|

لماذا لم تواصل الحركة الإسلامية العالمية السير على طريق الموعظة الحسنة والدعوة بالتي هي أحسن؟ بعبارة أخرى: لما لجأت إلى العنف، إلى ما يسمى اليوم بـ"الإرهاب"، المحلي منه والعالمي؟ هذا سؤال يعود بنا إلى سؤال أعم وأدق، كنا طرحناه في مقال سابق وأجبنا عنه بما كان يسمح به السياق الذي طرحناه فيه.
هذا السؤال هو: ما الذي يجعل جمعية دينية تتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا، وهو الذي يجعل السلم والسلام مبدءا وغاية، تنزلق –أو ينزلق بعض أفرادها- إلى ممارسة أعمال لا يقبلها العقل ولا الشرع، من قبيل محاولة التخلص من المخالفين والخصوم بواسطة العنف في أقصى مظاهره كالاغتيال مثلا؟ وبعبارة أخرى ما الذي يجعل الواحد من هذه الجماعة يخلط بين جريمة القتل العمد، الذي يذهب ضحيته بغير حق فرد أو أفراد، وبين فريضة الجهاد؟..! وقد طرحنا هذا السؤال ونعيد طرحه في إطار تحليلنا لملابسات وأبعاد التفجيرات التي عرفتها الدار البيضاء والرياض في شهر مايو الماضي، والتي تصنف ضمن ما يطلق عليه اليوم اسم "الإرهاب".
***
أعتقد أننا الآن، بعد الذي قدمناه في المقالات السابقة من تحديدات منهجية، في وضع يمكننا من تحليل منهجي للظاهرة التي يطرحها هذا السؤال. إن مفهوم "الاستعصاء عن التحديد" الذي عرضنا له في المقال السابق يفتح لنا آفاقا رحبة لمناقشة هذه المسألة. لنبدأ، إذن، بالقول إن ظاهرة العنف السياسي، كيفما كانت الجهة التي يصدر عنها، هو ظاهرة لا يمكن تحديدها تحديدا كاملا ونهائيا بعامل واحد أو جملة عوامل. وحتى إذا تمكنا من حصر جميع العوامل التي تدخل في تكوينها فإنه سيكون من الصعب جدا، إن لم يكن يستحيل، تحديد نصيب كل منها في حدوث هذه الظاهرة في وقت من الأوقات؟
ومع ذلك فيجب أن لا يقوم ذلك حائلا دون القيام بمحاولة التحديد. إن "استعصاء التحديد" مفهوم وظيفته لا صرف الفكر عن البحث بل بالعكس، حثه على توسيع دائرته والتدقيق فيه وتجنب الأحكام المتسرعة والاستعداد بالتالي للمراجعة في كل لحظة.
من هذا المنطلق سنبدأ بتصنيف العوامل التي تدفع تنظيما سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا ما إلى الجنوح إلى العنف في مرحلة من مراحل وجوده.
- هناك من جهة العوامل الخارجية التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشر بظاهرة العولمة، وقد أسهبنا في الحديث عنها في المقالات السابقة.
