|
لم تكن دهشة تلك المشاعر التي أحاطتني وأنا اقرأ التقرير الخاص بجلسة مجلس الأمن الدولي بشأن جدار "العار" الصهيوني، كانت المشاعر مزيجـًا من الحزن والغضب معـًا.. الحزن علينا ونحن غير قادرين على فعل أي شيء.. والغضب علينا لأننا مع كل فيتو أمريكي نزداد خزيـًا وعارًا وذلا .
علاقة العرب بالفيتو علاقة قديمة، قدم مومسات باريس العتيقة اللواتي وصل " نضالهن " إلى حد إنشائهن لنقابة هي عضو نشط في اتحاد النقابات الفرنسي، وقد أتينا بسيرتهن لسببين: الأول، هو أن النقابة قد أصبحت داخل الحياة السياسية الفرنسية تمثل تيارًا ونهجـًا مثيلين بما يمثله أي مجلس منتخب ليس في فرنسا وحدها بل في غالبية العالم، والسبب الثاني، هو أننا أصبحنا بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في كل معالم حياتنا.
ويا حبذا لو تعلمنا الدرس من مومسات باريس وغيرهم من طبقات المجتمع المتنوعة الذين يمارسون الديمقراطية بعد أن تعلموا أصولها وقواعدها بالبذل والعطاء والتظاهر والمطالبة الملحة، وهنا يسأل الواحد منا نفسه سؤالا بصوت عال: لماذا ضعفنا وضعف معنا في أكثر من حالة المجتمع الدولي بمواجهة الغطرسة الأمريكية التي تحكمها الأهواء وهي أبعد ما تكون عن المبادئ التي تتشدق بها الإدارة الأمريكية بعيدًا عن أي ممارسة وشرعية تسمح لها فعل ما تفعل إلا إذا كان التحكم في أحوال وحرية الآخرين قد صار نهجا سياسيـًا؟
ولعل أوضح ما يعري هذه السياسة الأمريكية الجائرة حكاية الفيتو بين الولايات المتحدة الأمريكية والعرب بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص، والفيتو هو الآفة الكبرى في السياسة الأمريكية ويمكن أن نقول في السياسة الدولية في عصر الهيمنة الأمريكية، وقد بلغ استعمال حق الفيتو " النقض "منذ قيام الأمم المتحدة وتأسيس مجلس الأمن الدولي مئتين وثمانية وأربعين مرة من قبل الدول الخمس التي لها حق النقض (الفيتو)، وقد استعملت أمريكا حقها الباطل ثلاثة وسبعين مرة غالبيتها بشأن قضايا الصراع العربي الصهيوني كما امتنعت واشنطن خمسة وعشرين مرة عن التصويت، وقد بلغ اعتراض الفيتو الأمريكي على حماية إسرائيل من الإدانة الدولية ضد عدوانها على الشغب الفلسطيني حد السفاهة والوقاحة.
ولو استعرضنا مرات التصويت هذه لوجدنا أن كل الرؤساء الأمريكيين تقريبا قد استعملوا الفيتو حماية لإسرائيل، فمنذ حقبة الرئيس ريتشارد نيكسون الذي مارس حق بلاده بالاعتراض لأول مرة من قبل رئيس أمريكي ضد قرار دولي أدان إسرائيل بالقيام بعدوان ضد العرب ومنذ ذلك التاريخ في السابع عشر من مارس (آذار) 1970 تتالب المواقف الأمريكية في استعمال حق الفيتو، وكانت كلها دعما وحماية لإسرائيل، وشمل ذلك عمليات اعتراض على أكثر من عدوان إسرائيلي في الجنوب اللبناني وعلى الجبهة السورية ولم يقتصر الأمر على دعم إسرائيل على العدوان بل شمل ذلك أيضـًا بالوقوف ضد أية محاولة لا ترضي إسرائيل بشأن ما يدعى السلام بين العرب وإسرائيل.. وسوف تبقى مطرقة رئيس مجلس الأمن الدولي في ذاكرة التاريخ من حيث أنها كنت دائمـًا بدقاتها الثلاث عنوانا عن عار الانحياز الأمريكي ليس ضد العرب والقضايا العربية فحسب بل ضد المبادئ والقيم التي تدعى الولايات المتحدة الأمريكية أنها تحمل شعاراتها ومسؤولياتها التي لا يمكن وصفها بأقل من أنها منحازة مع العدوان حتى ولو كان ذلك بالتحريض على القتل تحت تسمية ما يسمى بمكافحة "الإرهاب" ثم استعمال الفيتو في كل مرة، بحيث بدا حق الفيتو وكأنه مجرد حق للأقوى حتى ولو كان على حساب حياة وحريات الشعوب المستضعفة.
