|
شهد عام 1948 م ميلاد قضية اللاجئين الفلسطينيين ، واصطلح على تسمية ذلك العام بعام النكبة ، إشارة إلى الجرائم الصهيونية التي ارتكبت بحق المواطنين الفلسطينيين الآمنين في بيوتهم ، والعزل من السلاح ، والذين كانوا على موعد مع حصاد أرضهم بعد عناء عام كامل من حراثتها وبذرها وانتظار قطافها .
وبينما كان الإنسان الفلسطيني المولع بحب الأرض ينتظر كل ذلك ، كانت عصابات الهاجاناة وشتيرن والارغون القادمة من بلاد الغرب ، تحاول أن تضع لها موطئ قدم في فلسطين على عذابات الفلسطينيين في هذه الأرض الكنعانية. فتوغل في جرائمها المنظمة على مرأى ومسمع من حكومة الانتداب البريطاني وبدعم مباشر منها ، بهدف إرهاب الشعب الفلسطيني المتمسك بذرات تراب وطنه وبرمل شواطىء يافا وحيفا وأسوار عكا وجبال الجليل وسهل مرج بن عامر .
وبينما كانت بريطانيا "العظمى" تنهي مهمتها الانتدابية في فلسطين بعد أن رعت هذه العصابات وساهمت في اشتداد عودها ، وتيقنت بأنها قادرة على إكمال ما جاءت بريطانيا لتنفيذه ، وهو إقامة كيان لليهود في فلسطين على أنقاض الشعب الفلسطيني ، كان لا بد من احتلال فلسطين وارتكاب الجرائم والمجازر لطرد سكانها الأصليين واحلال يهود أوروبا وروسيا مكانهم ، ليقوم الفلسطيني بدفع فاتورة ما تعرض له اليهود على أيدي النازيين. وبتواطؤ ملحوظ من الدول العربية استطاعت تلك العصابات الصهيونية من إنجاز طرد الفلسطينيين واقامة الكيان الإسرائيلي الذي سيكون دولة اليهود القادمين من كل أقطار العالم باستثناء فلسطين . وسرعان ما بدأت دول العالم تعترف بشهادة ميلاد هذا المولود المشوه والقائم على العنصرية وسفك دماء الأبرياء .
وأمام هذا الواقع المرير ، وجد الإنسان الفلسطيني نفسه مشتتا بين المنافي والخيام ، وهو يحلم بالعودة لاتمام مراسيم الحصاد ، ولم يكن أمامه سوى الاستعداد لما تخبئ له الأيام من مفاجآت تهدد حياته ووجوده كشعب مزروع في أعماق التاريخ . فكانت البدايات في تضميد الجراح النازفة ، وتشكيل مجموعات للثأر والانتقام وتنفيذ العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي ، والسعي إلى تنظيم الذات لمواجهة تلك العصابات التي أصبحت "دولة" معترف بها.
وفي العام 1964 أقرت القمة العربية الأولى المنعقدة في القاهرة إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية ككيان وطني شرعي بزعامة أحمد الشقيري ، والتي اعتبرت في حينه مجرد شكل فارغ امتدادا للرسمية العربية التي لا تؤمن بالثورة والكفاح المسلح ، خشية منها بأن العمليات المسلحة ضد إسرائيل ستدفع الأخيرة لمهاجمة الدول العربية الغير مستعدة للحرب بعد. وبعد تشكيل المنظمة بعام واحد ظهرت حركة فتح كرد فعل طبيعي ضد حالة التخاذل والهزيمة والاحباط وجعلت من أوساط اللاجئين في المخيمات الممتدة بدول الطوق المحيطة بفلسطين تربة خصبة لها ولنشاطها ، وتوالت المنظمات والجبهات الفلسطينية بالظهور وهي تحمل شعار تحرير فلسطين ، وسرعان ما هيمنت تلك الفصائل على هيئات منظمة التحرير الفلسطينية وتولت قيادتها ، لتعمل على بلورة الهوية النضالية للفلسطينيين وتوحيد صفوفهم ، خاصة وأنها كانت تحمل شعار تحرير الأراضي المحتلة عام 1948 وعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا منها .