- وهناك من جهة ثانية العوامل الموضوعية من فقر وحرمان وتهميش الخ. إن هذه العوامل هي بمثابة التربة التي يسهل فيها استنبات العنف في الأوساط الاجتماعية التي تعاني منها. أقول "استنبات" لأن العنف السياسي لا ينبت وحده، وإذا حدثت حادثة من جنسه من تلقاء فاعلها وحده، وتحت ضغط الحرمان الذي يعاني منه ويشعر به، فإن ذلك يكتسي دائما صبغة "الحادثة" الفردية المنفردة التي لا تتكرر بانتظام ولا وفق نظام! وما يميز العنف السياسي سواء كان باسم الدين أو باسم شيء آخر، هو أنه عنف منظم، مخطط له، ليس فقط من أجل أن ينجح في عملية معينة بل أيضا من أجل أن يستمر ... إن العوامل الموضوعية في هذا المقام هي بمثابة الرحم. ولكن كما أن البيضة في الرحم لا تتحول إلى كائن حي إلا بواسطة تلقيح وحضانة الخ، فكذلك العنف المنظم. و"التلقيح والحضانة" في هذا السياق ينتميان إلى ما نطلق عليه هنا "العوامل الذاتية"
- والعوامل الذاتية في هذا الميدان ليست "ذاتية" بمعنى أنها تنتمي إلى "الخلقة" و"الطبع" بل هي ذاتية بمعنى "التطبع"، أعني الاكتساب. فعندما يتعرض الشخص لفعل العوامل الموضعية (الفقر والحرمان والتهميش ...)، ويحصل لديه وعي حاد بهذه المعاناة، ينمو في وعيه الشعور بالظلم والحرمان، ثم يتحول هذا الشعور إلى يأس. ومع استمرار المعاناة يتحول اليأس إلى حقد دفين ثم... ثم إلى حقد يتقد نارا.
- ويتقرر مصير هؤلاء الذين يحول فيهم الشعور بالفقر والحرمان إلى يأس وحقد عندما يستقطبهم تنظيم معين:
فإذا كان هذا التنظيم سياسيا أو نقابيا، بمعنى أنه يطرح أهدافا وشعارات تتسع للمرحلية والنسبية وبالتالي بالقبول بمبدأ "خذ وطالب"، وفي الوقت نفسه يعمق رؤاه ويجذر مطالبه، فإن العنف السياسي الذي قد يضطر إليه هذا التنظيم يكون في الغالب عنفا منظما وعلنيا ذا طابع جماعي (إضرابات، مظاهرات، اعتصامات) ويبلغ قمته عندما يتحول إلى عصيان مدني، أو إلى ثورة شعبية. والمهم في العنف السياسي ليس الشكل الذي يتخذه في هذه المرحلة أو تلك؛ المهم هو أنه ينطلق رؤية موضوعية ترى أسباب الفقر والحرمان والتهميش الخ لا في الأفراد كأفراد، أغنياء كانوا أو حكاما، بل تراه في طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة: علاقات الاستئثار بالثروة والجاه، وغياب تكافؤ الفرص، وما ينشأ عن ذلك أو يرافقه من استغلال طبقة لطبقة أخرى أو طبقات. ومن هنا يتكون الوعي الصحيح بظاهرة الفقر والحرمان، أعني بوصفها نظاما من العلاقات الاجتماعية والسياسية لا يمكن القضاء عليه لا بالاغتيالات، ولا بالقنابل، ولا بالتفجيرات .طريق واحد يمكن به تغيير هذه العلاقات هو طريق الضغط النقابي والسياسي. الطريق الذي يحتمل المراحل كما يحتمل الطفرة، ويمكن أهله من الحصول على بعض الحقوق واستعمالها في النضال من أجل الحصول على مزيد. بكلمة واحدة: الطريق النقابي والسياسي هو وحده الذي يمنح لأصحابه آفاق واسعة للعمل، وتحقيق المكاسب، واكتساب القدرة على الصبر والمصابرة، للسير قدما على طريق تحقيق الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.
- أما إذا كان التنظيم الذي يستقطب " هؤلاء الذي تحول فيهم الشعور بالفقر والحرمان إلى يأس وحقد"، تنظيما غير سياسي غير نقابي، كالتنظيم الذي يوظف الدين، فإنه سرعان ما يقع في عنق الزجاجة. ذلك أن الدين هو جملة مبادئ عامة تصلح في كل زمان ومكان لأنها تعلو على كل زمان ومكان. إن الدعوة الدينية دعوة إلى الخير كقيمة مطلقة وكتطبيقات جزئية، وبما أنه قيمة مطلقة وبما أن الجزئي في الدين هو من أجل ما فيه من المطلق، فإن "دار الجزاء"، دار الثواب والعقاب، ليست في هذه الدنيا بل هي "الدار الآخرة". إن المسكين والفقير والمحروم يجد خلاصه في العمل من أجل الآخرة حيث الجنة لمن عمل عملا صالحا، والنار لمن عمل عملا غير صالح. والعمل الصالح لا يمكن تحقيقه بوسائل غير صالحة. ومن الوسائل غير الصالحة والمنهي عنها الاغتيال وقتل النفس وإشعال الفتنة، لأن هذه الوسائل هي من جنس الوسائل التي يتخذها الحكم غير الصالح، الذي يمارس الظلم ولا يحكم بالعدل.
