|
في خطوة استفزازية إضافية جديدة قررت الحكومة الإسرائيلية ، بزعامة المتطرف والمتشدد ارئيل شارون ، طرد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بصورة مبدئية ، وذلك في اجتماعها الطارئ الذي عقدته يوم الخميس 11/9/2002 بعد قطع شارون زيارته وعودته إلى تل أبيب عقب عمليتين استشهاديتين نفذتا قرب تل أبيب ووسط مدينة القدس يوم الثلاثاء الموافق 9/9/2003 ، وأوقعتا العشرات من القتلى والجرحى في صفوف الجيش والمواطنين الإسرائيليين . هذا القرار لاقى ردود فعل غاضبة في الساحة الفلسطينية وكذلك في مختلف عواصم العالم. والتساؤلات التي تطرح نفسها: لماذا اتخذ هذا القرار في هذا الوقت بالتحديد ؟ وهل سينفذ؟ ومتى وكيف ينفذ؟ وماهي الأهداف الحقيقية السرية وغير المعلنة التي تقف وراء اتخاذ هذا القرار ؟
لقد جاء توقيت القرار بعد استقالة رئيس وزراء السلطة الفلسطينية محمود عباس، وبعد أن كلف عرفات صديقه رئيس المجلس التشريعي أحمد قريع ( أبو علاء ) بتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة , وجاء في جو من الخلافات والصراعات الداخلية حول من يكون وزيرا، ومن يكون رئيس المجلس التشريعي ، وماهي صلاحيات رئيس الوزراء الثاني في عهد السلطة ، وجاء أيضا متزامنا مع حلول الذكرى الثانية لأحداث 11 سبتمبر 2001 ، أي أن التوقيت كان مناسبا جدا لإسرائيل حي توجه اتهامات لعرفات بضلوعه بـ " الإرهاب " وفي إفشال مهمات الإصلاح داخل السلطة الفلسطينية ، وأن عرفات يتحمل مسؤولية كل العمليات الأستشهادية التي تنفذ داخل إسرائيل ولو تحملت مسئوليتها حركة حماس أو حركة الجهاد الإسلامي.. وجاء أيضا في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات معلنة فشل شارون في وضع حد لهذه العمليات وفي توفير الأمن لإسرائيل والمواطن الإسرائيلي ..ويجب ألا ننسى أن توقيت القرار جاء متوازيا ومتزامنا مع قرارات إسرائيل بتصفية جميع قادة المقاومة الفلسطينية من خلال محاولات اغتيال عدة نجحت بعضها وفشلت أخرى وبخاصة في قطاع غزة ، وكانت أخرها محاولة اغتيال أحد قياديي حركة حماس الدكتور محمود الزهار ( أبو خالد ) الذي قصفت الطائرات الإسرائيلية منزله بطائرة " اف 16 " ودمرته كاملا ، ونجا الزهار بأعجوبة من هذه المحاولة . ولكن هل ينفذ هذا القرار بعد ردود الفعل الغاضبة في مختلف الساحات وعلى كافة الأصعدة؟ لقد أعلنت اسرائيل أن حكومتها قررت طرد عرفات من حيث المبدأ!! أي أن قرار الطرد أقر وتمت الموافقة عليه ، ولكن لن ينفذ الآن وإنما في الوقت المناسب.. وشبه القرار الإسرائيلي بقرار الكونغرس الأميركي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس الذي اتخذ قبل سنوات عدة ، ولكن ترك الأمر للرئيس الأميركي بتنفيذه في الوقت المناسب .. وكذلك قرار طرد عرفات ترك لرئيس وزراء إسرائيل الحالي أو القادم لتنفيذه في الوقت المناسب. ومن المتوقع أن يكون الوقت المناسب للطرد في إحدى الحالات الآتية:
