|
ليس من قبيل المبالغة الذهاب إلى أن بمقدور المراقب السياسى ، للتفاعلات على المسرح السياسى الفلسطينى ، رصد حقيقة وحالة اللامبالاة الكاملة فى الشارع الفلسطينى إزاء ما يجرى خلف أسوار " المقاطعة " ، برام الله ، حيث مقر " الرئاسة " الفلسطينية ، من صراعات سياسية والبحث عن مناصب حكومية ، وقبول وإعتذار من هذا أو ذاك . والحقيقة أن الشعب الفلسطينى والذى يتعرض عجائزه وأطفاله ونسائه ، وكل قواه الحية والمقاومة لتواصل العدوان الصهيونى وإرهاب الدولة المنظم ، خاصة ما يدور فى رفح وغيرها من المدن الفلسطينية ، لا يمل من تكرار النداء بالوقوف صفاً واحداً فى خندق المقاومة ، ومواجهة آلة الحرب الصهيونية الرامية إلى إبادة هذا الشعب واستئصال وجوده ، وحرمانه من حقوقه الوطنية المشروعة ، بل وحرمانه من حقه المشروع فى مقاومة واقع الاحتلال المباشر لأراضيه ، ومواصلة انتفاضته من أجل الحرية والاستقلال وحق العودة .
على النقيض من ذلك ، تتتابع المشاهد العبثية لأزمة خروج الحكومة الفلسطينية الجديدة ، برئاسة أحمد قريع . وفى هذا السياق ، وبعد تخبط وارتباك ، وبصورة مفاجئة ، وإن كانت ذات دلالات ، أصدر الرئيس الفلسطينى ، ياسر عرفات ، " مرسوماً رئاسياً " مساء الأحد ، 5 أكتوبر 2003 ، ووفقاًً للباب السابع والمادة [ 110 ] من القانون الأساسى المعدل [ الدستور ] ، والذى دخل حيز التنفيذ فى 18 مارس 2003 ، وفى ضوء " صلاحياته الدستورية " بإعلان " حالة الطوارئ " فى " أراضى السلطة الفلسطينية كافة " ، وتشكيل حكومة تحمل ذات الصفة ، أى حكومة طوارئ ، ذات طيف سياسى " فتحاوى " واحد ، من ثمانية أعضاء برئاسة ، قريع ، يمتد عملها لمدة لا تتجاوز 30 يوماً ، ويمكن تمديدها شهراً آخر فقط ، شريطة موافقة المجلس التشريعى الفلسطينى الذى يناط به تقييم ومتابعة أداء هذه الحكومة فى الفترة السابقة ، وبالتالى ، يقر ويرفض تمديد عملها . على الرغم من أن هذه الحكومة ، وبتلك الصفة ، ليست ملزمة بالحصول على ثقة المجلس فى فترتها القصيرة . بل أن النظام الأساسى لا يتضمن أى أشارة إلى إمكان تشكيل حكومة طوارئ .
ومن قبيل الكوميديا السياسية السوداء ، وفى الوقت الذى يتساقط فيه الشهداء والجرحى والبيوت جراء العدوان الصهيونى الواسع على قطاع غزة ، وتقسيمه إلى أربع أقسام ، عوضاً عن اجتياح شامل له ، لاعتبارات عدة ، تحرص هذه الحكومة على إلتقاط الصور التذكارية مع الرئيس ، بعد تأديتها اليمين الدستورية ، ظهر الثلاثاء التالى ، غاب عن ذلك د. جواد الطيبى ، وزير الصحة ، بسبب الحصار ، وعاد ليؤدى اليمين فى الحادى عشر من الشهر نفسه ، بينما ثار الجدل بخصوص اللواء نصر يوسف ، وإمتناعه ، على الرغم من وجوده بالمقاطعة !!
