختلف التراكيب وأنماط الجمل والبنيات اللغوية الشائعة والضرورية للفهم والتعبير.
هذه اللغات المبسطة تدون و"تصنع" ويعاد فيها النظر باستمرار وتوضع لها قواميس خاصة وكتب للقراءة المدرسية ومؤلفات للمطالعة على شكل قصص، في الغالب، تختار موضوعاتها من بين موضوعات الساعة أعني الموضوعات التي تحظى بالاهتمام في الحياة المعاصرة كالرياضة والمغامرات الفضائية الخيالية وغير ذلك من القضايا "المعاصرة" التي تجعل الطفل يعيش عصره في لغته، ويتعلم لغته من خلال معطيات عصره ومشاغل أهله.
ونحن في العالم العربي ما أحوجنا إلى مثل هذه اللغة المبسطة المدونة والمضبوطة، ننطلق منها ليس فقط في تعليم أولادنا وتعليم الأجانب لغتنا، بل أيضا في تعريب حياتنا اليومية العامة وذلك بالارتفاع بالعاميات العربية إلى اللغة العربية الواحدة العالمة، الشيء الذي سيعزز وحدتنا الثقافية: المقوم التاريخي الدائم للأمة العربية. فكيف السبيل إلى هذه "العربية المبسطة"؟
لنستفت تجارب القدماء أولا!
***
عندما أراد الخليل بن أحمد الفراهيدي (100-1070هـ) وضع قاموس شامل للغة العربية (معجمه المعروف بـ "كتاب العين") انطلق من مبدأ منهجي قوامه حصر جميع الألفاظ التي يمكن تركيبها من الحروف الهجائية العربية على أنماط الألفاظ والكلمات العربية، فركب الحروف الهجائية العربية بعضها مع بعض في ألفاظ ثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية مستنفذا جميع التراكيب الممكنة بالجمع بين كل حرف من حروف الهجاء الثمانية والعشرين مع الحروف السبعة والعشرين الأخرى، مثنى وثلاث ورباع وخماس (المجرد في العربية يقف عند خمسة أحرف والباقي مزيد)، حتى إذا توافرت لديه جميع الألفاظ الممكن تركيبها على نمط الألفاظ العربية أخذ في فحصها: فما وجده مستعملا في لغة التخاطب لدى الإعراب أو في النصوص كالقرآن والشعر الجاهلي أبقاه، وما لم يجده مستعملا أهمله. ومن هنا انقسمت الكلمات التي يمكن تركيبها من الحروف الهجائية العربية لديه، ولدى اللغويين من بعده، إلى "مستعمل" و"مهمل". والمعاجم القديمة تحتفظ لنا، بطبيعة الحال، بـ "المستعمل" وحده.
ولكن "المستعمل" من طرف من؟
لقد جمعت اللغة العربية كما هو معروف من الأعراب الذين كانوا ما يزالون في عصر التدوين يعيشون في حالة "خشونة البداوة" ولم تفسدهم "رقة الحضارة"، حسب تعبير ابن خلدون. وبالتالي فـ "المستعمل" من منظور اللغويين هو ما استعملته القبائل العربية التي لم "يفسد" لسانها بسبب الاحتكاك مع المراكز الحضرية التي تفشت فيها ظاهرة، "الاختلاط"، فكانت النتيجة أن صارت لغة المعاجم العربية تنقل عالم الأعرابي، وهو عالم البداوة والتكرار والرتابة...
ما يهمنا الآن ليس مناقشة هذا المنهج في جمع اللغة ولا النتائج التي ترتبت عنه. إن ما يشغلنا هنا هو التفكير في كيفية الاستفادة منه في مشروع اللغة العربية المبسطة التي نحن في أشد الحاجة إليها، كما اشرنا إلى ذلك قبل في المقال السابق. وأنا اعتقد أن مبدأ التمييز بين "المستعمل" و"المهمل" صالح للتطبيق اليوم أيضا كوسيلة لـ "صنع" اللغة العربية المبسطة المطلوبة، وذلك على عدة مستويات، أولها مستوى المعاجم نفسها. ذلك أننا إذا القينا نظرة في معاجمنا اللغوية كمعجم "لسان العرب" وهو أوسعها أو "مختار الصحاح" وهو أوجزها أو قاموس "المنجد" أو ما ظهر بعده من القواميس الحديثة، لوجدناها جميعا تضم عددا هائلا من الألفاظ التي لم تعد مستعملة في اللغة العربية المعاصرة، أعني لغة الصحافة والإذاعة والقصة والمقالة والنصوص العلمية، بل منها عدد كبير غير مستعمل لا في القرآن ولا في الحديث. فلماذا لا نفكر في قاموس عربي معاصر يحتفظ من المعاجم القديمة بالكلمات المستعملة اليوم فقط ويعتبر الباقي مهملا، لا بصورة مطلقة، بل مهملا بالنسبة للغة المعاصرة، وبالتالي يبقى محتفظا به في المعاجم القديمة التي ستبقى بدورها، كما كانت دوما، مرجعا للمتخصصين والباحثين.
هذه واحدة.
أما الثانية فهي أن هذا القاموس المعاصر يجب أن يضم بين دفتيه ما أهملته، عن قصد، المعاجم القديمة على الرغم من كونه كان مستعملا، نقصد بذلك المصطلحات والمفاهيم العلمية والأدبية والكلامية والفلسفية التي ألف فيها القدماء كتبا ورسائل متخصصة كرسائل "الحدود" و "التعريفات" و"اصطلاحات الفنون"، وبالخصوص ما هو مستعمل الآن من الكلمات والمصطلحات والمفاهيم المولدة أو المعربة أو المترجمة، في مختلف ميادين الثقافة المعاصرة. هذا النوع أيضا يجب إدخاله في القاموس العربي المعاصر. ولا بد أن نضيف إلى ذلك كله عددا كبيرا من الكلمات "العامية" المستعملة بكثرة والتي اتخذت قالبا عربيا أو معربا تقبله " الأذن" العربية.
أعتقد أنه بهذه الطريقة يمكن أن نتوفر على قاموس أصيل ومعاصر في نفس الوقت: أصيل لأنه يحتفظ بجميع الألفاظ العربية المستعملة في النصوص التراثية المتداولة... ومعاصر لأنه سيضم الألفاظ المولدة والمعربة والمترجمة بالإضافة إلى المصطلحات العلمية والفنية المتداولة والمفاهيم الرائجة في عصرنا. وهو فوق ذلك سيدشن مرحلة جديدة في تاريخ المعجم العربي، إذ سيمكن من جعل الكلمة العربية يتوافر لها تاريخ كما هو الحال في اللغات الأخرى، الشيء الذي نفتقده نحن في لغتنا. فالكلمة العربية، كما نعرف بقيت، هي هي، منذ الشنفرى وامرئ القيس، كلمة لا تاريخ لها! هذا القاموس العربي المعاصر يجب أن يبقى مفتوحا لكل جديد وتجديد، وهو خطوة أولى ضرورية لـ "صنع" وتدوين اللغة العربية "المبسطة" موضوع حديثنا، منه يجب أن تستقي، وعليه يجب أن تعتمد.
هناك مسألة أخرى لا بد من إثارتها هنا وتتعلق بالكيفية التي ينبغي أن يرتب عليها القاموس العربي المعاصر المطلوب. إن اعتماد الحرف الأول من "أصل" الكلمة في ترتيب المعجم، كما في "المنجد"، يتطلب المعرفة الدقيقة بالقواعد الصرفية، وهذا ما ليس في مستطاع الطفل ولا الأجنبي ولا حتى المثقف العادي. ذلك لأن "أصل" الكلمة، إذا كانت أكثر من ثلاثية، تتوقف معرفته على معرفة قواعد الاشتقاق والإدغام والإبدال والإعلال وأوزان المجرد والمزيد... الخ؛ وبكيفية عامة يتطلب التضلع في اللغة والصرف. يجب إذن التخلي عن هذه الطريقة ليس للاعتبارات التي ذكرنا فحسب، بل أيضا لأن اعتماد أصل الكلمة في ترتيب مادة المعجم أسلوب يفرض علينا النظر إلى اللغة كمجموعة من الأسر أو "القبائل" المرتبطة فيما بينها برابطة النسب، وبالتالي فما لا ينتمي إلى "أسرة" من هذه الأسر يبقى "شريدا" أو "دخيلا"، فيما إذا قبل نوعا من القبول... وباختصار إن اعتماد "أصل" الكلمة سيبقي اللغة كما هي ويسد الباب بالتالي أمام كل جديد. لا بد إذن من الاختيار بين طريقين في ترتيب مواد "القاموس العربي المعاصر"، إما اعتماد الحرف الأول من الكلمة كما هي سواء كان زائدا أو أصليا (بعد إسقاط "ال" التعريف)، وإما بالرجوع إلى طريقة المعاجم القديمة واعتماد الحرف الأخير من الكلمة في الترتيب أولا ثم الرجوع القهقرى بالنسبة للحروف الأخرى، وهنا يكمن التعقيد : فالحرف الأخير من الكلمة يتطلب الرجوع إلى الأصل إن كان من حروف العلة أو من الحروف الزائدة.. وإذن فالأنسب فيما نرى هو اعتماد الحرف الأول كيفما كان، أصليا أو زائدا، مع إسقاط "الـ" التعريف، وذلك ما عملت به بعض المعاجم القديمة المختصة كـ"تعريفات" الجرجاني مثلا.. وبذلك يتم التعامل مع الكلمة بوصفها كيانا مستقلا، لا بوصفها "أصلا" أو "فرعا"... إن مفهوم "الأصل والفرع" كان من المفاهيم الأساسية في الجهاز الإبيستيمولوجي للفكر العربي في الماضي.. فهل من الضروري أن نبقى سجناء هذا المفهوم إلى الأبد؟
تلك مسألة قد نعود إلى مناقشتها، أما الآن فيكفي أن نؤكد إلى أن مبدأ المستعمل والمهمل مبدأ يجب اعتماده دوما، لأنه وحده المبدأ الذي يمكن من مساوقة التطور ويفسح المجال للتجديد. ذلك أن لكل عصر مستعمل ومهمل، في اللغة كما في الأدوات الأخرى، الفكرية النظرية والمادية العملية.