1- إذا ما قامت أية مجموعة فلسطينية بتنفيذ عملية انتحارية موجعة وواسعة داخل إسرائيل . 2- إذا أعطت الإدارة الأميركية الضوء الأخضر لإسرائيل تنفيذ ذلك ، وبخاصة عندما تشتد المعارك الانتخابية وتحتاج هذه الإدارة إلى دعم اللوبي الصهيوني في معركتها الانتخابية وتحتاج هذه الإدارة إلى دعم اللوبي الصهيوني في معركتها الانتخابية .. 3- إذا تم إعداد القيادة الفلسطينية " البديلة " وهي على "استعداد تام" لتولي السلطة في حال طرد عرفات. 4- إذا لم يتنازل عرفات عن صلاحياته الأمنية ، ويمنحها لرئيس وزرائه كي يتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لنشاطات المقاومة الفلسطينية ، وضرب البنى التحتية ومنعها من القيام بأية عملية مقاومة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية . ( وهنا تشدد إسرائيل على مطلب توحيد الأجهزة الأمنية ، وأن تكون بإمرة رئيس الوزراء أو وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية ) 5- إذا ثبت لإسرائيل وبشكل قاطع أن عرفات هو الذي يعطي الضوء الأخضر للقيام بعمليات انتحارية استشهادية ضد إسرائيل ، إذ أن ما تقوله إسرائيل هو مجرد اتهامات وادعاءات ، ولكنها ترغب في إيجاد أدلة على ذلك من خلال"عميل" مندس يعترف زورا بأنه تلقى الأوامر والضوء الأخضر من مكتب الرئاسة الفلسطينية .
وإذا ما توفر المبرر للإبعاد كيف ينفذ قرار الطرد ، وبخاصة أن عرفات قال وبالحرف الواحد أنه لن يغادر رام الله وسيقاوم أي إجراء لابعاده ، وسيفضل الشهادة على الأبعاد !! كان قرار الحكومة الإسرائيلية واضحا من خلال الطلب للجيش الإسرائيلي بإعداد الخطة اللازمة لذلك .. وهناك عدة سيناريوهات * إطلاق غازات منومة على منطقة المقاطعة بعد فرض منع التجول على مدينة رام الله .. وذلك في ليلة أحد الأيام.. اقتحام المقاطعة من خلال استخدام رشاشات كاتمة للصوت.. ودخول غرفة عرفات واعتقاله ونقله بطائرة إلى الخارج. والأماكن المرشحة للإبعاد إليها هي : الجزائر ، السودان ، تونس ، اليمن .. وتفضل إسرائيل إبعاده إلى تونس كي يكون هناك تعاون مع تونس والإدارة الأميركية في مراقبة تحركات عرفات إلى درجة وضعه تحت الإقامة الجبرية بحجة الحفاظ على أمته .
* اغتيال عرفات عبر أحد " العملاء " الإسرائيليين إذ أن الحكومة لم تعن بطرد عرفات من رام الله طرده حيا ، بل العمل على التخلص منه حتى ولو أدى ذلك إلى مقتله!