وعوضاً عن إعلان " السلطة " الفلسطينية حالة التعبئة العامة والاستنفار لمواجهة العدوان الصهيونى المتواصل ، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ، وقيادة موحدة ، وهو المطلب الأكثر إلحاحاً من القوى والفصائل ومنظمات المجتمع المدنى الفلسطينى ، جاءت " تخريجة " حالة وحكومة الطوارئ . ويبقى التساؤل المركزى ، ما هى دلالات ذلك وأهدافه ؟ وباتجاه مَْن أعلنت حالة الطوارئ ؟ وماذا يمكن لحكومة تحمل الصفة ذاتها أن تفعل ؟
بالاستناد إلى الفقرة (1) من المادة (110) من النظام الأساسى والتى تنص على أنه " عند وجود تهديد للأمن القومى بسبب حرب أو غزو أو عصيان مسلح ، أو حدوث كارثة طبيعية ، يجوز إعلان حالة الطوارئ بمرسوم من رئيس السلطة الوطنية ، فإن السلطة بررت ذلك ، بدعوى تعاظم التهديدات " الإسرائيلية " بطرد عرفات ، وضغوطاً مارستها الإدارة الأمريكية لمنع تدهور الوضع ، أثر عملية حيفا الاستشهادية ، وخاصة على الرئيس عرفات لضرورة تشكيل حكومة طوارئ ، تكون مهمتها الأساسية ضبط الأمن ومنع المزيد من التدهور . وفى غياب أى تدابير أو إجراءات من جانب القيادة الفلسطينية لمواجهة الحرب الإسرائيلية الشاملة وغزوها المسلح للأراضى الفلسطينية ، فإن هذه الحكومة لم تعلن لمواجهة هذا العدوان الصهيونى المتواصل ، بل لمواجهة فصائل المقاومة تحت ذريعة " العصيان المسلح " للاحتلال والسلطة على حد سواء . أى حكومة طوارئ لوأد ووقف الانتفاضة ، وليست لتصعيد المقاومة ضد واقع الاحتلال وعدوانه المستمر على الشعب الفلسطينى .
وفى هذا السياق ، تتبدى دلالة إمتناع اللواء نصر يوسف [ وأسمه الحقيقى مصطفى سالم البشتاوى ] عن أداء اليمين ، سواء لعدم رضاه عن أسماء النواب الثلاثة ، المساعدين له فى وزارة الداخلية ، والذين اختارهم عرفات وقريع لتولى هذه المناصب ، وهم اللواء عبد الرازق المجايدة قائد قوات الأمن الوطنى فى قطاع غزة ، واللواء أمين الهندى مدير المخابرات العامة ، وغازى الجبالى قائد الشرطة فى قطاع غزة ، أو لجهة اشتراطه تمرير الحكومة من المجلس التشريعى لإضفاء الشرعية الدستورية والغطاء المطلوب من جانب حركة " فتح " – حزب السلطة – على الأقل لتنفيذ برنامج الحكومة ، الذى يشمل فى صلبه سبل التوصل إلى " وقف للنار " ، أو ما تسميه فصائل المقاومة ، وقف الانتفاضة ، مما يعنى اتخاذ إجراءات وصفت " بالقاسية " بحق هذه الفصائل . أى منح الشرعية لأى إجراءات أمنية قد ينفذها ، طبقاً لالتزامات " خارطة الطريق " . وعلى الرغم من توظيف السلطة للواء نصر يوسف – بعد غياب دحلان – " لتخويف " فصائل المقاومة ، خاصة " حماس " ، على مرجعية ما سبق له القيام من قيادة سلسلة من الإجراءات ضد حركة " حماس " و " الجهاد الإسلامى " ، فى العام 1996 ، فى أعقاب موجة من العمليات الاستشهادية داخل العمق الصهيونى ،، فقد برزت معارضة عرفات ليوسف ، وفق شروط الأخير ، مع العلم بأن كلمة الفصل فى المجال الأمنى تعود لعرفات بصفته رئيس مجلس الأمن القومى ، والقائد الأعلى لقوات الأمن ، وهو أيضاً القائد العام . وتزايد رفض عرفات طلب قريع التراجع عن اعتراض تعيين يوسف والذى أصر بدوره على تحديد صلاحياته بشكل دقيق ، وأن توضع كل الأجهزة الأمنية تحت مسئوليته ، متحدياً رغبة عرفات تسمية قادة أهم الأجهزة الأمنية ، كمساعدين ، مع إبقائهم فى الوقت نفسه تحت السلطة المباشرة لعرفات ، وليس تحت سلطة وزير الداخلية . وتم استبعاد د. نصر يوسف ، نهائياً ، بعدما أعتبر عرفات أن امتناعه ورفضه أداء اليمين الدستورية بمثابة " مخالفة عسكرية " لا يمكن التغاضى عنها . وبطبيعة الحال ، تصاعد " الخلاف " بين عرفات وقريع ، إلى حد طلب الأخير الإعفاء من المسئولية ، ثم عدوله عن ذلك ، والتوافق أما على أن يتولى منصب وزير الداخلية بنفسه ، أو يترك المنصب شاغراً لحين ترشيح من يشغله لاحقاً .
