|
أقر مجلس النواب الأمريكي في السادس عشر من أكتوبر 2003م مشروع قانون باسم "محاسبة سوريا واستعادة لبنان" يفرض سلسلة من العقوبات على دمشق لمطالبتها بوقف ما يزعم أنه علاقة سوريا بالإرهاب وإنهاء الوجود السوري في لبنان، وصوت لمصلحة مشروع القانون الذي يتضمن قيودًا دبلوماسية واقتصادية ضد الحكومة السورية 398 من أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 بينما رفضه 4 فقط، وعقب إقرار مشروع القانون من مجلس الشيوخ سيتم عرضه على الرئيس الأمريكي الذي يتوقع أن يوافق عليه ويتحول إلى قانون واجب التنفيذ وذلك في ضوء عدم اعتراض البيت الأبيض على تمرير القانون.
ويفرض القانون المعادي لسوريا حظرًا على حصولها على أسلحة أمريكية أو المكونات الممكن أن تستخدم في برامج التسلح، وما لم تلتزم سوريا بالمطالب التي يتضمنها مشروع القانون سوف يتعين على الرئيس الأمريكي الاختيار بين سلسلة من العقوبات تشمل حظر كامل على الصادرات الأمريكية لسوريا باستثناء المواد الغذائية والأدوية بالإضافة إلى فرض حظر على جميع الاستثمارات الأمريكية بسوريا وتقييد حركة الدبلوماسيين السوريين في واشنطن ونيويورك إلى مسافة لا تتعدى 25 ميلا، وحظر تحليق طائرات لشركات طيران تديرها أو تملكها سوريا وتخفيض التمثيل الدبلوماسي المتبادل بين أمريكا وسوريا وتجميد الأرصدة السورية في البنوك الأمريكية.
والغريب أن البيت الأبيض قد أوقف عملية تمرير هذا القانون قبل أكثر من عام وتحديدًا في 19 سبتمبر 2002م عندما دعت الإدارة الكونجرس إلى التخلي عن السير في إجراءات إصدار قانون محاسبة سوريا، وأعلن مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد حينذاك أمام اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وجنوب آسيا أن الرئيس بوش أشار إلى تعاون سوريا مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وأكد أن هذا التعاون أساسيـًا وساعد على إنقاذ حياة أمريكيين.
وقبل أن نستطرد في الحديث دعونا نتساءل.. بأي حق يحاسب الكونجرس الأمريكي ويسائل الدول العربية وأنظمة حكمها؟ وهل أصبحت الولايات المتحدة تـنظر للدول العربية على أنها إحدى ولاياتها وليست دولا ذات سيادة؟ فتقوم بفرض قوانينها وقراراتها عليها، وعلى الحكومات العربية أن تهرول إلى واشنطن لتخضع وتركع وتطوف حول البيت الأبيض لتـنال الرضا السامي الأمريكي!! أم أن هناك مخطط جديد لبدء الحلقة الثانية من المسلسل الدموي الأمريكي ضد العرب والمسلمين هدفه احتلال دمشق بعد أن تم ابتلاع بغداد؟
إن السيناريو الأمريكي أصبح يحفظه الجميع، فلم تعد مفرداته ألغازًا يحار فيها التفكير والعقل كما أن مضمونه لم يعد يحتمل الغموض، فلائحة الاتهامات الأمريكية ثابتة لكل الدول المتصلبة ضد استراتيجيتها، وسوف يعلنها الكذاب بوش في أي لحظة وبنودها العامة هي السعي إلى أو امتلاك أسلحة دمار شامل والتحريض على الإرهاب وإيواء الإرهابيين.. وهناك بنود إضافية خاصة لسوريا مثل إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية في دمشق ووقف مساندة حزب الله وانسحاب القوات السورية من لبنان، ثم تتولى الخارجية