|

بعد أشهر قليلة من انطلاقة انتفاضة الأقصى المباركة، وبعد تصاعد حملة الاغتيالات الصهيونية ضد قادة وكوادر ونشطاء الانتفاضة، أصدرت محكمة أمن الدولة الفلسطينية في مدينة نابلس حكمـًا بالسجن المؤبد على ثائر وليد جابر بعد اعترافه بتقديم معلومات للمخابرات الإسرائيلية ساعدتها في إغتيال اثنين من كوادر حركة فتح وإصابة 27 مواطنـًا فلسطينيـًا آخر !
وأضافت المحكمة حكمـًا آخر على عميل الموساد بمصادرة ممتلكاته المنقولة والغير منقولة ..! ولا نعرف بالضبط ما هي الممتلكات المنقولة والغير منقولة لشاب يبلغ من العمر عشرين عامـًا ..!
ولم نعرف أيضـًا متى تم تجنيد هذا الشاب للعمل في جهاز المخابرات الإسرائيلي علمـًا بأن السلطة الفلسطينية قد دخلت إلى الأراضي الفلسطينية قبل 7 سنوات أي عندما كان عمر هذا العميل 13 عامـًا ..!
في البدء يجب علينا التأكيد بأن انحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب ولا سمعتها ، وقد مرت بمختلف الأوطان أحداث تاريخية عديدة جابهت فيها الأعداء بكل شجاعة وتضحية ، ومع ذلك برز من بين صفوفها من هادن هؤلاء الأعداء وأرشدهم أو سار في صفوفهم، ومع ذلك استمرت السمعة الأصيلة مثلها الأعلى ولونها المشرق الجذاب ، وأصبح تاريخها النضالي منارة يحتذي بها في مقاومة الاحتلال .
تعرضت فرنسا لغزو هتلر الساحق ، وركعت باريس مدينة النور تحت نير الاحتلال خاضعة مستسلمة ، ووقع الماريشال بيتان صك الاستسلام ، وطوال أربع سنوات كانت جموع الفرنسيين في الخارج تكون حركة المقاومة ضد الغزاة ، وكانت حركة المقاومة في الداخل تتزايد وتنمو مع وجود فريق ضالع مع المحتلين ، كان هناك من سالمهم وقدم لهم الغذاء ومن قدم لهم المعلومات والإرشاد ومخازن السلاح بما يشكل انحرافاً وخيانة بالمعنى الوطني .
ولكن فرنسا التي حررها الحلفاء تتربع اليوم معتزة بوطنيتها .
لم يشن فرنسا الجنرال بيتان ، ولم يخدش من سمعتها الأدميرال لا فال ، ولم تنـزل من قيمتها جموع فتياتها على نهر السين يرحبن بالغزاة ، لم يشن فرنسا كل هذا لأن انحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب .
وبريطانيا حين سلط هتلر جموع طائراته يدكها بالقنابل ، وحين أرسل جيوشه تدمر القارة الأوربية حيث رحلت جيوش بريطانيا تجر أذيال الخيبة ، و أضطرهم هتلر أن يستعملوا البواخر والصنادل والأخشاب هاربين من دنكرك ، وحين عاش شعبها في الأنفاق شهوراً طويلة ، كان أحد أبنائها يذيع من برلين كل مساء أن النظام البريطاني يجب أن يزول وأن ألمانيا هي التي أرسلتها العناية الإلهية لتقوم اعوجاجا وكان هذا هو المسمى اللورد (( هوهو)) .
وبعد الحرب العالمية الثانية عشنا سنوات طويلة نحن نستمع لهروب عدد من علمائها ودبلوماسييها حاملين أسرار بلادهم إلى روسيا جاعلين مصلحة أوطانهم في الحضيض، وما قصة برجيس الدبلوماسي ، ولا فيلبي مراسل مجموعة الصحف البريطانية الكبرى ، وما قصتهم على الجميع ببعيدة وهم يختفون هاربين إلى موسكو وفي جعبتهم الكثير من الأخبار والأسرار ، كل هذه الحوادث على ما فيها من هوان على الوطنية لم تحطم سمعة الشعب البريطاني الذي يشهد له التاريخ بقوة الاحتمال والصبر الذي قاده إلى النصر أمام نكبات الحرب العالمية الثانية المريرة ولم يشنه وجود بعض المنحرفين ذلك أن انحراف القلة لا يشين جهاد الشعوب .
ويطول بنا ضرب الأمثلة واستعراض الشواهد لو تحدثنا عن كوسيلنج في دول اسكندنافيا، وكيف عاون الألمان وساعدهم وساق قسماً من جيوش بلاده تدافع عن الاحتلال ، ومع هذا فشعب اسكندنافيا معتز بتاريخه المجيد وخيانة القلة لم تخدش من كبرياء الأكثرية شيئاً .
وكيف تحرك قسم من قادة إيطاليا يجرون الكرسي من تحت زعيمها موسليني حتى هوى ، أخذوا زعيمها وقائدها الذي كان يخيف الدنيا مكبلاً بالحديد إلى ساحة دووموا في ميلانو وشنقوه من رجليه ثم انهالوا عليه بالرصاص .
ومع هذا فشعب إيطاليا يكرر أنه بذل في الحرب الكثير استهدافاً للنصر ، وأن الأحداث المختلفة أو انحراف قلة من أفراده لا تجعله يحاول التخلص من تاريخ المجد العريق.
