|
سلطت وسائل الإعلام المختلفة الأضواء على احتفال جرى في أحد الفنادق الواقعة على الشاطئ الأردني من البحر الميت تم خلاله التوقيع على اتفاق مبادئ جديد سمي أو عرف بـ"اتفاق جنيف" أو "اتفاق سويسرا".. إذ أن الحكومة السويسرية وفرت الدعم المالي واللوجيستي للاجتماعات العديدة، السرية والعلنية، التي عقدت في عدة مواقع للتوصل إلى هذا الاتفاق بين مجموعة من اليسار الإسرائيلي، وعدد من الفلسطينيين بصفتهم الشخصية لا الرسمية.
وقيل أن الاتفاق هو حول الحل النهائي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وهو تصور وآراء وبنود اعتمدت على اتفاقات ومبادرات سلمية سابقة تم التوصل إليها في السابق، وأصبحت منسية.
وأثار هذا الاتفاق ردود فعل مختلفة ومتباينة بين مؤيد ومناهض ومتفرج أو متردد.. وحاول كل مؤيد للاتفاق الدفاع عنه بشتى الطرق، وبالمقابل هاجمه المناهضون له، ووصفوه بأنه مهزلة جديدة من المهازل التي تضاف إلى مسيرة الصراع المتواصل منذ عشرات السنين.
والغريب في الأمر كله أن التوقيع تم على المبادئ الأساسية للاتفاق، وأن حفل التوقيع الرسمي سيتم قريبـًا في جنيف.. أي أن صيغة الاتفاق الكاملة لم يتم التوصل إليها، وأنها ما زالت بين مد وجزر، وما زالت بحاجة إلى عمل كبير.. والعجيب أيضـًا أن الاتصالات للتوصل إلى هذا الاتفاق جرت بصورة سرية واستمرت لمدة عامين أو أكثر.
وبعيدًا عن صيغته، فإنه يمكن القول أن هذا الاتفاق ضعيف جدًا ومن أهم ظروفه وأجوائه السلبية:
* تم الاحتفال بالتوقيع عليه في أحد الفنادق الأردنية بينما كانت قوات الاحتلال الإسرائيلية تدك مخيم رفح، وتداهم العديد من الأماكن والمواقع الفلسطينية في الضفة والقطاع.
* المشاركون في هذا الاحتفال والموقعون الإسرائيليون على الاتفاق هم غائبون عن الحلبة السياسية في إسرائيل، فزعيم الجانب الإسرائيلي من الموقعين هو الدكتور يوسي بيلين الذي ترك حزب العمل، بعد أن فشل في انتخاباته الداخلية، وهو ليس عضوًا في البرلمان الإسرائيلي، أو في أي هيئة رسمية داخل إسرائيل، وهو يتصرف بذاته.. وكذلك زعيم حزب العمل السابق عمرام متسناع فشل في قيادة حزب العمل وترك منصبه.
* والموقعون على هذا الاتفاق في الجانب الفلسطيني هم ممثلون لأحزاب وقوى فلسطينية صغيرة ولا يمثلون السلطة الوطنية، ولا يمثلون حركة "فتح" ولا الفصائل الفلسطينية الرئيسة.
* ليست هناك مشاركة فعالة لأبناء شعبنا الفلسطيني من الخارج، بل كان التمثيل في هذا الحوار والاتفاق لمن هم يسعون إلى المزيد من السلطة والضوضاء والهالة الإعلامية.
* أعطى الاتفاق مبررًا لأطراف عربية أو دولية لتغيير مواقفها المبدئية حول حق العودة المقدس وحول العديد من القضايا.. وحول موضوع التطبيع إذ أنه من السهل تبرير "التطبيع" مع إسرائيل من خلال القول أن فلسطينيين يتولون مناصب رسمية رفيعة يجرون اتصالات سرية مع الإسرائيليين ولنا (الحق) في الحديث مع الإسرائيليين تمامـًا كما يفعل هؤلاء الفلسطينيون!!
* يثير غضب السلطة الحاكمة في إسرائيل ويشجعها على مواصلة ضرب شعبنا الفلسطيني لتأكيد رفضها لهذا الاتفاق، ولإثبات أنها هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، واعتبار الحديث مع هم أعداؤها هو استفزاز لها، ولن يخدم القضية الفلسطينية على المدى البعيد.