4- نوع آخر من المستعمل يجب أن يهمل
من بين العلوم الإنسانية التي حققت تقدما هائلا في العقود الأخيرة: علم اللسانيات أو الألسنية. وقد استفادت اللغات الأوربية وتستفيد من نتائجه التطبيقية في إعادة تأسيس وهيكلة علم النحو فيها، فغدت قواعد اللغة في كثير من تلك اللغات تصاغ وتدرس لأبناء البلد وللطلبة الأجانب بصورة تختلف كثيرا عما كانت عليه منذ نصف قرن من الزمان. وإذا كانت القواعد ذاتها لم تتغير فإن طريقة عرضها وضبطها وأسلوب التعبير عنها قد عرفا من التجديد والتيسير والضبط ما جعل من الدرس النحوي المعاصر فيها، معاصرا فعلا، بمنهاجه ومضمونه، فغدا يعتمد أكثر فأكثر على مفاهيم جديدة كمفهوم البنية والنمط والنموذج وغيرها من المفاهيم التي تشكل في الفكر المعاصر "مفاتيح العلوم"، سواء منها العلوم الرياضية والفيزيائية أو العلوم الإنسانية.
ونحن في العالم العربي ما زلنا في مؤخر القافلة/ أو على الأصح نحن واقفون وراءها نتفرج. إننا لا ننكر أن هناك اهتماما متزايدا بالألسنية المعاصرة في كثير من الجامعات العربية، كما أننا نعرف أن كثيرا من المجلات الثقافية عندنا تعمل، إما بالترجمة وإما بالعرض والتلخيص، على "إطلاع" القارئ العربي، على بعض مسائل هذا العلم الجديد. غير أن ما يتداول عندنا من أبحاث وآراء ويجري من مناقشات ما زال معظمه، إن لم يكن كله، أجنبيا، بمعنى أن حظ اللغة العربية فيه سواء كميدان للبحث أو للتطبيق حظ ضئيل جدا
نحن نعلم أن الألسنية المعاصرة هي علم عام للغة، وبالتالي فالمتخصصون فيها يعتبرون ما يتوصلون إليه من قوانين ونتائج، قوانين ونتائج عامة لا تخص لغة دون لغة. ومع ذلك فإنه لا أحد ينكر أن لكل لغة خصوصيتها، وأن درجة هذه الخصوصية تختلف من لغة إلى أخرى. فاللغات التي هي من أرومة واحدة كاللغات المتفرعة من اللاتينية هي لغات متقاربة الخصوصية، بينما أن هناك لغات من أرومة مختلفة تماما لا نظن أنها تقبل أن تطبق عليها النظريات الألسنية الرائجة اليوم بمثل الدرجة التي تطبق بها في اللغات الأوروبية التي تشكل المجال اللغوي الأساسي الذي استخلصت منه تلك النظريات.
واللغة العربية كما نعرف جميعا تنتمي إلى أرومة تختلف أصلا عن أرومة اللغات الأوروبية، ولذلك فحاجتنا إلى "ألسنية عربية" هي من جنس حاجتنا إلى "علم اجتماع عربي". نريد أن نقول: إنه، كما لا يجوز تطبيق نتائج الأبحاث الاجتماعية التي تجرى في المجتمع الأمريكي، مثلا، على المجتمع العربي، فكذلك لا يجوز أن تطبق نتائج الأبحاث اللسانية التي تجرى في اللغات الأوروبية الحديثة على اللغة العربية تطبيقا استنساخيا.
وما يهمنا من هذه المسألة التي أثرناها هنا ليس الألسنية ذاتها ولا حتى تحديد درجة قابلية نتائجها للتطبيق على لغة كاللغة العربية، بل ما يهمنا أساسا هو الدعوة مرة أخرى- فقد سبقت دعوات مماثلة- إلى التفكير في تجديد النحو العربي، نقصد بذلك جعله معاصرا للغة العربية التي نريدها معاصرة، وهنا كما في مجالات أخرى نريد أن نربط، في دعوتنا إلى "تدوين" جديد لقواعد اللغة العربية، بين الاستفادة من علم اللسانيات المعاصر، مناهج ونتائج، وبين الاستفادة من الدرس الذي يمكن استخلاصه من الظروف والملابسات التي تحكمت في وضع النحو العربي في عصر التدوين على يد الخليل وسيبويه والكسائي ومن عاصرهم أو جاء بعدهم من النحاة.
وهنا لا بد من التذكير أولا بأن الشكوى من مبالغة النحاة في التقعيد والتعسف في التعليل والتنظير شكوى قديمة. وقد احتفظت لنا كتب الأدب بنوادر تعبر عن تضايق واستغراب أهل اللغة العربية، أعني أولئك الذين كانوا يتكلمونها بالسليقة، من تعسف النحاة في التنظير لـ"كلام العرب" ومناقشاتهم لتراكيبه وعباراته. وما مخاطبة أحد الإعراب لجماعة من النحاة سمع مناقشتهم، قائلا: "إنكم تتكلمون قي كلامنا بكلام ليس من كلامنا"، إلا واحد من المؤشرات التي تدل على أنه كان هناك وعي مبكر، بابتعاد النحاة عن حدود "المعقول".
ولم يكن أصحاب السليقة هم وحدهم الذين تضايقوا من تفريعات النحاة وتأويلاتهم، بل لقد انتقلت عدوى "الثورة على النحاة" إلى علماء كبار من أمثال ابن حزم الأندلسي الذي وجه نقدا لاذعا لتأويلات وتفسيرات النحاة خاصة منها ما يتعلق بما سموه بـ"العلل" (العلل النحوية). قال أبو محمد ابن حزم عن هذه "العلل": إنها "كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة البتة، وإنما الحق من ذلك أن هذا سُمع من أهل اللغة الذين يرجع إليهم في ضبطها ونقلها، وما عدا هذا، مع أنه تحكم فاسد متناقض، فهو أيضا كذب، لأن قولهم: كان الأصل كذا فاستثقل فنقل إلى كذا... ، شيء يعلَم كل ذي حس أنه كذب لم يكن قط، ولا كانت العرب عليه مدة، ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ذلك"، وإنما هو من عمل النحاة وتعليلاتهم التنظيرية الخيالية. من أجل ذلك دعا ابن حزم إلى الاكتفاء في النحو بما هو ضروري لمعرفة قواعد اللغة العربية وترك تعليلات النحاة جانبا. يقول "وأما التعمق في علم النحو ففضول لا منفعة بها، بل هي مشغلة عن الأوكد، ومقطعة دون الأوجب والأهم، وإنما هي أكاذيب. فما هو الشغل بما هذه صفته؟ وأما الغرض من هذا العلم فهي المخاطبة، وما بالمرء حاجة إليه في قراء الكتب المجموعة في العلوم فقط ".
ويأتي ابن مضاء القرطبي، بعد أكثر من قرن ليؤلف كتابا بعنوان "الرد على النحاة"، كرر فيه دعوة ابن حزم بأسلوب هادى فنادى بإلغاء نظرية العامل في النحو، وما تقوم عليه من تعليل وقياس، والاكتفاء بتقرير القواعد، كتقرير أن الفاعل مرفوع دون البحث عن من "فعل" الفعل ولا عن السبب الذي من أجله كان الرفع لا النصب.