الأمريكية التفاوض قصير الأجل مع دمشق حول الإقرار بالاتهامات.. وضرورة تـنفيذ المطالب الأمريكية.. وبعد فترة قصيرة يتم استخدام متصاعد بالتهديد ثم إحالة الأمر إلى مجلس الأمن في محاولة من الولايات المتحدة من دعم بعض ذيولها الدوليين مثل بلير وإيثنار وباقي الدول تحاول الحصول على أصواتها بالترغيب والترهيب، وحتى إذا لم تستطع استصدار قرار من مجلس الأمن فالعربدة الأمريكية لا يردعها أي قانون حتى ولو كان القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، فقد ضرب بوش عرض الحائط بكل القواعد الديموقراطية في العالم وداس على رأي المجتمع الدولي، وهتك عرض الأمم المتحدة نهارًا جهارًا واغتصب العراق أمام العالم وهو عاري تمامـًا دون أن يرتدي زي القانون الدولي أو يستر نفسه بأي تأييد شعبي وخرج بكل وقاحة على شاشات التلفاز يدعي أنه اغتصب العراق من أجل الديموقراطية والحرية.. وهو لا يدرك أن الديموقراطية والحرية لا يمكن أن تأتي إلا من أب وأم شرعيين، فالنتيجة الطبيعية للاغتصاب هو حرية التفجيرات وديموقراطية الاغتيالات ولا يمكن للحرية الحقيقية أو الديموقراطية الكاملة أن يكونا نتيجة اغتصاب وعربدة وإجرام.. وما يحدث في العراق حاليـًا هو نتيجة طبيعية للاحتلال.
ولا يمكن أن يسمى ديموقراطية أو حرية بأي حال من الأحوال.
شارون مجرم المرحلة القادمة
إذا كان بوش قد وجد ذيولا له أثناء حرب العراق في لندن ومدريد فإنه سيجد ضالته في المرحلة القادمة في تل أبيب، حيث شارون الحائز على أرفع الشهادات الدولية في الإجرام والتعذيب والإبادة ليكون بطل الحلقة القادمة من سيناريو الاحتلال الأمريكي للدول العربية، فبعد أن قامت الولايات المتحدة بإنهاء القوة العسكرية العراقية التي كانت تشكل إحدى قوى المنطقة التي تهدد إسرائيل، إلى درجة أن وزير الدفاع الإسرائيلي أعرب عن بالغ سروره عندما دخلت القوات الأمريكية بغداد بقوله إنه يوم سعيد لإسرائيل أن تنتهي إحدى القوات العسكرية التي كانت تهددنا، فتدمير القوة العسكرية العراقية وتسريح جيشها عمل على تأمين مصالح إسرائيل العسكرية والأمنية وانسجم مع مصالحها الاستراتيجية بالمنطقة، لذا فإن على إسرائيل رد الجميل الأمريكي أو دفع فاتورة تأمين مصالحها ولو بالمقايضة العسكرية بأن يقود شارون حرب بالإنابة عن الولايات المتحدة ضد سوريا ولا أعتقد أن شارون سيتردد لحظة ما في الاستجابة لهذا الطلب الأمريكي فور صدوره.
والأحداث المتوالية من تصعيد أمريكي وإسرائيلي تبرهن على أن الإدارة الأمريكية تـنسق مع الدولة العبرية لعمل عسكري ضد دمشق، فبعد أن قامت الطائرات الإسرائيلية ليل الرابع من أكتوبر بمهاجمة قرية عين الصاحب السورية والتي لا تبعد أكثر من 45 كيلومتر من دمشق، أدلى ريتشارد بيرل مهندس حرب العراق وأحد كبار مستشاري البنتاجون المقربين للرئيس بوش بتصريحات في مؤتمر لأنصار الاتجاه اليميني المحافظ الذي انعقد في القدس قال فيها "إنه لا يستبعد إجراءً عسكريـًا أمريكيـًا ضد سوريا، وإنه سعيد لأن إسرائيل انتهجت نفس النهج الذي سار عليه بوش ولا يفرق بين الإرهابيين والدول التي تحتضن الإرهاب مثل سوريا".