* لا يمكن الاعتماد على ما يسمى بـ"اليسار" الإسرائيلي إذ أنه متلوّن في مواقفه وتصريحاته وقراراته.. وعندما كان في سدة الحكم لم يقدم للفلسطينيين أي شيء بل شدد من طلباته، وإملاءاته وشروطه المهينة والمذلة، وهو لا يختلف في آرائه ومواقفه عن المتطرفين في إسرائيل سوى في أسلوبه الخادع في التعامل مع الفلسطينيين.
يقول الفلسطينيون المشاركون في هذه الاتصالات وفي التوقيع على هذا الاتفاق أنهم حققوا عدة إنجازات منها:
1- أنهم أظهروا للعالم استعدادهم ورغبتهم في تحقيق سلام شامل.
2- وأنهم أقنعوا "الجانب الإسرائيلي" على ضرورة تفكيك وإزالة العديد من المستوطنات في الضفة الغربية.
3- وأنهم أعادوا (على الورق طبعـًا) الجزء الأكبر من القدس الشريف للسيادة العربية.
4- وأنهم حاولوا الحصول على دعم من الرأي العام الإسرائيلي واختراقه عبر إجبار أحزاب يسارية إسرائيلية على أن يكون نص الاتفاق هو البرنامج السياسي الانتخابي القادم.
أما الإسرائيليون فيقولون أنهم حققوا العديد من الإنجازات ومن أهمها:
1- تجديد حق العودة واختصاره على الدولة الفلسطينية فقط، والعودة الحقيقية إلى داخل إسرائيل محدودة جدًا، وتعتمد على نواح إنسانية وأمنية.
2- الحصول على تـنازل في موضوع القدس العربية إذ أن ما هي أحياء يهودية تبقى وكذلك.. ومعظم أراضي القدس الشريف مصادرة، وأقيمت عليها مستوطنات.
3- إبقاء المستوطنات الرئيسة قائمة على أراضي الضفة الغربية مع تبادل أراض ٍ.
4- التأكيد على أن اليسار الإسرائيلي لم يمت وما زال نشيطـًا ويعمل بصورة فعالة، وأنه يحظى بدعم من الفلسطينيين.
إن القراءة المحايدة والأولية لهذا الاتفاق تقول وبشكل صريح أن كل طرف من الطرفين حاول استغلال الطرف المقابل.
فالفلسطينيون أرادوا استخدام اليسار الإسرائيلي لتحقيق مكاسب إعلامية واختراق الرأي العام الإسرائيلي، والإسرائيليون حاولوا الخروج من حالة الاحتضار عبر إبرة حقن فلسطينية، والعودة إلى الساحة السياسية الإسرائيلية بقوة أكبر بعد أن فشلوا في استخدام وسائل أخرى.
الرهان من الجانبين على الحصان الخاسر وبخاصة أن الفلسطينيين يراهنون على حصان يحتضر وهو هزيل وضعيف وغير قابل على السير بتاتـًا.. والإسرائيليون راهنوا على من هم ليسوا أصحاب القرار، والذين لا يملكون التفويض للحديث عن الفلسطينيين وعن قضايا جوهرية وحساسة جدًا.
وهذا الاتفاق هو مبادرة جديدة تضاف إلى سلسلة المبادرات التي طرحت في السابق، وكانت مجرد بالونات سياسية سرعان ما "فقعت" وتناثرت ونـُسيت، مع التحذير بأن هذه المبادرات قد تكون خطوة على طريق تـنازلات تقدم مجانـًا للجانب الإسرائيلي مقابل الحصول على لا شيء.. وقد تستخدم لممارسة ضغوطات إضافية على شعبنا يقبل بالطلبات والشروط الإسرائيلية التعجيزية تحت يافطة "إظهار حسن النوايا" و"الاستعداد الكامل للسلام"!!
لقد خدمت المبادرات السابقة الجانب الإسرائيلي وهذه المبادرة لن تختلف عن سابقاتها.. وستكون "دعاية" تحسن وجه إسرائيل وبخاصة يسارها المحتضر أمام العالم.. إذ أن فشل تحقيق هذه المبادرة مؤكد، وبالتالي سيتحمل مسؤوليته أمام العالم شعبنا الفلسطيني حتى يدفع المزيد من الثمن مقابل مبادرات فارغة المضمون ولا ضمانات لاحترامها أو تطبيقها!! |