غير أن دعوة ابني مضاء القرطبي بقيت صيحة في واد، فبقي النحو العربي كما كان مثقلا بكثير من التعليلات والتخريجات التي لا تفيد وظيفة النحو في شيء، بل بالعكس تعقدها وتجعل من الوسيلة غاية ومن الأداة هدفا. وعندما أثيرت قضية النحو العربي في العقود الأخيرة- منذ الخمسينات- انقسم ذوو الاختصاص من الباحثين واللغويين العرب المعاصرين إلى قسمين: قسم يطالب بإلغاء نظرية العامل واتخاذ ذلك منطلقا لتبسيط النحو العربي وتحديثه، وقسم يدافع عن تلك النظرية بوصفها تشكل قوام النحو العربي وأساس أصالته وخصوصيته، الشيء الذي يجعل من إلغائها إلغاء لقواعد اللغة العربية ككل، في نظرهم.
نحن لا نريد الدخول في نقاش يقع خارج اختصاصنا، وإذن فكل ما نريده، هو أن ننبه إلى مسألة تنتمي إلى الميدان الذي نشتعل فيه، ميدان البحث الإبيستيمولوجي في تراثنا، وهو ميدان العلوم العربية في تداخلها وترابطها على مستوى المنهج والمفاهيم وأسس التفكير وطرائقه. نريد أن ننبه إلى أن نظرية العامل في النحو هي، من الناحية الإبيستيمولوجية، امتداد لجملة من المبادئ والقواعد التي كرستها مناقشات المتكلمين لتصبح عبارة عن مبادئ تؤسس الحجاج والجدال في علم الكلام. وبما أن معظم النحاة الأوائل كانوا متكلمين، وبما أن علم الكلام كان يعتبر علما عقليا، فلقد كان من الطبيعي أن تؤسس تواعد التفكير في علم الكلام البحثَ والنقاش في العلوم العربية الإسلامية الأخرى وفي مقدمتها النحو. ومن جملة تلك القواعد مجموعة من المبادئ تؤسس، معرفيا، ما يسمى في النحو بـ "نظرية العامل".
من هذه المبادئ مبدأ يصوغه النحاة هكذا: "لكل فعل فاعل"، وهو صياغة نحوية لمبدأ من مبادئ المتكلمين يعبرون عنه بقولهم: "لكل حادث محدِث"، وهي القضية العامة التي يوظفونها في برهنتهم على حدوث العالم. ومن ذلك أيضا قول النحاة: "لا يكون للفعل إلا فاعل واحد"، وهذا أيضا صيغة لمبدأ المتكلمين القائل: "لا يمكن أن يكون العالم من صنع الهين، لأنه لو كان هناك أكثر من إله واحد لحصل التنازع بينهما"، ومن هنا "باب التنازع" في النحو. أما المبدأ النحوي القائل "لا يجوز التقاء ساكنين" فهذا امتداد لمبدأ المتكلمين القائل: "العرض لا يبقى زمانين". ذلك لأنه بما أن الحركة عندهم عرض والسكون عرض، فإنه لا يمكن أن يبقى السكون ولا الحركة أكثر من "آن" واحد. و"الآن"، أو "الوقت" عندهم هو أصغر جزء من الزمان لا يقبل القسمة إلى ما دونه فهو جوهر فرد. وإذن، "لا يجوز التقاء ساكنين" لأن بعد كل سكون حركة وبعد كل حركة سكون، بل سكون الشيء عندهم هو بقاؤه متحركا في مكانه، كما أن الحركة هي مجموعة من السكنات والحركات. لقد نقل النحاة هذا التصور للحركة والسكون إلى النحو مثقلا بمضامين بعيدة عن النحو، مضامين كلامية ميتافيزيقية. ومثل ذلك فعلوا في "العلة" و"القياس"...حتى جاءت العلل النحوية من جنس علل المتكلمين، كما لاحظ القدماء ذلك.
هكذا اتخذ النحو العربي صورة "منطق اللغة" بدل أن يكون مجرد قواعد لها. وهذا الفهم المنطقي للنحو كان النحاة يعونه ويكرسونه، وذلك ما أكده السيرافي النحوي في مناظرته المشهورة مع متى المنطقي حينما قال "والنحو منطق، ولكنه مسلوخ من العربية. والمنطق نحو، ولكنه مفهوم باللغة"، مؤكدا خلط النحاة بين قواعد اللغة وقواعد التفكير، تماما كما كان المتكلمون يفعلون.
لنختم إذن بالقول إن تبسيط النحو العربي أو تجديده، وبعبارة أفضل إعادة تدوينه، يجب أن تنطلق من التحرر من الأسس غير اللغوية التي كان يصدر عنها النحاة القدماء والتي كانت تنتمي إلى علم غير علمهم... إنه نوع آخر من "المستعمل" الذي يجب أن يهمل.
5- تجديد التفكير في مشروع سابق للتصحيح والتجديد...
يعتقد معظم الذين سمعوا عن ابن رشد أو كتبوا عنه أو تعصبوا له أو ضده، من القدماء والمحدثين- أنه كان فيلسوفا تميز بشروحه لكتب أرسطو، وبرده على الغزالي وبانتصاره لفلسفة أرسطو في هذا الرد وفي كتب أخرى. هذا إلى جانب كونه فقيها كتب في الفقه كتابا متميزا هو "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، وأنه ألف في الطب كتاب "الكليات" ...
كل هذا صحيح، ولكن يبقى مع ذلك أن ابن رشد ظل مظلوما، لم يعطعه القدماء ولا المحدثون حقه كاملا، سواء في أوربا العصور الوسطى التي شغل الناس فيها قرونا، أو في العالم العربي والإسلامي الذي بقي ذكره فيه محدودا، أو يكاد، في مؤلفات أصحاب التراجم و"الطبقات" (طبقات الأطباء خاصة)، أو في رسائل الدبلوم والدكتوراه التي هيأها أصحابها من المعاصرين العرب وغير العرب عن ابن رشد، في القرن العشرين!
أقول إن ابن رشد بقي مظلوما ليس فقط بسبب نقص في المعرفة به من جانب من ذكروه أو اهتموا به، بل أيضا لأن "التاريخ" نفسه ظلمه في بعض كتبه التي ظلت مفقودة. ذلك لأن فيلسوف قرطبة لم يكن مجرد مؤلف ينشر المعرفة بفهم ثاقب وبأسلوب متين ناضج، وبروح نقدية واتجاه عقلاني أصيل فحسب، بل كان في كل ما كتب ينزع نحو التغيير والإصلاح والتجديد. كان صاحب مشروع، أعلن عنه هو نفسه في غير ما مناسبة ...
كان ابن رشد يعمل في كل ما كتب من أجل تحقيق هدف استراتيجي واحد هو: إعادة بناء الفكر والثقافة في عصره، وذلك بإعادة تأصيل الأصول في كل مجال من مجالات الثقافة العربية الإسلامية: في العقيدة، والشريعة، والفلسفة، والطب، والعلم، واللغة، والسياسة ...
- ففي مجال العقيدة أكد بعبارات صريحة أن هدفه من التأليف فيها (خصوصا كتبه الثلاثة: "الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة"، و"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال،"، و"تهافت التهافت") كان، كما عبر هو نفسه: " تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير" والرجوع بهـا إلى "الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها"، ووضع "قانون للتأويل" يبين للعلماء ما يجب تأويله، وما يجوز، وما لا يجوز، وكيف؟
أما في مجال الفقه فقد دشن عمله فيه بكتابه "الضروري في أصول الفقه" الذي افتتحه بتوجيه نقد قوي لفقهاء عصره الذين قال عنهم: "إن هاهنا طائفة تشبه العوام من جهة، والمجتهدين من جهة، وهم المسمون في زماننا هذا بالفقهاء، فينبغي أن ننظر في أي الصنفين أولى أن نلحقهم؟ وظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدون. والفرق بين هؤلاء وبين العوام أنهم يحفظون الآراء التي للمجتهدين فيخبرون بها العوام من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد، فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين. ولو وقفوا في هذا لكان الأمر أشبه، لكن يتعدون فيقيسون أشياء لم ينقل فيها عن مقلََّّديهم حكم على ما نقل عنهــم في ذلك، فيجعلون أصلا ما ليس بأصل، ويصيِّرون أقاويل المجتهدين أصولا لاجتهادهم، وكفى بذلك ضلالا وبدعة". من أجل ذلك قرر تصحيح الوضع بفتح باب الاجتهاد وبيان أسباب الخلاف بين أئمة الفقه، فكان ذلك موضوع كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، "الذي لم يعمل مثله" حسب عبارة القدماء. وقد عرض فيه الفقه الإسلامي عرضا نقديا يقوم على مقارنة المذاهب الفقهية الأربعة وبيان وجوه الاختلاف بينها ودواعيه، وترجيح ما اعتبره أقرب إلى مقاصد الشرع.