وللخروج من هذا المأزق يلجأ المكيفون الإيديولوجيون في التنظيمات السياسية/الدينية إلى وسيلة يقفزون عليها إلى "الجهاد". هذه الوسيلة هي جعل أعضاء تنظيماتهم يتقمصون "السلف الصالح" وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم. فيفكرون ويتصرفون وكأنهم ذلك السلف نفسه يواجه طغيان قريش، ومن خلالهم طغيان فرعون وقارون وهامان، متيقنين أنهم بفضل هذه المواجهة ستكتب لهم الجنة. وهكذا كله خطأ في فهم الدين. ذلك أنه لا النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة لجأوا إلى العنف (إلى الاغتيالات وغيرها) يوم كانوا يواجهون طغيان قريش وهم في مكة. إن القرآن الذي نزل في مكة يكرر الدعوة –دعوة الرسول وصحابته إلى الصبر- إلى اجتناب العنف ليس في العمل فقط، بل وفي القول أيضا.
ويذكر المفسرون أنه حدث أن طالب بعض الصحابة من النبي السماح لهم بمواجهة ما قامت به قريش ضدهم، من محاصرة وإهانة واستهزاء وتعذيب، بأعمال تردع المعتدين، فكان الجواب : آيات من القرآن تدعو إلى الصبر، وبعضها لم يخل من اللوم والعتاب... أما عندما انتقل الرسول وصحبه إلى المدينة بعدما كسب أنصارا كثيرين فيها بواسطة الدعوة الشيء الذي مكنه من تأسيس "دولة المدينة"، فقد اضطر إلى مواجهة قريش مواجهة تضرب مصالحها. ولم يفعل ذلك بواسطة الاغتيال ولا التفجير، بل سلك مسلكا مشروعا وهو الغزوات التي كانت عبارة عن مواجهات عسكرية لا يقتل فيها بريء ولا طفل ولا شيخ، وإنما جند في مقابل جند.
وكما يقفز المكيفون الإيديولوجيون الذين يوظفون الدين متجاهلين الحقائق التاريخية، كالتي ذكرنا، يقفزون أيضا بوضعهم البشري العادي جدا إلى مرتبة الأنبياء، فيعِدون من يستقطبونهم بالجنة، ويذهب بهم الأمر إلى حد تعيين "العشرة" منهم، أو العشرات، المبشرين بالجنة! وهذا كله اعتداء على حرمة النبوة وقدسية القول الإلهي.
ونحن عندما نذكر هنا هذا النوع من السلوك لا نقصد الافتاء في أمره من الناحية الدينية، وإنما نريد أن نبين أن ممارسة السياسة بتوظيف الدين عملية تحمل تناقضا جوهريا: ذلك أن مجال السياسة هو مجال الجزئي والنسبي، مجال المحاولة والخطأ الخ، أما الدين فمجاله هو المطلق. ولذاك نجد الداعية السياسية باسم الدين لا يقدم نتائج جزئية ملموسة وإنما يقدم نتيجة مطلقة وهي الثواب في الدار الآخرة: الجنة. والمفارقة المثيرة في هذا السياق هو أن صاحب الدعوة يطلب لنفسه النتائج السياسية الجزئية النسبية...! في حين يعِد من يستقطبهم بنتائج مطلقة، ولكن لا في الدنيا، بل في مجال المطلق: في العالم الآخر!
فكأنما الدنيا خلقت لهم... والآخرة لأتباعهم! |