فكانت م .ت.ف هي الوعاء الجامع للفلسطينيين بمختلف توجهاتهم ومنطلقاتهم السياسية والايدولوجية ، وتم الاعتراف بها كممثل وحيد وشرعي للفلسطينيين أينما تواجدوا ، مما أكسبها صفة دبلوماسية لتكون عضوا في معظم الهيئات الدولية ، معبرة عن امال وطموحات الشعب الفلسطيني.
واحتلت قضية اللاجئين الفلسطينيين الأولوية لدى قيادة المنظمة باعتبارها القضية المحورية للشعب الفلسطيني ، بل هي جوهر الصراع العربي الاسرائيلي وأساس المشكلة ، وسعت المنظمة الى انشاء دائرة خاصة بشؤون اللاجئين من دوائرها المختلفة ، يرأسها أحد أعضاء لجنتها التنفيذية سميت بدائرة شؤون اللاجئين ، حيث أسند إليها مهام تتعلق باللاجئين الفلسطينيين في كل مكان يتواجدون فيه، من رعاية شؤونهم الحياتية ، إلى الاهتمام بقضاياهم ومشاكلهم مع الدول التي يقيمون فيها ، الى التعبير عن مواقفهم السياسية وعدم التفريط بحقوقهم السياسية.
وبما أن المجلس الوطني الفلسطيني هو الهيئة الأولى التي تجمع كل ممثلي الشعب الفلسطيني فقد شكل لجنة خاصة من لجانه لمتابعة أمور اللاجئين ، واعتبر رئيس هذه اللجنة عضوا في المجلس المركزي الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية ، لذلك فإننا ونحن نتابع أدبيات دائرة شؤون اللاجئين ولجنة اللاجئين في المجلس الوطني الفلسطيني كجهتين رسميتين فإننا نرى تمسكا بالمواقف السياسية الداعية الى تحميل اسرائيل المسؤولية الاولى والأخيرة عن المأساة التي حلت باللاجئين الفلسطينيين ، والضغط على المجتمع الدولي لتنفيذ قرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 ، والمتضمن في احد بنوده السماح بعودة اللاجئين الى ديارهم وتعويضهم عن الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بهم جراء رحلة اللجوء القاسية.
إن الحفاظ على مؤسسات وهيئات منظمة التحرير الفلسطينية واجب وطني يدعمه الشعب الفلسطيني بكل توجهاته السياسية، وان العمل على إعادة الاعتبار لهذه المؤسسات والهيئات مصلحة وطنية عليا ، لأن المنظمة هي الإطار المعنوي للشعب الفلسطيني ، فلا بد من تفعيل دور هذه الهيئات وخاصة منها العاملة في نطاق قضية اللاجئين ورفدها بالكفاءات ، ومنحها من الإمكانيات ما يسمح لها بتغطية نشاطاتها في كل تجمعات اللاجئين ، لتكون معبرا عن آلامهم ، وناطقا رسميا باسمهم.
ولا بد كذلك من تكامل الأدوار بين المؤسسات الرسمية آنفة الذكر ومؤسسات اللاجئين المنبثقة عن تجمعاتهم ، وتوحيد السياسات والرؤى والمواقف لخلق حالة من الفهم المشترك لخطورة الوضع الذي يحيط بقضيتهم من كل اتجاه .
ان دعم وإسناد هذه المؤسسات الأهلية هو واجب مقدس لا بد من القيام به ، لما تقوم به من دور توعوي وتثقيفي وتربوي وسياسي تجاه أجيال اللاجئين المختلفة ، لحماية هذه القضية وصونها من أي عابث أو مستهتر أو مشبوه .
وان تمسكنا بمنظمة التحرير الفلسطينية لا يعني بأي شكل من الأشكال السكوت عن محاولة بعض اعضاء لجنتها التنفيذية توريط الشعب الفلسطيني بتفاهمات وتنازلات مجانية للاسرائيليين تحت حجج الواقعية والمرونة ، وبالتالي فان هؤلاء لا يمثلوا الا انفسهم ، واذا لم يصدر موقف رسمي بشأنهم ، يدين تحركاتهم ويفصلهم من اطارها ، فان ذلك يعتبر تأييد ومباركة ودعم لهم ، وتراجع عن الثوابت الفلسطينية ، مما يضع اكثر من علامة سؤال عن مدى تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني …؟؟؟؟ |