- وأما في المجال الفلسفي فقد أعلن فيلسوف قرطبة بكل صراحة في أول كتاب له في الفلسفة، أن غرضه هو استخلاص الآراء العلمية التي يقتضيها مذهب أرسطو وحذف الأقاويل الجدلية منها، مبينا أنه إنما اعتمد مؤلفات أرسطو دون غيرها من كتب القدماء (اليونان) لكونها "أشدها إقناعا وأثبتها حجة". وهكذا جاءت شروحه على أرسطو غنية تتجاوز مجرد الشرح إلى آراء وأفكار اجتهادية لم تنقل عن أرسطو وإنما استخلصها من خط تفكيره، حجته في ذلك أن مذهب أرسطو يقتضي تلك الأفكار مع أنه لم يصرح بها. ومن هنا يصح أن يقال عنه إنه لم يكن مجرد شارح لـ"المعلم الأول" (أرسطو) بل كان مكملا له، بذل كل جهده لسد ثغرات مذهبه!
- أما في مجال الطب، الذي ألف فيه "كتاب الكليات في الطب"، فقد كان هدفه الأساسي منه بناء الطب على العلم، والعلم الطبيعي خاصة، لتكون الممارسة الطبية في الجزئيات منتظمة تحت "كليات" علمية وليس على مجرد التخمين والتقليد والتجارب العفوية التي كان يعتمدها أصحاب الوصفات الجاهزة من مؤلفي "الكنانيش" (التي تصف الدواء لكل داء) وغيرهم من المؤلفين في الأمراض والأدوية (يستثني بني زهر) من الذين يحصرون اهتمامهم في الجزئيات مغفلين الأسس والقواعد والكليات. والنتيجة أن أطباء عصره صاروا كما قال "أبعد خلق الله عن هذه الصناعة" (يعني علم الطب).
لقد كان الدافع له إلى البدء بتأليف "الكليات في الطب" هو إنقاذ الطب بوصفه علما له أسسه وأصوله وقواعده. يقول في مقدمة كتابه: "الغرض في هذا القول أن نثبت هاهنا من صناعة الطب جملة كافية على جهة الإيجاز والاختصار، تكون كالمدخل لمن أحب أن يستقصي أجزاء الصناعة، وكالتذكرة أيضا لمن نظر في الصناعة، ونتحرى في ذلك الأقاويل المطابقة للحق، وإن خالف ذلك آراء أهل الصناعة". ويؤكد المعنى نفسه في خاتمة الكتاب حيث يقول: "وبالجملة: من يحصل له ما كتبناه من الأقاويل الكلية يمكنه أن يقف على الصواب والخطأ من مداواة أصحاب الكنانيش في نفس العلاج والتركيب".
أما في مجال العلوم الطبيعية، فقد رافقه منذ بداية مسيرته العلمية مشروع من أعظم المشاريع العلمية، هو مشروع إصلاح علم الفلك الذي كان يعتمد في عصره الاعتماد كله على بطليموس ونظامه الكوني. وكان الذي حرك هذه الرغبة في نفسه كون نظريات بطليموس لم تكن على وفاق مع ما تقرره العلوم الطبيعية الأخرى. إن العلم، في نظر ابن رشد واحد، لأن الحقيقة واحدة، فإذا عارضت العلوم بعضها بعضا ضاعت الحقيقة. كان ابن رشد مهتما بهذه المشروع طوال مسيرته العلمية التي بدأت وهو في السابعة والعشرين من عمره عندما قصد إلى بعض الجبال المرتفعة بناحية مراكش بالمغرب بهدف إجراء قياسات علمية حول حركة بعض الكواكب. ولكن كثرة أشغاله وتعدد مشاريعه العلمية جعلاه يؤجل الانكباب على إصلاح الفلك مرة بعد مرة إلى أن تقدمت به السن ووجد نفسه غير قادر على إنجاز هذا المشروع الذي يتطلب القيام برصد حركات الكواكب وتتبع مساراتها، فصرف النظر عنه وكلُّه أمل في أن يأتي من بعده من يتولى ذلك. قال في هذا الشأن: ""وقد كنت في شبابي أؤمل أن يتم لي هذا الفحص. وأما في شيخوختي هذه فقد يئست من ذلك إذ عاقتني العوائق عن ذلك قبل. ولكن لعل هذا القول يكون منبها لفحص من يفحص بعدُ عن هذه الأشياء، فإن علم الهيئة (الفلك) في وقتنا هذا هي هيئة موافقة للحسبان لا للوجود"، يعني أن علم الفلك في زمانه كان يقوم على نظريات حسابية (رياضية) لم يكن يراعى فيها ما هو موجود فعلا على مستوى الطبيعة". وتشاء الأقدار أن يتصدى لهذه المهمة من بعده تلميذه نور الدين أبو اسحق البطروجي الذي ألف في الموضوع كتابا صار هو المرجع المعتمد في موضوعه - بأوربا- إلى أن ظهر كوبرنيك بنظريته التي أعلنت ميلاد علم الفك الحديث.
وبعد، فقد كان هدفنا من هذا العرض السريع للوجه الآخر لابن رشد، وجهه الحقيقي، التنبيهَ إلى أن فيلسوف قرطبة لم يكن مجرد عالم يهوى العلم، بل كان صاحب رسالة حددها لنفسه بكل وضوح، وعمل من أجلها باجتهاد منقطع النظير، رسالة القيام بالتصحيح الضروري في كافة مجالات الثقافة والعلم في عصره، وذلك بالتصدي لوجوه الجمود والتقليد والتحريف التي كانت منتشرة والقيام بالتالي بإعادة بناء المعرفة في مختلف المجالات بالرجوع إلى الأصول وتجديد الفهم واعتماد البرهان العقلي فيما يكفي فيه النظر العقلي المجرد، والركون إلى ما تعطيه التجربة فيما لا بد فيه منها.
ومع ذلك سيظل ابن رشد أكثر كثيرا مما ذكرنا لو أننا أهملنا ما بقي مجهولا من نشاطه العلمي منذ وفاته إلى ما قبل سنتين أو ثلاث! ذلك لأن جميع ما ذكرنا كان موجودا مسطورا في كتبه التي كانت بين أيدي الناس، منشورة أو مخطوطة. ولكن شاء القدر أن يبقى كتابان من كتبه مفقودين، لا يعرف عنهما غير اسميهما. الأول هو كتابه "الضروري في النحو" الذي خصصه لمشروع هام غير مسبوق، هو مشروع إعادة بناء النحو العربي بحيث يصبح كما قال : " أقرب إلى الأمر الصناعي (=الطريقة العلمية) وأسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني"، ويكون منهج التأليف فيه وعرض مسائله وفق "الترتيب" الذي هو "مشترك لجميع الألسنة". كان هذا الكتاب مفقودا ولم يكتشف وينشر إلا قبل سنتين، في موريتانيا.
أما الكتاب الثاني، وهو في "السياسة"، فما زال أصله العربي مفقودا، ولم يبق منه سوى ترجمة له إلى العبرية. وقد عملنا على إعادته إلى لغته الأصلية، لغة الضاد، بالتعاون مع زميل مختص في العبرية، ونشرناه بعنوان "الضروري في السياسة" ضمن المشروع الذي أشرفنا عليه عام 1998 والذي لأعنا فيه نشر وتحقيق "مؤلفات ابن رشد الأصيلة"، التي كتبها فيلسوف قرطبة ابتداء أي التي تقع خارج الشروح على أرسطو.
"تجديد التفكير في مشروع متجدد" يتطلب أيضا استحضار هذا الكتابين: الضروري في النحو" و"الضروري في السياسة".
6- ابن رشد وإعادة بناء النحو العربي
ما الذي يقترحه ابن رشد في مجال التجديد في النحو؟
لنذكر أولا بأن المطالبة بتيسير النحو العربي إنما انطلقت من الأندلس وبقلم ابن حزم المعروف بمذهبه الظاهري. وإذن فدعوة ابن حزم إلى تحرير النحو من جميع التعقيدات التي ليس بها حاجة في النطق الصحيح بالعربية جزء من دعوته العامة إلى الأخذ بالظاهر. و"الظاهر" في كلام العرب ليس فيه ما يقوله النحاة في ما يسمونه "العلل"، وهو ما يعبر عنه المعاصرون بـ"نظرية العامل في النحو"، كالقول مثلا إن الذي فعل "الرفع" في الفاعل هو الفعل، وفي المبتدأ هو "الابتداء" الخ.
