|
قبل أن تتحول الجمهوريات.. إلى جزء من التركات
مشاكل الأمة العربية تتسم بقدر كبير من التعقيد والتشابك، فتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية جعل الطريق أمام المواطن العربي ملبد بالغيوم غير واضح المعالم، وتربعت اللامبالاة على عرش موقف الشارع العربي بعد عدم وضوح الرؤية الكاملة لمستقبل لا يستطيع أحد التـنبوء بفعالياته، فالمؤشرات لا تعطي أي بصيص من الأمل لذوبان جليد المشاعر الراكدة في الشعب العربي، كما أن أنظمة الحكم وجدت أن شعوبها أصبحت في ذمة الله، وإذا حاولت يومـًا أن ترفع صوتها فلن تسمعه إلا في حالة شخير عميق نتيجة نوم استراتيجي قد لا تستيقظ منه إلى أن يشاء الله، فرأت أنه من الطبيعي الزج بأبنائها إلى دائرة العمل السياسي فربما يتسلمون سدة الحكم من آبائهم.
وإذا كنا نـُسلم بأن من حق ابن رئيس الجمهورية أن يدخل المعترك السياسي فلا بد أن يكون ذلك في إطار موازين العدل وتوازن القوى بينه وبين أفراد الشعب، فالقول أن نجل رئيس الجمهورية هو "مواطن عادي" هي كلمة حق يراد بها باطل، فنجل الرئيس الذي يسترضيه الوزراء، وتفتح له كافة أبواب الدولة الموصودة، ويصل لأعلى المناصب السياسية والحزبية في فترة وجيزة لا يمكن مقارنته بـ"المواطن العادي" الذي يتوجس من الدخول إلى قسم الشرطة خشية من أن تهدر كرامته أو تسلب حريته أو تهان عزته، لذا فإن إصلاح هذا الخلل في التوازن بين قوى السلطة وقوى الشعب هو إقامة حياة سياسية سليمة على رأسها ديموقراطية فاعلة على الأرض، وحرية يشعر بها كل مواطن، وليست شعارات ترفع في المؤتمرات، لا بد من إرساء أسس جديدة وصياغة مفاهيم سياسية تـنال ثقة المواطن ليكون شريكـًا فاعلا وعاملا مؤثرًا في انـتخابات نزيهة فتعود له ثقته بنفسه وبوطنه ونظام حكمه ليتعامل مع هذه المحاور بدرجة عالية من الشجاعة والجرأة والمصداقية.
إن الفكر الجديد الآن هو طرح حلول جذرية لكل مشاكلنا المستعصية التي أودت بنا في قاع المجتمعات الديموقراطية، وتشخيص الوضع الراهن لنجد علاجـًا ناجحـًا وليس مجرد مسكنات، وأصبح التحول الديموقراطي الحقيقي حاجة ملحة دون تردد أو انـتظار، فالمبررات الواهية مثل التدرج في الديموقراطية أو الحرية، أو أن للعرب ديموقراطيتهم الخاصة أصبحت من الأفكار البائدة والتي مر عليها أكثر من نصف قرن ويتم ترديدها دون تعديل أو تغيير.
إن الفكر الجديد يتطلب مبادئ وأفكار جديدة حول بلورة دستور جديد يقوم على أسس سليمة منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- أن تكون رئاسة الجمهورية بالانتخابات وليس بالاستفتاءات، وألا ينتخب رئيس الجمهورية أكثر من دورتين متتاليتين وكل دورة خمس سنوات كما في الدول الديموقراطية.
2- الإعلان عن الإنهاء الكامل لحالة الطوارئ والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين بمختلف انتماءاتهم السياسية أو الدينية.
3- إطلاق حرية تأسيس الأحزاب السياسية، وإصدار الصحف دون قيود من الحزب الحاكم.
4- تكون الأحزاب السياسية متكافئة في كافة الفرص مثل الإعلام والتسهيلات الأخرى ولا يستحوذ الحزب الحاكم دون غيره على معظم الأجهزة الحكومية وكافة تسهيلات الدولة.
5- أن تكون الانتخابات نزيهة وتحت إشراف قضائي كامل ولا تمنع المنظمات الدولية لمراقبتها، كما لا يغبن حق أي طائفة من الشعب في خوضها مهما كان انتمائها السياسي.
إن مثل هذه النقاط الخمس تمثل الحد الأدنى لبداية الحياة الديموقراطية السليمة التي تفرز مناخـًا يتساوى فيه حقوق كل المواطنين سواء كانوا من طبقة الشعب أو من الطبقة الحاكمة.. أما غير ذلك فإن الإصلاحات ستبقى مجرد شعارات ترفع في المؤتمرات ليتم توريث الجمهوريات.. وكأنها جزء من التركات. |