وبعيداً ، ودون الاستغراق أو الانجرار إلى هذه الشكليات ، فإن دلالة إعلان حكومة وحال طوارئ خطوة مبررة لمعالجة أزمة السلطة والضغوط الممارسة عليها ، بعيداً عن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطينى ، حيث يمكن الاستناد إليها فى اتخاذ إجراءات قمعية بحق فصائل المقاومة استجابة لإملاءات العدو الصهيونى والإدارة الأمريكية . فإعلان حال الطوارئ يتيح ، عملياً ، للرئيس عرفات توسيع سلطاته وإثبات حضوره وأنه العنوان الرئيسى ، والقادر على تشكيل حكومة تحمل بصماته وتوقيعه . الأهم من ذلك أن حال الطوارئ تتيح للسلطة الفلسطينية واجهزة أمنها أن تمارس فى حق المواطنين ، ولو من ناحية نظرية على الأقل ، ما لا تستطيع ممارسته فى " الأحوال العادية " غير الطارئة . وبموجب القانون الأساسى ، يمكن لحكومة الطوارئ أن تحد من حقوق وحريات المواطنين ، بما فى ذلك الاعتقال أو التوقيف ، رغم أن القانون الفلسطينى ينص على عرض الموقوفين أمام القضاء خلال 15 يوماً من اعتقالهم . وعلى الرغم من أن المادة (111) من النظام الأساسى تشدد على أنه " لا يجوز فرض قيود على الحقوق الحقوق والحريات الأساسية إلا بالقدر الضرورى لتحقيق الهدف المعلن فى المرسوم ، إلا أن تعبير " القدر الضرورى " عبارة فضفاضة ومطاطة ، حيث بإمكان السلطة أن تبرر فرض أى قيود ، مهما كانت قاسية ، بأنها تندرج فى إطار القدر الضرورى لدرء الخطر أو الحفاظ على المصلحة الوطنية العليا التى يندرج تحتها كل الممارسات القمعية وانتهاك الحريات والحقوق العامة والخاصة منذ قيام السلطة وحتى الآن ، بما فيها الخلاف الجوهرى على وسائل مواجهة الاحتلال ومقاومته ، بكافة الصور والإشكال ، بما فى ذلك العمليات المسلحة . وحيث أن القيادة الفلسطينية ، وفى ضوء مأزقها الراهن ، وخياراتها الفاشلة ، تسابق الزمن فى محاولة لمنع تدهور أمنى أضافى فى الأراضى الفلسطينية ، خاصة مع تصاعد العدوان الصهيونى ، وإعلان المقاومة العزم على أن يدفع العدو الثمن باهظاً . وبالتالى ، ترضخ السلطة للإملاءات والضغوط لتشكيل حكومة أمنية تتعاطى مع الهدف المركزى لوأد الانتفاضة ، وإنهاء نشاط تنظيمات المقاومة فى الداخل ، بل أن الإدارة الأمريكية تكرمت بطلب أن يمتد ذلك إلى تلك الموجودة فى سوريا !! ، إضافة إلى إملاءات سابقة ، من عينة ملاحقة ومطاردة المقاومين ، وتفكيك البنية التحتية لما تسميه الدولة العبرية " بالإرهاب " . وعملياً ، ستحرص حكومة أبو علاء – لإثبات الجدارة ونيل القبول الصهيونى والشرعية من المجتمع الدولى – على اتخاذ الإجراءات المطلوبة ، تحت ذريعة وقف الفوضى فى الوضع الأمنى ، بخطوات عملية وفورية لوقف إنتاج صواريخ " القسام " – المحلية الصنع – من خلال إغلاق الورش والمخارط ، كذلك إغلاق مزيد من الانفاق التى يتم خلالها تهريب الأسلحة والبضائع ، واستكمال ما ينفذه حالياً العدوان الصهيونى على رفح . ومن ثم تحرص حكومة أبو علاء على توصيل رسالة واضحة ، مهما كانت العبارات منمقة وربما خادعة ، إلى فصائل المقاومة بضرورة وقف العمليات العسكرية داخل العمق الصهيونى ، وإلا فإنها ستتخذ إجراءات ضد أفرادها بما فى ذلك الاعتقالات والتوقيف .
وتحت مبررات وهمية ، وتعمد خلط الأوراق ، تتحدث الحكومة الجديدة عن " فوضى حمل السلاح " والتنقل به ، وفوضى تخزين المتفجرات بين المدنيين ، وفوضى التظاهرات المسلحة وإطلاق الرصاص ، مدخلاً لمصادرة " الأسلحة غير المرخصة " ، متناسية أن ما يتوفر من قدر محدود من السلاح هو الذى يدافع به المقاومون وحدهم عن وطنهم وأنفسهم فى مواجهة آلة الحرب الصهيونية ، المنفلتة من عقالها . وتتمادى الحكومة لاعتبار " الفوضى " كجزء لا يتجزأ مما تسميه تعزيز " سيادة القانون " وفرص النظام العام ، والإصغاء إلى المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطينى ، وسواء عمدت هذه الحكومة إلى إجراءات " قاسية " وعدم " تهاون " قريع فى فرض القانون وتطبيق النظام ، حتى وإن لم يتضمن بصورة كلية جمع سلاح المقاومة ، فى اللحظة الراهنة ، ولكن بدعوى ضبط الأمور لمواجهة العدوان الصهيونى المتصاعد والمتواصل والذى يسعى لتوسيع دائرة العدوان إلى المحيط الإقليمى ، خاصة بعد قصف أحد المواقع داخل الأراضى السورية ، أو لجأت إلى الإقناع والحجة وبالنظرة المشتركة ، من خلال حوار تكتيكى وليس استراتيجى ، مع التنظيمات الفلسطينية وتكثيف الاتصالات مع جميع الفصائل وهذه التنظيمات كافة ، خاصة حركتى " حماس " و " الجهاد الإسلامى " بهدف أن " ينضبط " الجميع تحت طربوش السلطة وخياراتها ، وليس فى الإطار الوطنى وعدم تلبية الحاجة الفلسطينية الأكثر إلحاحاً ولمواجهة التحديات العاجلة والتى تتطلب تشكيل قيادة وطنية موحدة .