وعندما أثيرت مسألة تيسير النحو العربي في العصر الحديث، وفي أواسط القرن العشرين خاصة، حظي ابن مضاء القرطبي، الداعي إلى الاستغناء عن نظرية العامل"، باهتمام خاص، فنشر كتابه "الرد على النحاة" (حققه د. شوقي ضيف وصدره بمقدمة تحليلية ناصره فيها) فانقسم الكتاب في مصر خاصة إلى متحمسين لابن مضاء وإلى متحفظين أو رافضين، كل ذلك والناس جميعا يجهلون كتاب ابن رشد في النحو، لأنه كان في حكم المفقود. واليوم وقد اكتشف هذا الكتاب ونشر يجد قارئه نفسه إزاء مذهب آخر، مذهب لا يقول بحذف هذه الجزء أو ذلك ولا بالاستغناء عن هذه النظرية أو تلك بل يطرح بعمق مسألة بنية النحو العربي ذاتها، ويرى أن السبب فيما في النحو العربي من صعوبات إنما مرجعه إلى طريقة التأليف فيه وبالتالي تدريسه وتعليمه. إن بنية النحو العربي في نظر ابن رشد ليست مبنية على الطرية "الصناعية"، يعني العلمية. ومن هنا كانت مسألة تيسير النحو العربي عملية تتطلب القيام بإصلاح جوهري في بنيته وذلك بصياغتها صياغة برهانية كما هو الشأن في جميع اللغات. يقول في مستهل كتابه "الضروري في النحو": "الغرض من هذا القول أن نذكر من علم النحو ما هو كالضروري لمن أراد أن يتكلم على عادة العرب في كلامهم ويتحرى في ذلك ما هو أقرب إلى الأمر الصناعي وأسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني"، وأيضا عرض مسائله وفق "الترتيب" الذي هو "مشترك لجميع الألسنة".
كان ابن رشد معاصرا لابن مضاء منتظما مثله في حاشية دولة الموحدين، يقضي وقته بين قرطبة مسقط رأسه ومراكش عاصمة الدولة الموحدية التي قامت كامتداد لدعوة ابن تومرت لمذهب فكري يدعو إلى نبذ القياس والتقليد وينادي بالرجوع إلى الأصول، متأثرا في ذلك بمذهب ابن حزم. وإذا كنا نستطيع الربط نوعا من الربط بين كل من ابن مضاء وابن رشد من جهة وابن تومرت وابن حزم من جهة أخرى فإننا نجهل تماما أي نوع من العلاقة كانت تربط ابن رشد وابن مضاء، ولا أيهما كان اسبق من صاحبه في التأليف في النحو.
ومهما كان الأمر فالمشروع الذي اقترحه ابن رشد يختلف تماما الاختلاف عن مشروع ابن مضاء، بل هو يتجاوزه إلى درجة تصبح المقارنة بينهما ممتنعة. إنه أشبه ما يكون بالبديل عن المشروع الذي أنجزه سيبويه في مؤلفه المعروف بـ"الكتاب" والذي قيل عنه إنه "قرآن النحو". ولذلك كان من الضروري من أجل فهم أبعاد المشروع الرشدي في النحو العربي مقارنته لا بمشروع ابن مضاء أو غيره من المتقدمين والمتأخرين بل النظر إليه على ضوء المشروع الذي أنجزه سيبويه من جهة، وما أشار إليه الفارابي وإن بشكل ضمني، من جهة أحرى، من كون طريقة التأليف في النحو في اللغات الأخرى تختلف عن الطريقة المتبعة في النحو العربي.
وكما هو معروف فقد استهل سيبويه كتابه بالتمييز في كلام العرب بين الاسم والفعل والحرف، ثم أخذ يدرس أحوال كل واحد منها. ومن هنا انقسمت أبواب النحو عنده إلى ثلاثة أقسام رئيسية: باب الاسم وباب الفعل وباب الحرف. بعضهم يبدأ بالفعل، وبعضهم يبدأ بالاسم، أما الحرف فيأتي في الأخير في الغالب. وقد نتج عن هذا النوع من التبويب تداخل وخلط بين الموضوعات والمستويات كما لاحظ ذلك ابن رشد: فالكلام عن الاسم يستلزم في مرحلة من المراحل الكلام عن الفعل، وذلك قبل الفراغ من الكلام عن الاسم وقبل الشروع في الكلام عن الفعل ، كما يحصل مثلا في درس "الفاعل" و"المفعول"، وكل منهما اسم، حين نضطر إلى الكلام عن الفعل، خصوصا وقد كان النحاة –وما زالوا- يعتبرون الفعل هو الذي رفع الفاعل ونصب المفعول. وبالمثل فنحن نضطر إلى الكلام في الفعل في درس الاسم لنفس السبب (الفعل لا بد له من فاعل وهو اسم أو في معنى الاسم). أضف إلى ذلك أن معظم كتب النحو، إن لم نقل كلها، قد دأبت على الجمع بين المسائل الصرفية والمسائل النحوية، مما جعل من المتعذر التمييز بين حدود علم الصرف وحدود علم النحو.
هذا النوع من التداخل بين الموضوعات والمستويات في كتب النحو العربي هو "التقصير" الذي أراد ابن رشد معالجته في كتابه. وهو تقصير يرجع سببه، كما قال، إلى أن النحاة "لم يستعملوا في إحصاء أنواع الإعراب القسمة الصحيحة التي لا يعرض فيها تداخل. وكل صناعة (=علم) لم تستعمل فيها بعدُ القسمة الحاصرة الغير متداخلة فهي صناعة ناقصة".
لأن الصناعة الموجودة عند نحويي العرب في زماننا هذا قد استوفيت ... لكن لا على المجرى الصناعي".
هدف ابن رشد إذن ليس تدارك مسألة من المسائل النحوية، فالنحو العربي في نظره "قد استوفيت" جميع مسائله فلا مجال فيه للزيادة على هذا المستوى، وإنما عيبه هو في أن موضوعاته ومسائله وجميع جزئياته تعرض بصورة لا تراعى فيها الطريقة التي تجعل من مجموعة من المعارف، كيفما كان ميدانها، علما يستحق هذا الوصف.
وهنا لابد من رفع التباس حرص ابن رشد نفسه على استبعاده. ذلك أن القارئ قد يتوهم أن فيلسوف قرطبة يريد دمج النحو في المنطق. وهذا في نظره جهل. يقول عن كتابه: "ربما عابه قوم لمفارقته المعتاد ... وربما قالوا: خلط صناعة المنطق بصناعة النحو، وهذا كله جهل بالطريق الصناعي". وإذن فلا علاقة لمشروع ابن رشد بـمسألة "العلاقة بين النحو والمنطق" المعروفة في تاريخ الثقافة العربية والتي طرحت بحدة في القرن الرابع الهجري خلال المناظرة المشهورة بين أبي بشر متى رئيس مناطقة بغداد وأبي سعيد السيرافي رئيس نحاتها. ولا مجال للخلط كذلك بين مشروع ابن رشد وبين مسألة "تأثر النحو العربي بالمنطلق اليوناني"، وهي المسألة التي خاض فيها كثير من المعاصرين.
إن ابن رشد لا يخلط بين المنطق والنحو على أي مستوى، وإنما يريد صياغة مسائل النحو، كما هي كاملة ومنتهية في كتب النحاة، صياغة منهجية ترتفع به إلى مستوى العلم. والعلم كما يقول ابن رشد يعتمد القسمة الصحيحة غير المتداخلة كما يصوغ مسائله صياغة كلية تجمع شتات الجزئيات في قوانين عامة.
وهنا قد يطرح سؤال: كيف يمكن صياغة قواعد النحو في قوانين كلية، مع أن موضوعها هو جزئيات الكلام، وهي مختلفة. يرى ابن رشد أن ذلك ممكن، ولكن مع "التوسط في ذلك". وهذا راجع إلى أن كليات هذا العلم كليات استقرائية وليست استنتاجية، فنحن لا نستنتج قواعده من أصول موضوعة أو بديهيات عقلية، كلا. إن قواعد النحو تبنى على الاستقراء، والاستقراء ناقص بطبيعته وبالتالي لابد من استثناءات يجب التنبيه إليها. أما القياس فهو وإن أمكن في بعض المسائل فإن الواجب استعماله بحذر. ذلك "أن جل ما أُثبِت وجوده في هذه الصناعة إنما ثبت بطريق السماع والاستقراء". أما القياس فـقد يستعمله "أهل هذه الصناعة فيما جهل سماعه، [وذلك] أنهم يقيسون المجهول على المعلوم، وهو ضعيف، وربما أفرطوا حتى يردون السماع بالقياس".
هذا من جهة. ومن جهة أخرى لا بد من التنبيه إلى أن الطريقة التي يريد ابن رشد اعتمادها في إعادة بناء قواعد النحو ومسائله ليست من ابتكاره، فهي كما يقول عنها مرارا : "الطريقة المشتركة لجميع الألسنة". يتعلق الأمر إذن بالمنهجية العلمية كما كانت في عصره والتي تقوم على الترتيب المنطقي والاستقراء العلمي. وقد سبق للفارابي، "المعلم الثاني"، أن ألف كتابا في "إحصاء العلوم" شرح فيه مسائل كل علم، بما في ذلك مسائل علم النحو، والكيفية التي تصنف بها والمنهج الذي تعالج بها، مستعيدا النموذج العام لـ"العلم" كما قرره الفلاسفة القدماء وخاصة منهم "المعلم الأول" أرسطو.