ولعل أبشع صور استعمالات حق النقض (الفيتو) هي آخر مرة استعملت فيها الولايات المتحدة هذا الحق بوقاحة حماية لإسرائيل باعتراضها على شبه الإدانة على مخالفتها كل القوانين الدولية والإنسانية في بناء الجدار الذي أسماه الكيان الصهيوني بـ" الجدار الأمني " والذي هو في واقع الحال صورة من صور الإرهاب الدولي وإلا ماذا نسمي سلوكـًا عدوانيـًا يسعى مرتكبه في الحصول على شرعية دولية لممارستها في وقت يتسلح فيه بسلاح لا راد له فردي قطعي يستند وبكل صفاقة إلى قرارات يقولون أنها تمثل المجتمع الدولي، ولعل خير نموذج لهذا الصورة القبيحة سكوت ومهادنة المجتمع الدولي، الأمر الذي حول حق الفيتو الأمريكي إلى صورة من صور العدوان السافر والذي كان يحتاج موقفا قويا عادلا يردع الكيان الصهيوني في ممارساته الجائرة التي تدخل في خانة الإرهاب بل الإرهاب الدموي الذي تغفل عنه الولايات المتحدة الأمريكية بمختلف التسميات.
إن كل الشواهد التي تحيط بالجدار الذي يسميه الكيان الصهيوني بـ"الجدار الأمني" هو في واقع الأمر أبعد ما يكون عن الأمن إلا إذا كان الأمن المقصود هو أمن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين الذين يقتلعون الأشجار ويجرفون الأراضي ويقتلون الأطفال ثم يذهبون بعد ذلك إلى الولايات المتحدة يشكون ويبكون ويتحول هنا القاتل إلى حمل وديع، بل يذهبون أبعد من ذلك لمساواة القاتل مع المقتول، ولم يكتفي الكيان الصهيوني بذلك حيث أعطيت الأوامر لبناء جدار قالوا أنهم يرون فيه وسيلة لحمايتهم من الفلسطينيين ومن هجماتهم على المستوطنين "الآمنين"!!
ويحار الإنسان هنا لا من إدعاء وكذب الكيان الصهيوني بل من ردود الفعل الأمريكية، ولو محص المرء في حقيقة المواقف الدولية لأصابته الدهشة، فكل ما أمامنا ينطق بعدوانية إسرائيل وبازدواجية مواقف المجتمع الدولي وبالطبع بانحياز الولايات المتحدة الأمريكية.
إن نظرة سريعة للخارطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمنطقة نرى أنها تتأقلم يوما بعد يوم لتصبح أسيرة للإرادة الصهيونية مع عجز كامل من جانبنا العربي.. وقد تجلى ذلك بأبشع صورة خلال أزمة ياسر عرفات والتي حولت القضية بقدرة قادر من قضية احتلال ومقاومة ومواجهة وفداء إلى قضية كل محورها سفر ياسر عرفات أو تسفيره.
إن الخوف يولد الظلم، والظلم يمهد الطريق للفداء، ولا يمكن للمرء أن يتصور ذات يوم ما جرى ويجري على الساحة الفلسطينية دون أن يرفع القبعة لهذا الشعب العظيم بقياداته الشابة التي رفضت الهوان والاستسلام، وسوف تحيط المفاخر زنابق شامية تحيط الذين سقطوا على ساحة الوغي والذين يظن الأعداء الصهاينة أن سياجـًا طوله عشرون كيلومترًا سوف يحد من فدائية هذا الشعب صانع البطولات.
يقول الإسرائيليون أن الجدار دفاعي أمني وكعادتهم أخطأوا باستمرار خلال تاريخهم المسبي على فهم وإدراك ثوابت في منتهى الوضوح لأنها تمس نفوذهم، فهم لا يدركون مثلا أن تجربة جدران الحماية الأمنية لم تحمي الألمان الشرقيين خلال فترة الحرب الباردة وسقطت برلين بضربة مطرقة ولا بد أن يأتي يوم تتهدم فيه الجدران اليهودية في فلسطين المحتلة من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب بأيدي أطفال ربما لم يولدوا بعد.
أما الجدار الذي أرادوه معتقلا للفلسطينيين وسدًَا ظنوا أنه سوف يمنع عنهم الفلسطينيين لا بد وأن يصبح صورة من الماضي وربما يلجأ إليه أطفال فلسطينيون بعد هدمه بمطرقة فلسطينية ذات يوم ليبيعوا قطعـًا تذكارية منه في شوارع القدس العتيقة.
وليست مصادفة أبدًا أن يترافق بناء الجدار الصهيوني مع استعمال الفيتو الأمريكي وسيلة لحماية إسرائيل من جديد.. ليست مصادفة أبدًا أن تمر هذه الأحداث دون رابط لها مع أحداث نعيشها كل يوم وهي حرب بغداد الخاطفة التي يتوقف عندها المرء ساعات طويلة دون أن يجد لها حلا أو تفسيرًا.. فهل هي من أجل النفط العراقي أم من أجل فرض النفوذ الأمريكي؟
أسئلة من السهل جدًا إيجاد حلول وأجوبة لها أما الصعب هنا هو فهم المواقف العربية التي ما تزال حتى الآن ضائعة وتائهة بين جدار العار الصهيوني وفيتو القهر الأمريكي.
الكلمة الممنوعة |