وفى ضوء إبداء قريع استعداده الوفاء الكامل بالالتزامات والاستحقاقات المطلوبة ، فإن رهانه الرئيسى هو التوصل إلى وقف متبادل ودائم ةوشامل للنار ، من خلال هدنة " جديدة " وبضمان اللجنة الرباعية ورقابتها والعمل معها من أجل وضع جدول زمنى ملزم للجانبين الإسرائيلى والفلسطينى ، لتنفيذ الالتزامات المتبادلة المترتبة عليها فى المرحلة الأولى من خارطة الطريق ، أى بما يؤدى إلى إلتزام الحكومة الإسرائيلية وقف عدوانها ، وفك الحصار على الشعب الفلسطينى وحماية الرئيس عرفات ورفع الحصار عنه والتعامل معه بصورة لائقة ، كرئيس منتخب وكرمز للنضال ، ووقف الاستيطان وإجراءات عزل وتهويد القدس ، وإزالة جدار الفصل العنصرى ، وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين ، وسحبت قوات الاحتلال من جميع المناطق الفلسطينية التى تمت إحتلالها منذ 28 سبتمبر 2000 ، وفتح جميع المؤسسات التى تم إغلاقها فى القدس الشرقية المحتلة وفك الحصار عنها . ويستهدف قريع من هذه " المبادرة " منحه ورقة تفاوضية مع الكيان الصهيونى ، لإبرام اتفاق متبادل لهدنة تفتح الطريق أمام تطبيق خطة خارطة الطريق ، والتفاوض من أجل تسوية سياسية مع هذا الكيان ، الذى بادر بالتشكيك ورفض هذه المبادرة واعتبارها مناورة " لإضفاء " الشرعية على حكومة قريع ، مكرراً أسطوانته المشروخة من أن المطلوب اتخاذ قرار استراتيجى بمكافحة " الإرهاب " وتدمير البنية التحتية للمنظمات الفلسطينية . بل إبراز أن الحكومة اليمينية الصهيونية عاقدة العزم على استخدام مزيد من القوة العسكرية لتكريس سلطة الاحتلال ومزيد من العودة المباشرة إلى سلطة الاحتلال فى الأراضى الفلسطينية ، تماماً كما كان الوضع قبل تأسيس سلطة الحكم الذاتى ، عقب اتفاقات أوسلو وتوابعها ، عام 1993 .
الحقيقة التى لا مراء فيها أن إعلان حالة وحكومة الطوارئ يكرس ذهنية السلطة وتيار أوسلو والذى يكمل بعضه الآخر ، ويتواصل فى التفريط بكل الثوابت الوطنية ، ودون أدنى تغير فى المنهج ، وعدم تبديل الوجوة ، وثبات السياسة وارتضاء الوظيفة والدور والمهام الأمنية . بل أن تشكيل حكومة طوارئ قد يرفع من سقف التوقعات المطلوبة منها لدى الأطراف الدولية والإقليمية المعنية ، فى حين أن لا الواقع ومعطياته يتيح إمكانية فعلية لحلول أمنية ، رغم حرص قريع على عدم الدخول فى حرب أهلية ، ولا حتى الفترة الزمنية المعطاة للحكومة توفر لها إمكانية فعل الكثير الذى يرضى هذه الأطراف . والأكثر أهمية ، تعمد تيار الاشتباك السياسى مع العدو التعامى عن رؤية جوهر الصراع ، والإصرار على التعاطى مع المسألة الوطنية كمشكلة أمنية داخلية ، رضوخاً للإملاءات الأمريكية والصهيونية الهادفة لإنقاذ الاحتلال من ورطته الحالية ، وإسقاط الجوهر السياسى للقضية الفلسطينية كقضية شعب محتل له كامل الحق فى مقاومة الاحتلال ، أى ثنائية " الشعب – الاحتلال " إلى ثنائية مفتعلة ، وأن كانت وظيفية ، وهى " السلطة – المقاومة " . فالأزمة ليست فلسطينية – فلسطينية ، ولكنها أزمة صراع بين احتلال يسلب الأرض والكرامة والحرية ، وشعب مجاهد يقاوم من أجل حريته وكرامته وتحرير أرضه . وتكمن الخطورة أن مثل هذه الحكومات ، بصرف النظر عن إذا كان " الخل أسوأ من الخردل " !! ، فإن ذلك ينطوى على مخاطر جمة ، عبر تغليب الخيار الأمنى ، بنقل التناقض إلى الساحة الوطنية ، وبالتوظيف الأمنى للسلطة ، وإصرارها على التواصل فى ولوج مسارب الحل الأمنى والذى سيقود إلى وضع قد لا يمكن السيطرة عليه ، وإلى نتائج لا تحمد عقباها . بل إدمان المزيد من الوهم الخالص والركض وراء سياسات ووعود مخادعة ، وتقديم التنازلات والأثمان المجانية ، بتكريس نهج وسياسات التفرد واستباحة القرار الفلسطينى عبر هيمنة من جانب قيادة متنفذه على مقدرات القرار الوطنى ، وهو المضمون الحقيقى لمقولة " وحدانية السلطة " ، أى التفرد بالتفريط والرضوخ للإملاءات الخارجية ، والمجازفة بتوتير الأوضاع الداخلية الفلسطينية ، بدلاً من سياسة وطنية وحدوية تستهدف تصليب الجبهة الداخلية ، وتعزيز وحدتها على الثوابت والحقوق الوطنية للشعب الفلسطينى ، بقيادة وطنية موحدة قادرة على الاستجابة لضرورات المرحلة الراهنة وتحدياتها ، وكفالة الأمن والحياة للشعب الفلسطينى .