وإذا كان ابن رشد يعتمد هو الآخر هذا النموذج العام فإن هذا لا يعني أنه اكتفى بما ذكره الفارابي من عناصر هذا النموذج بل أضاف إليها أخرى، وقدم وأخر وعدل، مما يدل دلالة قاطعة على أنه لم يستنسخ النموذج الذي عرضه الفارابي استنساخا، بل الصحيح أن يقال إنه اطلع على ذات المصادر التي أخذ عنها الفارابي، هذا إضافة إلى أن عبارة "كما هو مشترك في جميع الألسنة" التي يكررها فيلسوف قرطبة توحي بأنه كان على بينة من نحو لغة أو لغات أخرى، مما يطرح من جديد ذلك السؤال الذي لم يفصل فيه بعد وهو: هل كان ابن رشد يعرف اللغة اليونانية؟
أما اللغة اللاتينية فقد كانت متداولة في الأندلس بكثرة. يقول ابن حزم مثلا، بصدد حروف السؤال : "إن السؤال بـ "ما" والسؤال بـ "أي" قد يستويان في اللغة العربية وينوب كل واحد من هذين اللفظين عن صاحبه ويقعان بمعنى واحد، ومن أحكم اللطينية (=اللاتينية) عرف الفرق بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام"، مما يدل على أنه كان يعرف اللاتينية. فليس من المستبعد إذن أن يكون ابن رشد قد تصدى لإعادة هيكلة النحو العربي ليس فقط بتأثير تكوينه الفلسفي المنطقي، بل أيضا بوحي من مقارنته بين النحو العربي والنحو في اللغة اللاتينية وربما اليونانية أيضا.
7- إعادة ترتيب مسائل النحو وصياغة قوانين الإعراب
تكتسي مسألة ترتيب موضوعات علم من العلوم أهمية قصوى من الناحيتين: الإبيستيمولوجية والبيداغوجية معا. فمن الناحية الأولى لا يمكن استيعاب تلك الموضوعات استيعابا شاملا ما لم تصنف وترتب على أساس منهجي منطقي. ومن الناحية الثانية لا يمكن تعلميها بسهولة ويسر ما لم تكن القسمة فيها حاصرة متسلسلة مترابطة يؤدي السابق منها إلى اللاحق ولا يتقدمه.
ولكي يتحقق ذلك في النحو العربي يرى ابن رشد أنه لا بد من إعادة بناء مسائله وفق المبدأ المنهجي الذي يراعى في سائر العلوم، والذي يقول: "البسيط من كل شيء قبل المركب". وبناء عليه فـالترتيب العلمي لموضوعات النحو العربي يقتضي الابتداء بالألفاظ المفردة أولا، تليها الألفاظ المركبة (الجمل)، ثم اللواحق بعد ذلك، والهدف دراسة "الأشكال" (أو الصيغ) التي تكون عليها هذه الألفاظ. وهذا ما يتناوله ابن رشد في القسم الأول من كتابه. أما الإعراب وهو أهم أقسام النحو وأكثرها فائدة فيخصص له القسم الثاني. مبتدئا بحصر أصنافه حسب أصناف الكلام، ويحصر كل صنف حسب أصناف العوامل الداخلة عليه.، مراعيا المبدأ العلمي السابق :"البسيط من كل شيء قبل المركب".
وبناء عليه فالمعربات صنفان : الألفاظ المفردة التي تتألف منه الجمل، وهذه الجمل نفسها، وبالتالي فقوانين الإعراب ستكون صنفين: قوانين تخص الألفاظ المفردة التي تتركب منها الجمل، وقوانين تخص الجمل نفسها. ولما كان اللفظ لا إعراب له إلا ذا كان جزءا من جملة، وكانت الجمل صنفين، بسيطة ومركبة، والبسيط منها جمل إما خبرية (مبتدأ وخبر، فعل وفاعل) وإما إنشائية (أمر، نهي، نداء، تعجب الخ)، وكانت الخبرية صنفان : صنف مركب تركيب تقييد معنوي (بفعل أو حرف)، وصنف مركبة تركيب تقييد لفظي، انقسمت قوانين الإعراب كذلك إلى هذه الأصناف.
ولما كان المجال هنا لا يسمح بتتبع ابن رشد في عملية إعادة بناء النحو العربي خطوة خطوة، فإننا سنقتصر على جملة أمثلة، تخص بعض قوانين الأعراب كما صاغها ابن رشد:
1- قوانين القول الخبري البسيط غير المقيد:
لما كان هذا الصنف لا يكون فيه إلا تركيب جزئي واحد، ففيه قانون واحد هو : "كل اسم يكون خبرا أو مخبرا عنه، من غير أن يدخل على الجملة لا فعل ولا حرف عامل، لا مقدر ولا مظهر، فهو مرفوع : المبتدأ والخبر، والفاعل، ونائب الفاعل (باعتبار الفاعل ونائبه مخبر عنهما بالفعل). ثم يشرح الأحوال التي تعتري الفعل الذي يخبر عنه (= صيغ الفعل المبني للمجهول)، والأحوال التي تخص الاسم الذي يخبر عنه بهذا الفعل حسب ما يكون هذا الفعل متعديا بغير حرف الجر أو متعديا به، متعديا إلى فعل واحد أو إلى فعلين الخ.
2- قوانين القول الخبري المقيد بالأفعال، وهي خمسة :
1- كل جملة من ابتداء وخبر دخل عليها كان وأخوتها فالمبتدأ على حاله مرفوع والخبر يعود منصوبا، إلا أن يتقدم الاسم على كان (زيد كان منطلقا) فيعرب مبتدأ وخبر كان ضمير مستتر.( ثم يذكر أخوات كان، ويميز بين "كان" التامة، و"كان" الناقصة وأحكامهما).
2- كل جملة خبرية دخل عليها لفظ "ظننت" أو "أعلمت" وأخواتها من أفعال النفس فإن هذه الأفعال إذا تقدمت في ترتيب الكلام في الجملة الخبرية نصبت المبتدأ والخبر (ظننت زيدا قائما)، فإن توسطت بين المبتدأ والخبر أو تأخرت عنهما جاز النصب والرفع: تقول: زيد ظننت منطلقٌ، وزيدا ظننته منطلقا.
3- كل اسم جنس دخل عليه بئس أو نعم فإن كان فيه الألف واللام فهو مرفوع، والاسم الذي خصص به الاسم العام مرفوع أيضا: نعم الرجلُ زيدٌ. ولهم في رفعه مذهبان أحدهما أنه مبتدأ وخبر، والآخر أنه خبر المبتدأ. وإن كان الاسم، الذي قيد بنعم أو بئس، نكرة فهو منصوب والمخصص له مرفوع: نعم رجلاً زيدٌ. ولا يقيد بهذين الفعلين إلا أسماء الأجناس وما يضاف إلى أسماء الأجناس، لا أسماء الأعيان.
4- كل اسم أخبر عنه بـ "حَبَّ" موصولا بـ "ذا"، نحو حبذا زيدٌ، فهو مرفوع، ولا يقع هذا الاسم أبدا في كلامهم إلا مؤخرا عن حبذا. وللنحاة في رفعه ثلاث مذاهب: أحدها على أنه مبتدأ، والثاني على أنه خبر، والثالث على أنه فاعل يرتفع بحبذا.
5- كل اسم دخل عليه عسى أو كاد أو قارب وما أشبه ذلك من الأفعال فإنه مرفوع، والخبر في هذا القول إذا كان فعلا مع عسى فالأجود أن تكون مع "أَنْ" نحو عسى زيد أن يحج. وأما "كاد" فالجود أن تكون بغير "أن" : كاد زيد يدخل المدينة، ويجوز خلاف هذا. وقد يقع الخبر في عسى اسما في مثل قولهم :عسى الغوير أبؤسا.
3- قوانين الخبر المقيد بالحروف، وهي أربعة:
1- كل قول مؤلف من ابتداء وخبر دخل عليه إن وأخواتها فإن المبتدأ يعود منصوبا ويبقى الخبر على حاله مرفوعا، نحو إن زيدا منطلقٌ. (يلي ذلك ذكر مواضع كسر إن وفتحها وتخفيفها وخواص كل منها الخ).
2 - كل جملة خبرية دخل عليها حرف "ما" النافية، فإن المبتدأ يبقى على حاله مرفوعا (ما زيدٌ قائم). وينتصب الخبر على لغة أهل الحجاز إلا أن يدخل على "ما" حرف "إلا" الذي يوجب ما نفته "ما" متقدما الخبر: ما زيدٌ إلا قائم. وفي لغة بني تميم لا تؤثر شيئا في الابتداء والخبر.