* شن هجوم شامل على المقاطعة وقصفها بطائرات " أف16 " ونسف المبنى بحجة المقاومة ووجود مطلوبين ، وبالتالي الانتهاء من عرفات ! ولكن مصادر عديدة تقول أن إسرائيل أعدت نفسها لهذا القرار الخطير ، ولكنها لا تريد تنفيذه وإنما ستستغله في الوقت المناسب كي تلوح وتذكر به حينما تريد ممارسة ضغط على عرفات كي يقبل بشروطها . وهناك إجماع لهذه المصادر العديدة والمراقبين السياسيين بأن للقرار المتخذ أهدافه السياسية التي هي أخطر بكثير من قضية تنفيذه .. ومن أهمها: 1- ممارسة ضغط على حركة حماس أو الجهاد الإسلامي وكل الفصائل الفلسطينية المقاومة بعدم القيام بأية عملية استشهادية داخل إسرائيل لأن الثمن سيكون طرد عرفات فورا! 2- الإيقاع بين الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية في حال تنفيذ عملية استشهادية جديدة ، وإجبار السلطة على اتخاذ إجراءات أمنية ضد الفصائل المقاومة لحماية عرفات ، وبالتالي إدخال الساحة الفلسطينية في متاهة النزاعات الداخلية السياسية وربما " الدموية " لا سمح الله . 3- إرضاء اليمين الإسرائيلي الذي يطالب بإبعاد عرفات والقول له أن تنفيذ القرار يحتاج إلى ظرف مناسب. 4- محاولة إظهار للشعب الإسرائيلي أن شعبية عرفات قوية ، وقد جربنا كل شيء ، وعلينا بعد كل ردود الفعل هذه العودة إلى التفاوض مع عرفات .. أي تهيئة الأجواء للتفاوض مع عرفات! 5- ممارسة ضغط على عرفات ذاته والسلطة الفلسطينية بقبول المطالب الإسرائيلية الأمنية وبالتالي العودة إلى المفاوضات, وتوقيع اتفاق مرحلي جديد يسمح بإقامة دولة فلسطينية في غزة ، وتقاسم وظيفي في الضفة ، الإداري للسلطة الفلسطينية والأمن لإسرائيل ، مقابل تأجيل البحث في القضايا الحساسة لمدة عشر سنوات . 6- ممارسة ضغط على الدول المرشحة لاستقبال عرفات في حال إبعاده كي تقنع عرفات بقبول المطالب الإسرائيلية ، ووضع حد للعمليات المقاومة أو تجميدها الآن من خلال اتفاق هدنة جديدة مقابل عدم إبعاده حتى لا تتورط في استضافته . 7- تشجيع الدول الأوروبية على ممارسة ضغط على عرفات من أجل تنفيذ المطالب الإسرائيلية تفاديا لابعاده ، وجر المنطقة إلى حالة من الفوضى! 8- توجيه أنظار الشعب الفلسطيني وكل العالم إلى هذا القرار والتفاعل معه لتغطية إجراءات قمعية ستتخذ وتنفذ على أرض الواقع قريبا تحت حجة ذريعة محاربة الإرهاب .
إن إسرائيل مرتاحة لهذا القرار لأنه قرار سياسي يهدف إلى تحقيق أهداف خطيرة على أرض الواقع ، وإلى تهديد الفلسطينيين وممارسة ضغط عليهم.. وهو قرار قابل للتنفيذ فقط إذ لم تتحقق جميع أهدافه السياسية ، أو إذا توفرت الظروف الملائمة لذلك دوليا أو إقليميا .. وقد يكون هذا القرار قابلا للتفاوض لإدخال المنطقة في متاهة جديدة من التفاوض حول موضوع جديد بعيد كل البعد عن جوهر الصراع أو الحل الشامل المطلوب.
ومما يؤكد أنه قرار سياسي محض هو الإعلان عن اتخاذه وتعميمه على وسائل الإعلام إذ أنه لو أراد الإسرائيليون تطبيقه لما أعلنوا عنه وقاموا بتنفيذه بصمت كما فعلوا عندما حاولوا فاشلين اغتيال مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين ، وأحد قادة حماس الدكتور محمود الزهار .. ويجب أيضا التذكير بأن القرار جاء بحلول الذكرى العاشرة لتوقيع اتفاق المبادئ في البيت الأبيض ، وهذا يعني أن إسرائيل قررت إلغاء الاتفاقيات المبنية على اتفاق المبادئ ، وإنها معنية بفرض شروط أكثر مهينة لشعبنا الفلسطيني .. وإنها معنية في إبقاء الشعب الفلسطيني يعيش في دوامة من عدم الاستقرار ، أملا في الحصول على التنازل المطلوب .. الذي يلبي الرغبة والطموحات والأهداف الإسرائيلية . |