فى ضوء ما تقدم ، حرصت فصائل وقوى المقاومة على انتقاد قرار وحكومة الطوارئ وحذرت من عواقبه ، واعتبرته استجابة للإملاءات الصهيونية – الأمريكية ، بهدف القضاء على المقاومة وإعلان " الحرب " على هذه المقاومة المشروعة للشعب الفلسطينى فى ظل استمرار الاحتلال وسياسة التدمير المنظم للحياة الفلسطينية ، وكافة أشكال الإذلال اليومى للشعب الفلسطينى . وفى ضوء صيغة " التقاسم الوظيفى " ستكون هذه الحكومة قد أخذت على عاتقها حماية الكيان الصهيونى ، والتحذير من مغبة تكرار سيناريو ما حدث عام 1996 ، حيث لن تسمح " حماس " وسائر الفصائل بتكراره ويبقى التساؤل المركزى ، وبصورة أكثر وضوحاً ودون مواربة ، هل السلطة الفلسطينية ضرورة وطنية ، أم أداة لخدمة الاحتلال ؟ يفاقم من حدة ذلك ، الدور الذى تقوم به فى إعفاء الاحتلال من مسئوليته ودفع الثمن دولياً ، وكلفة احتلاله ، خاصة تجاه ضرورة تجاوز وهم الحديث عن " السلطة " وفى عدم وجود سلطة حقيقية حيث أن الاحتلال هو صاحب السلطة الفعلية واستحالة قيام " سلطة وطنية وديمقراطية وإصلاحية تحت الاحتلال المباشر ، وتنامى حاجة الشعب إلى قيادة وطنية موحدة تدافع عنه وتؤمن الجبهة الداخلية وتحمى الانتفاضة والمقاومة والمساعدة على إخراج الشعب الفلسطينى من مأزقه الراهن .
والقول الخاتم ، أن السلطة الفلسطينية ، بكل تفريعاتها ، إذا لم تستخلص العبر والدروس من حصاد أكثر من عقد ، ومعالجة الأخطاء ، وعدم تكرار سياسة ثبت صعوبة استيعابها ، بل ومنيت بفشل ذريع وحصاد هزيل ، فإن هذه السلطة تفقد مرجعيتها الحقيقية ، أى المرجعية الشعبية والوطنية ، ومن ثم صعوبة استمرارها . فهل تملك ، حفاظاً على ما تبقى من رصيد وطنى ، وهو شحيح ، أن تبادر بشجاعة ، إلى حل نفسها وتترك شعبها يقارع الاحتلال ويدافع عن نفسه ؟ أم أنها سوف تحاول التشبث بالمقاعد والمغانم ، حتى وأن تجاوزها تيار المقاومة الوطنية الجارف لشعب لا تنكسر إرادته ويجرفها معه إلى دائرة النسيان ، بل ربما إلى قاعة المحاكمة الشعبية عما اقترفته من خطايا وتجاوزات .. فهل تدرك ذلك ، وتتحول إلى سلطة مقاومة ، وقبل فوات الآوان !! |