3- كل جملة خبرية دخل عليها حرف "لا" النافية، فإن كانت داخلة على اسم جنس وأردنا استغراق النفي فإنك تجعل "لا" والاسم كاسم واحد وتبنيه على الفتح: لا رجلَ في الدار، وإن لم ترد نفي الجنس بقي على حاله مرفوعا. فإذا كررت حرف "لا" فقلت لا رجل في الدار ولا امرأة، كان لك أن ترفع الاسمين جميعا وتنونهما، ويجوز أن تنصب الأول وترفع الثاني أو تنصبهما جميعا...
4- كل جملة خبرية قيدت بـ "ما" التي للتعجب فإنها تنصب الاسم المتعجب الواقع في الجملة، تمييزا بين هذا الشكل وشكل النفي، فتقول في التعجب : ما أحسنَ زيدًا. وفي النفي: ما أحسنَ زيدٌ (لم يحسن)، وتقول في الاستفهام: ما أحسنُ زيدٍ؟ فتخفض. وفعل التعجب هذا لا يبنى عندهم من الفعل الرباعي إلا بأشد أو أكثر، كما لا يبنى من الخلق والألوان إلا شاذا، والشائع أن تقول: وأكثرهم أدبا، وأشدهم بياضا...
4- قوانين الخبر المقيد بالاسم:
وهي ثلاثة أجناس: قيود الأسماء التي هي ألقاب، قيود الأفعال، قيود الأسماء التي تعمل عمل الفعل:
- قيود الأسماء:
1- كل اسم قيد باسم تقييد الإضافة فالمضاف إليه مخفوض، والمضاف يعرب بإعرابه الذي يخصه، وخاصته أن لا ينون ولا يلحقه نون التثنية والجمع بل يحذف منه جميع ذلك: غلامُ زيدٍ، غلاَما زيدٍ، ضاربو زيدٍ. ومن الأسماء ما لا ينفك من الإضافة نحو: مثل وشبه، وكثير من الظروف.
2- كل اسم قيد باسم على جهة النعت والوصف فإنه تابع في إعرابه للموصوف إذا كانت الصفة والموصوف كلاهما نكرة أو معرفة. فإن كانت الصفة نكرة والموصوف معرفة انتصبت الصفة انتصاب المنصوب الذي يسمى حالا : جاءني زيد راكبا. وكذلك إذا كان كلاهما نكرة وتقدمت الصفة على الموصوف نحو جاءني راكبا رجلٌ. وإذا كان كلاهما نكرة فالوجه فيه الاتباع: جاءني رجل راكبٌ، وقد يجوز النصب على الحال نحو مررت برجل راكباً. وإذا تكررت النعوت جاز الاتباع وجاز قطع بعضها من بعض إما بالرفع على تقدير الابتداء والخبر، وإما بالنصب على إضمار "أعني" نحو قولك مررت بإخوتك العقلاء الكرام الباذلين للمال، أو الباذلون. ولا يسقط التنوين من الاسم الموصوف إلا إذا وصف الاسم العلم بابن : زيدُ بن عمرو.
3- كل اسم جنس من أجناس العدد قيد بمعدوده من الحادي والعشرين إلى التسعين وقع مجملا في القول الخبري فخصص بنوعه، فإن ذلك الاسم منصوب. وما وقع من الثلاثة إلى العشرة فهو مخفوض. والأول يميز باسم واحد من جنسه، والآخر باسم جمع، كقولك: هذه عشرون درهما وهذه خمسة دراهم … وكل اسم عدد قيد بمعدود من الثلاثة إلى العشرة فإن المعدود مخفوض على طريق الإضافة كقولك: عندي ثلاثة أثوابٍ وخمسة أفراسٍ، وكذلك تعمل في عشرات الآلاف تقول: ثلاثة مائة وثلاثة آلاف. فإن كان العدد لِمَكيل جاز أن يميز المعدود بالنصب والخفض: عندي خمسة أرطال زيتا أو زيتٍ.
4- كل اسم نوعٍ وقع خبرا في الجملة الخبرية فخصص بمادته، أعني بمحله، فإنه يجوز فيه النصب على التشبيه بالتمييز الواقع في جنس الكمية، والخفض على الإضافة، والاتباع على النعت، أعني إن كان المنعوت مرفوعا فالنعت مرفوع، وإن كان منصوبا فمنصوب، وإن كان مخفوضا فمخفوض: هذا خاتمٌ حديداً، على التمييز، وحديدٍ على الإضافة، وحديدٌ على الصفة، لأنه احتمل الثلاثة معان.
***
يبقى بعد ذلك الكلام عن القول المركب تركيب تقييد لفظي (البدل، عكف البيان، التوكيد الاستثناء). ثم قوانين الجمل المركبة الثواني كالجمل الشرطية والجمل الواقعة موقع الحال أو المفعول والجمل المعطوفة الخ. ثم قوانين إعراب الجمل الإنشائية وهي الجمل التي تفيد الأمر والنهي والدعاء والتمني والتحضيض. ثم قوانين الأشكال التي لا تسمى إعرابا (الحكاية، وما ينصرف) وأخيرا قوانين الأفعال، المبني منها والمعرب...
ويختم ابن رشد بالتأكيد مرة أخرى على أن "هذا النحو الصناعي" الذي قدم به مسائل النحو والذي ركز فيه على الإعراب هو أنفع وأيسر في تعليم الأولاد. ونحن نرى أنه أنفع للكبار أيضا! يكفي أن نتذكر الصعوبات التي تعترضنا عندما نبحث في كتب النحو، القديمة منها والجديدة، عن مسألة من مسائل الإعراب التي صاغها ابن رشد في قوانين كلية عامة ...
وبعد فقد دعا ابن رشد إلى التجديد في كافة فروع الثقافة العربية وأنجز مشاريع في النحو والفقه والطب والفلسفة ... نبهنا عليها بكلام عام، ثم تناولنا، في سياق حديثنا عن التجديد في اللغة، مشروعه في التجديد في النحو بصورة أكثر تفصيلا. يبقى مشروعه في التجديد في مجال السياسة، وسنؤجل الكلام فيه إلى حين انتقالنا إلى هذا المجال.
8- السلفية أم التجربة التاريخية للأمة؟
عندما كان علماء اللغة يجمعون كلام العرب ويضعون له قواعد في الصرف والإعراب في بدايات "عصر التدوين"، في العصر العباسي الأول، كان زملاؤهم الفقهاء يؤصلون أصول الشريعة ويستنبطون الأحكام التي تستجيب لمتطلبات التطور واتساع رقعة بلاد الإسلام ويؤسسون لمذاهب في الفقه والتفسير، فكانت حاجتهم إلى معرفة "أسرار اللغة العربية" وقواعد الصرف والنحو والبلاغة مثل حاجتهم إلى جمع الحديث والسيرة والعناية بأسباب النزول الخ. فكان هذا الاجتهاد في اللغة والفقه أول مظاهر البناء العام الذي عرفته الثقافة العربية الإسلامية، وكان ذلك تجديدا في الدين وتصديقا للحديث النبوي القائل "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها".
توالى الاجتهاد والتجديد عبر العصور ووضع المؤرخون قوائم للمجددين الذين ظهروا على "رأس كل مائة سنة" طوال التاريخ الإسلامي. ومن الذي ذكروا في آخر القائمة -حسب الترتيب الزمني- محمد بن عبد الوهاب الذي عاش في القرن الثامن عشر الميلادي في الجزيرة العربية والذي ركز جهوده في محاربة "البدع" التي تنحرف بعقيدة التوحيد الإسلامية فتنسب إلى غير الله ما لا يجوز أن ينسب له من أمور تحمل سمات الشرك بالله، مثل زيارة القبور والأضرحة للتبرك والتوسل بمن دفن فيها الخ.
ويمر قرن من الزمان ونقرأ على لائحة المجددين في الإسلام اسم مجدد جديد هو الشيخ محمد عبده الذي عرَّف هو نفسه بحركته التجديدية فقال: " ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى واعتبارها من ضمن موازين العقل البشري ... والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء كان في المخاطبات الرسمية أو في المراسلات بين الناس". ثم يضيف: "وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه، ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه. وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة". ويضيف: "جهرنا بهذا القول واستبداد في عنفوانه والظلم قابض على صولجانه ويد الظالم من حديد والناس كلهم عبيد له أي عبيد"!