نذكر ما سبق ونحن نتابع باستغراب شديد الأخبار المتواردة من الأراضي الفلسطينية كل يوم حول قيام قوات العدو الصهيوني باغتيال أحد قادة الانتفاضة إما بقصف سيارته ومنـزله من الجو ، أو بتفجير سيارته ، ومن ثمّ قيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية بإلقاء القبض على مجموعة من العملاء الفلسطينيين الذين ساهموا في اغتيال قادة وكوادر انتفاضة الأقصى المباركة .
ونتساءل بمرارة لماذا ظهرت هذه الظاهرة بوضوح شديد بعد دخول السلطة الفلسطينية إلى الأراضي المحررة ؟ مع العلم أن ظاهرة العملاء قد تم القضاء عليها في الانتفاضة الأولى منذ عام 1987م إلى عام 1994م ، حيث هرب قسم منهم إلى داخل إسرائيل والباقي ذهب إلى المساجد لإعلان التوبة ، هل كان لتصاعد الحس الوطني ومشاركة الشعب الفلسطيني بكل شرائحه في فعاليات الانتفاضة الأولى سبب في القضاء على ظاهرة العملاء ؟ وإذا كان كذلك فهل أفرزت عملية التسوية التي أطلق عليها زورا وبهتانـًا عملية السلام حالة من تقبل الشارع الفلسطيني لإمكانية التعاطي مع العدو الإسرائيلي في ظل الحديث عن دور بعض المتنفذين في السلطة في تنظيف ( الخراف السوداء )وتبييضها وغسل عارها ومن ثم إدخالهم في أجهزة السلطة ؟ ولماذا حالة الاسترخاء التام في التعامل مع هذه الظاهرة من قبل القيادة الفلسطينية طوال سبع سنوات ؟
الغريب في الأمر أنه بعد كل عملية اغتيال لأحد نشطاء وكوادر الإنتفاضة الذين بلغوا أكثر من مائة وخمسين شهيدا ، يخرج علينا بيان فلسطيني بإلقاء القبض على عميل فلسطيني ساهم في اغتيال هذا الناشط .
في قصة الاستشهادي سعيد الحوتري بطل عملية تل أبيب في يونيو 2001م قصة صغيرة لها أكثر من مدلول ، فقد اعترفت المخابرات الإسرائيلية بأن الشخص الذي أوصل الحوتري إلى تل أبيب هو أحد العملاء الفلسطينيـين دون أن يعرف هذا العميل الهدف من دخول البطل الحوتري إلى تل أبيب .
وقد أكد قائد المخابرات الفلسطينية في الضفة الغربية توفيق الطيراوي بأن الشخص الذي أوصل الحوتري إلى تل أبيب هو شخص معروف لدينا بأنه أحد عملاء الموساد .
أي بعبارة أخرى أن كل عملاء الموساد في الأراضي الفلسطينية معروفين للأجهزة الأمنية الفلسطينية .
وطالما أن الأجهزة الأمنية تعرف العملاء بأسماءهم وأماكن تواجدهم ، فلماذا لا تلقي القبض عليهم ؟ ولماذا لم نسمع عن اكتشاف عميل قبل اغتيال أي كادر وناشط من كوادر الانتفاضة ؟
هل نحن أمام حالة أخرى من حالات الترهل الثوري والتسيب أصيبت بها أجهزة الأمن الفلسطينية ، كما أصيبت بها بعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت ؟ والتي جلبت الكثير من المآسي والكوارث على قادة وكوادر أبناء الشعب الفلسطيني كاغتيال القادة صلاح خلف ( أبو إياد ) وهايل عبد الحميد ( أبو الهول ) وفخري العمري ( أبو محمد ) الذين اغتيلوا في العاصمة التونسية في يناير 1991م على أيدي عملاء الموساد الإسرائيلي .
لقد نادينا كثيراً بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب لا أن تعطى المناصب للولاء الشخصي بدلاً من الولاء الوطني ، وإلى حسن الحديث في المديح والإعجاب بدلاً من الكفاءة وشجاعة إبداء الرأي ، حتى لا نصل إلى مثل هذه الإفرازات والمظاهر الانحرافية التي لا تمت بصلة إلى عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني وبعيده كل البعد عن مبادئ الثورة الفلسطينية وقضية الشعب الفلسطيني الذي قدم لها هذا الشعب قوافل الشهداء والجرحى والمعتقلين .
إن سقوط أكثر من 3000 شهيدا وأكثر من خمسين ألف جريح وأكثر من عشرة آلاف معتقل في سجون العدو الإسرائيلي خلال 37 شهرًا من عمر انتفاضة الأقصى الحالية لا يعطي مبررا للأجهزة الأمنية الفلسطينية بالتغاضي عن العملاء الذين ساهموا بأكثر من شكل من أشكال التعامل من سقوط هذا العدد الهائل من الشهداء والجرحى والأسرى .
وإذا كانت الأجهزة الأمنية تستطيع التسامح والتنازل عن حقها- لأسباب لا نعرفها- في معاقبة هؤلاء العملاء ، فإن أيتام وأرامل وثكالى الشعب الفلسطيني البطل ، وشواهد القبور وجدران الزنازين لا يمكن أن يتنازلوا عن حقهم في الأخذ بالثأر من الخونة والعملاء الذين برزوا للعلن في الإنتفاضة الحالية في أغرب ظاهرة يتعرض لها الشعب الفلسطيني .
ومع ذلك لا يشين الشعب الفلسطيني انحراف قلة ضئيلة إلى جانب نصاعة تضحيات وبطولات وجهاد الشعب الفلسطيني . |