|
ليس بوسع المرء تفسير ما بات يعرف "بوثيقة سويسرا" سوى أنها إصرار من قبل الموقعين الفلسطينيين عليها على إلحاق الهزيمة بالشعب الفلسطيني وبنضاله الطويل المتواصل ضد المشروع الصهيوني العنصري على أرض فلسطين. فهذه الوثيقة تشكل إقراراً واضحاً للإسرائيليين بنجاح مشروعهم في فلسطين، بل ولا نبالغ إن قلنا أنها تشكل إسهاماً في ذلك النجاح، ذلك أنه في الوقت الذي أصبح فيه الكثير من السياسيين والمحللين الإسرائيليين يشعرون بانحسار الفكرة الصهيونية، بل ويقرون بفشلها وانهيارها، تأتي الوثيقة لتقر للإسرائيليين بشكل رسمي باغتصابهم لثلاثة أرباع فلسطين التاريخية، ومن ثم تتنازل بشكل فعلي عن حق العودة الذي يمثل جوهر قضية الشعب الفلسطيني. ورغم أن بعض المشاركين الفلسطينيين يعتبرون أن الوثيقة تتضمن ممارسة لحق العودة بشكل أو بآخر، إلا أن تصريحات المشاركين الإسرائيليين تقول شيئاً آخر، فهذا حاييم أورون عضو الكنيست الإسرائيلي عن حزب ميريتس يؤكد بأن النص الذي اعتمد ولم يكشف عنه يتضمن إقرار الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل والتخلي عن حق العودة، إضافة إلى امتداح بيريس وبيلين وغيرهما موقف الوفد الفلسطيني المشارك في اللقاءات التي أفضت للوثيقة المذكورة. وهكذا فالموضوع ليس حجم المساحة التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية، فهذا تقزيم للمسألة وتبهيت لها لأبعد الحدود، ولا يفيد أصحاب الوثيقة شيئاً الاستنجاد بموقف شارون واليمين الإسرائيلي منها كوسيلة للترويج لها وتسويقها للشعب الفلسطيني.
أكثر من ذلك، ما يعزز خطورة هذه الوثيقة أنها تأتي في ظل ظروف صعبة يعيشها الشعب الفلسطيني، ناتجة في جانب منها عن العدوان الإسرائيلي المتصاعد على الشعب الفلسطيني، وناتجة في جانب آخر عن التخبط الرسمي الفلسطيني في المواضيع الداخلية وفي ترتيب الأولويات، وفي جانب ثالث سببها الوهن العربي الذي يتعاظم يوماً بعد يوم، لدرجة أن بعض الزعماء العرب أصبحوا يحملون الفلسطينيين مسؤولية تعطيل ما يسمونه عملية السلام، ويلقون باللوم عليهم فيما يخص تصاعد "العنف"...! وبالتالي لن تكون الوثيقة سوى عامل إرباك إضافي للشعب الفلسطيني ووضعه في متاهة جديدة من سلسلة المتاهات التي لا تنتهي.
وبالتمحيص في بنود الوثيقة، التي استندت إلى مفاوضات كامب ديفيد ومقترحات كلينتون، والاطلاع على التنازلات التي تحتويها، لا بد من طرح سؤال بديهي وبسيط للغاية: إذا كان الأمر كذلك، هل يمكن لأي من المشاركين في وضع الوثيقة أن يتكرم ويقول لنا لماذا قامت انتفاضة الأقصى التي قدم فيها الشعب الفلسطيني ما قدم من معاناة وتضحيات؟ وإلى متى تبقى التضحيات الجسام مصيرها الهدر والتبديد؟ وكيف يمكن أن تثمر تلك التضحيات في ظل حالة الإرباك والتشتت التي لا ينتج عنها سوى الإحباط واليأس الذي يتسلل إلى نفوس الناس.
ومع ذلك، ورغم وضوح تقديم التنازلات في الوثيقة، إلا أن الأمر الأخطر يبقى التسليم للدولة اليهودية التي قامت على أساس طرد الفلسطينيين من أرضهم وحلول اليهود مكانهم، هذا في الوقت الذي تتخبط فيه تلك الدولة في مشاكلها الأمنية والسياسية والاقتصادية والديمغرافية، وهذه المشكلة الأخيرة –الديمغرافية- أصبحت كابوساً يقض مضاجع الإسرائيليين بسياسييهم ومحلليهم وخبرائهم، إذ تشير كل التقديرات أنه في غضون سنوات قليلة سيصبح اليهود أقلية مقارنة بالفلسطينيين في فلسطين التاريخية. وأخيراً نقول إذا قال أحدهم بأن ليس الإسرائيليين فقط في مأزق وفي ورطة، بل نحن أيضاً في ورطة ربما تكون أشد من ورطتهم، نقول إن المقاومة الفلسطينية هي سبب ورطة الإسرائيليين ومأزقهم، أما سبب ورطتنا نحن الفلسطينيين، فهو "نحن" أيضاً، والموقعون على وثيقة سويسرا أكبر دليل...! |