تجديد في اللغة بالدعوة إلى نبذ "الأسلوب" الذي هيمن في "عصر الانحطاط" والذي كان قوامه السجع والتنميق اللفظي وغياب المعنى.... وتجديد في الدين بالدعوة إلى ترك التقليد و اعتماد العقل في فهم الدين... والتجديد في الفكر السياسي والاجتماعي بدعوة الأمة إلى معرفة حقها على حاكمها، وبعبارتنا المعاصرة "المطالبة بالديمقراطية والعدالة". ومن المفهوم تماما أن لا تحظى دعوة محمد عبده إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي بنفس الاستجابة –النسبية على الأقل- التي حظيت بها دعوته إلى الإصلاح اللغوي والإصلاح الديني. وقد تفهم الشيخ عبده ذلك لأن الإصلاح السياسي والاجتماعي، كما يقول: "ثمرة تجنيها الأمة من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنون الطوال".
ومع ذلك يجب القول إن الاستجابة لدعوة الإمام محمد عبده إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي كانت في المغرب العربي خاصة أقوى بكثير مما كانت عليه في أقطار عربية أخرى. لقد اتجهت السلفية في المغرب نحو الاندماج في الحركة الوطنية وتبني أهدافها التحديثية وانتهت بالذوبان فيها، خصوصا عندما جند المستعمرون الجماعات الدينية الطرقية والقوى المتخلفة المتعاملة معهم، ضد الوطنية والسلفية. بل يمكن القول إن الوطنية المناضلة إنما خرجت من جوف السلفية تماما مثلما أن السلفية انتشرت في جسم المجتمع المغربي وتغلبت على الطرقية، خصمها الديني، باندماجها في الحركة الوطنية ورفعها راية النضال ضد المستعمر وأعوانه وعملائه. كل ذلك جعل حمولة مفهوم "السلفي" تتوسع ليشمل في آن واحد: محاربة الاستعمار، ومحاربة البدع والتقاليد الاجتماعية "الشعبية"، والدعوة إلى التجديد والتحديث في كل مجال في الفكر والسياسة والاجتماع، وأيضا في مجال وضعية المرأة، بالدعوة إلى السفور وتعليم المرأة وإدماجها في الحياة العامة الخ.
غير أن الحديث عن السلفية سيظل ناقصا وغير تاريخي إذا ما اقتصر على التركيز على الوجه الذي أبرزناه وأغفل الباقي. ونعني بالباقي تمسك بعض السلفيين بنموذج "السلف الصالح" الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية قبل "ظهور الخلاف" بوصفه النموذج الخالد الذي يجب الانغلاق داخله، هذا في حين أن جميع التيارات السلفية التي عرفها التاريخ الإسلامي من الحسن البصري إلى محمد بن عبد الوهاب إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إنما كانت أحد مظاهر التجربة التاريخية للأمة، أحد مظاهرها الإصلاحية، بل أحد مظاهر الإصلاح فيها.
ثمة جانب آخر لابد من التنبيه إليه وهو أن جميع الحركات السلفية التي عرفها التاريخ العربي الإسلامي، كانت بمثابة تعبير عن عملية إعادة التوازن الذاتي للمسار الذي اتخذه هذا التاريخ منذ ظهور الاسلام. وبعبارة أدق إن السلفية كانت دائما ذلك الجزء من التجربة التاريخية للإسلام السني الذي تستعيد منه هذه التجربة ما يحفظ لها الوجود والاستمرارية عندما يفرز تطورها الداخلي ما يهددها بالاندثار. فهي إذن نوع من المقاومة الذاتية لأمراض داخلية ذاتية المنشأ. وقد كانت كافية وناجعة عندما كانت الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة العالم لعصرها، أعني غير مزاحمة ولا مهددة بحضارة أخرى معاصرة لها على صعيد الزمن.
ومعلوم أن الحضارة المعاصرة التي نحياها اليوم والتي تفرض نفسها كحضارة للعصر الحاضر كله، هي شيء آخر جديد تماما، يقع خارج الحضارة العربية الإسلامية التي أصيبت بالتراجع، وفي ذات الوقت ينافسها ويهددها من خارجها وفي عقر دارها... وبالتالي فالتجربة التاريخية للأمة العربية الإسلامية، تجربتها الراهنة مع الحضارة المعاصرة لا يكفي فيها استلهام نموذج "السلف الصالح" وحده. فهذا النموذج إنما كان نموذجا كافيا لنا يوم كان "التاريخ" هو تاريخنا، يوم كان العالم كله "يقع" في عقر دارنا، يوم كان من الممكن للخليفة العباسي هارون الرشيد أن ينظر إلى السماء ويقول للسحابة، اذهبي أنى شئت فسيأتيني خراجك! لقد تغير الوضع اليوم وأصبحت الرأسمالية الغربية العولمية هي وحدها التي يمكنها أن تقول مثل ذلك القول عندما تسمع أزيز السيارات والطائرات والصواريخ وما أشبه.
وإذن، فيجب علينا جميعا أن نقتنع –إذا كان بعضنا ما زال لم يقتنع- أننا اليوم لم نعد وحدنا في العالم، و أنه من المؤكد أننا لن نكون وحدنا في المستقبل، على الأقل بالنسبة للمدى المنظور.. وعليه فالنموذج الذي يجب استلهامه من أجل إعادة بناء الذات، ذاتنا نحن، وتحصينها وتلقيحها ضد الاستلاب والذوبان والاندثار، ينبغي ألا يكون من نوع "النموذج- السلف" الذي يقدم نفسه كعالم يكفي ذاته بذاته، بل يجب أن يشمل جماع التجربة التاريخية لأمتنا مع الاستفادة من التجربة التاريخية للأمم التي تناضل مثلنا من أجل الوجود والحفاظ على الوجود، وأيضا- ولم لا؟- من التجربة التاريخية للأمم التي أصبحت اليوم تفرض حضارتها كحضارة للعالم أجمع.
لقد كانت السلفية كافية وفعالة وإجرائية يوم كنا وحدنا قي بيت هو بيتنا وبيت لنا في نفس الوقت. أما وقد أصبحنا جزءا في كل فإن الطريق الوحيد لإثبات وجودنا والحفاظ على خصوصيتنا داخل هذا الكل هو طريق التعامل معه بالمنطق الذي يؤثر فيه، منطقه هو، ولكن من مواقعنا لا من مواقع غيرنا. ومنطق هذا الكل الذي ننتمي إليه اليوم، أعني منطق الحضارة المعاصرة، يتلخص في مبدأين: العقلانية والنظرة النقدية. العقلانية في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية، والنظرة النقدية لكل شيء في الحياة، للطبيعة والتاريخ والمجتمع والفكر والثقافة والإيديولوجيا. هذا في حين أن منطق "سيرة السلف الصالح" التي تمثل "المدينة الفاضلة" في التجربة التاريخية للأمة العربية الإسلامية، كان شيئا آخر! كان منطقا يقوم على المبدأ التالي: الدنيا مجرد قنطرة إلى الآخرة. وقد أدى هذا المنطق وظيفته يوم كان العصر عصر إيمان فقط وليس عصر علم وتقنية ومصالح وإيديولوجيات وصراعات دولية وطموحات للهيمنة العولمية...
نعم إن منطق الإيمان هذا صالح في كل زمان ومكان، وللناس عامة وللمسلمين خاصة لأنه من تراثهم، ولكنه في العصر الحاضر صالح فقط، كخلقية، كموجه للسلوك في علاقة المرء مع نفسه ومع أقاربه وعموم الناس، وقبل ذلك وبعده :مع ربه، مع استشرافاته الأخروية.
وصحيح تماما أن الاسلام ليس مجرد "سيرة سلف" مضى وانقضى... بل هو، كما يؤمن بهذا كل مسلم، صالح لكل زمان ومكان. غير أن تأكيد هذا بالقول شيء، وترجمته إلى الواقع شيء آخر. على أن جميع أهل الديانات، قديما وحديثا، يؤمنون بأن دياناتهم صالحة لكل زمان ومكان، ولذلك يتمسكون بها ويعتبرونها تمثل الحقيقة العليا وتنطق بها. وإذن فالمسألة ليست مسألة ما إذا كان الاسلام صالحا لكل زمان ومكان، فهذا ما يؤمن به كل مسلم، ولن يبقى المسلم مسلما إذا شك لحظة في هذه المسلمة الإيمانية، ولكن المسألة المطروحة، والتي يجب طرحها دائما، هي مسألة ما إذا كان المسلمون اليوم صالحين لزمانهم أي قادرين على أن يعيشوا عصرهم، على أن يدشنوا "سيرة" صالحة جديدة تكمل "سيرة السلف" الصالحة القديمة، وتجعل منها واقعا حيا صالحا لأن تستلهمه الأجيال المقبلة في بناء "سيرتـ"ـهم الخاصة.
إنها التجربة التاريخية للأمة هي التي يجب تحيينها- أي جعلها حية في الحاضر- بتدشين فصل جديد فيها، يمكنها من الدخول في العصر الحاضر، هذا العصر الذي يصر كل شيء فيه إصرارا، وكل يوم وكل ساعة، على أنه عصر "الخلف" وليس عصر"السلف". |