ثم جاء قرار مجلس النواب في السادس عشر من أكتوبر لمشروع قانون "محاسبة سوريا واستعادة لبنان" ليؤكد أن هناك تخطيط وتكتيك يحاك ضد سوريا تحت أجنحة الظلام، وربما تشهد الفترة القادمة هجمات إسرائيلية جديدة على المواقع السورية في لبنان أو ضرب المكاتب والشخصيات الفلسطينية داخل الأراضي السورية، فالحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية كلاهما بحاجة ماسة لهذه الأعمال لأكثر من هدف أولها ردع القيادة السورية وإثناؤها عن تقديم أي مساندة للمقاومة الفلسطينية أو حزب الله أو إيران، وثانيـًا لصرف النظر عن حالة الفوضى والإخفاق التي تعانيها القوات الأمريكية في العراق ولرفع أسهم بوش في حملته الانتخابية أمام الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يفقد ثقته في سياسات حكومته، وثالثـًا محاولة شارون لاستعادة شعبيته التي بدأت تتقلص لدى الشعب الإسرائيلي بعدما أخفق في تحقيق الأمن لإسرائيل خلال مائة يوم مثلما وعد الناخب الإسرائيلي بذلك.
فهل يريد بوش إسقاط حكومة دمشق قبل الانتخابات تحت تهديدات كاذبة وادعاءات باطلة؟! فهل يريد تكرار المشهد العراقي عندما أسقط تمثال صدام في بغداد فيحاول إسقاط تمثال الأسد بدمشق لاستعادة نسبة تأييده التي انهارت بعد أن وصلت إلى أعلى نسبة عندما دخلت القوات الأمريكية العراق؟! ولا شك أن إسرائيل تدفع بوش بكل قوة إلى هذه الهاوية فهي الرابح الأول في المعارك.. فماذا ستفعل سوريا والعرب أمام هذه الكارثة؟!
محاسبة أمريكا.. واستعادة العراق
لا شك أن سوريا الآن تواجه تحديات أمنية جيواستراتيجية، فبعد احتلال الولايات المتحدة للعراق أصبحت سوريا تقع بين سندان الجيش الأمريكي من الشرق ومطرقة الجيش الإسرائيلي من الغرب، والخطر الكامن لها ليس فقط تهديدًا للاستقرار وإنما كنظام سياسي ودولة مستقلة تهديدًا حقيقيـًا وخطيرًا، لذا فالوضع الراهن يحتم ضرورة وضع الجيش السوري في حالة تأهب قصوى واستعداد كامل لأسوأ الاحتمالات، فمن غير المقبول أن يدخل الطيران الإسرائيلي قريبـًا من دمشق ولا يتعرض لإطلاق رصاص واحدة تمنعه من تحقيق أهدافه.
والخطر على سوريا يفرض على الأمة العربية ترتيب بيتها من الداخل وإتباع سياسة التعبئة بدلا من المهادنة، فالشعب العربي دخل في حالة نوم عميق منذ أن عزفت له سيمفونية السلام الوهمية، والآن نحن بحاجة إلى صحوة فاعلة بعد أن أثبتت سياسة المهادنة فشلها الذريع، نحن بحاجة إلى ضغط قوي في المحافل الإقليمية والدولية لتسليط الضوء على قضية ضرورة إجلاء القوات الأمريكية من العراق في أسرع وقت ممكن وتحديد جدول زمني لذلك، وربما أكون أكثر تفاؤلا إذا ذكرت أننا بحاجة إلى قرار من البرلمان العربي بنفس صيغة القرار الأمريكي لسوريا الشقيقة ويسمى "محاسبة أمريكا.. وإعادة سيادة العراق".. أليس من حق العرب أن يحاسبوا أمريكا على ثرواتهم التي تـنهب ونفطهم الذي يسرق؟! أليس من حق العرب محاسبة أمريكا على كل ما سببته من أزمات وانهيارات وحروب للدول العربية؟!.. إن سياسة الوهن والضعف والاستسلام العربي أدت إلى احتلال القدس وبغداد واستمرار هذه السياسة تـنذر باحتلال دمشق وربما باقي المدن العربية من المحيط إلى الخليج.. فهل نستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه ونتحرك بكل قوة لمواجهة ما يحاك ضدنا من مؤامرات وما يعد لنا من مخططات؟! |