|
هل يصنع الإعلام السياسة.. أم تصنع السياسة الإعلام؟
رغم التقدم التكنولوجي، وتعدد القنوات الفضائية، وكثرة البرامج السياسية عبر الإذاعات وشاشات التلفزيون بمختلف القنوات والمسميات، وتـزاحم المعلقين والمعقبين والمحللين على كل واقعة، وعلى أي حدث، فإنها جميعـًا لم تستطع أن تترك نفس الأثر لدى عامة الناس، الذي كانت تتركه هذه الإذاعة البدائية بمقياس هذا العصر المسماة "صوت العرب"، الأكثر من ذلك وضوحـًا، إن هذه الإذاعة التي ألهبت المشاعر، وشكلت لنفسها باقة حلوة من الذكريات العزيزة لكل من عايشها، وشهد صولاتها وجولاتها فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي، في مواجهة الاستعمار بأشكاله المتعددة، ما زالت قائمة وتحمل نفس الاسم، ولا شك أن هذه الإذاعة لم تعد هي نفس الإذاعة، فقد فقدت بريقها، ووهجها، ومنزلتها من الإعجاب أو التقدير، وأصبحت شأن أي إذاعة أخرى، فالفروق الآن في الإعلام العربي نتيجة للسياسة السائدة لم تعد جوهرية، سواء بالنسبة للإذاعات أو حتى للقنوات التلفزيونية الأرضية أو الفضائية العربية كلها، ويبقى السؤال كيف حدث ذلك؟
هل يعود ذلك التغيير إلى نقص في الكفاءة، أو في الاعتمادات، أو قلة في التدريب؟
أم أن التغيير قد وقع لأن العصر نفسه قد اختلف، وبذلك كان لا بد للوسائل، أو الأساليب أن تختلف، حتى تتجاوب مع المستجدات أو المتغيرات، وأن لا نكون أسرى تجربة واحدة، حتى وإن كانت هي الأزهى في حلقات التاريخ، أو الأجمل في حنايا الضلوع.
إن وضعنا في الاعتبار أن امتداد الزمن، وتقدم العصر، يشكل ذلك تقدمـًا طرديـًا في الفنون، والآداب، فسوف تجد أن الأجيال الحالية كانت أكثر حظـًا، من حيث الثقافة وألوان المعرفة، بما فيها من تقدم فني أو تقني، وعلى ذلك كان يمكن أن يكون الإعلام أكثر جودة في العرض، أكثر انـتشارًا في مجال التغطية، أكثر إقناعـًا من حيث التأثير.
ولكن الملاحظ كان العكس تمامـًا، فقد انصرفت الجماهير العربية عن الإعلام العربي، رغم عمليات الإبهار الشديدة التي لازمت القنوات التلفزيونية المحلية والفضائية، من حيث الألوان الزاعقة والاستعراضات الراقصة، والمسابقات ذات العوائد المالية الطائلة، إلى آخر الإبداعات التي يمكن أن تفرزها المنافسة الحادة في جذب الجماهير، وإن نجحت هذه القناة أو تلك في كسب حلبة المنافسة باجتذاب بعض المشاهدين في برنامج أو أكثر، إلا أن الإحساس بالفراغ كان شعورًا مسيطرًا على الكثيرين من المتابعين حتى جاء ظهور قناة الجزيرة ثم بروزها أشبه بالزلزال الذي دمر الفجاجة التي حكمت السياسة الإعلامية حتى ذلك الوقت، بحيث يمكن القول أن الإعلام العربي منذ السبعينات وحتى الآن يمكن أن يقسم إلى مرحلتين، إعلام ما قبل الجزيرة، وإعلام ما بعد الجزيرة، وكان حتمـًا عليه أن يتطور، حتى يمكنه اللحاق بهذه القناة، فقد كان لبون شاسعـًا بينهما، فظهرت نتيجة لذلك قنوات متخصصة، وبرامج سياسية ناجحة، وحوارات موضوعية إلى حد كبير، وإن كانت كلها- للأمانة- تدور في إطار سياسات محافظة تتمتع بهامش من الحرية يتفاوت من نظام إلى آخر، ولكنه يصطدم بخط أحمر لا يسمح بتجاوزه، والدليل على ذلك ما حدث لبرنامج (رئيس التحرير) الذي كان يقدمه الإعلامي الكبير حمدي قنديل في التلفزيون المصري فقد تم إيقافه مع بداية غزو العراق، للجرأة وللحس القومي العالي النبرة الذي كان يتسم به، يضاف إلى ذلك منع إعادة بث الندوة التي قدمها الأستاذ هيكل في قناة "دريم" التلفزيونية، وهي قناة خاصة تبث من القاهرة، بالرغم من الإعلان عن إعادة بثها، في الوقت الذي تعد فيه القاهرة صاحبة الهامش الأكبر من حيث مساحة الحرية، وإذا انتقلنا إلى قناة الجزيرة، وهي صاحبة الفضل الأكبر إن لم يكن الأوحد، في تطوير البرامج الخبرية والتحليلية في الإعلام العربي، إلا أن المفارقة الضخمة لديها تكمن بين السياسة التي تـنتهجها القناة في الدفاع عن العروبة، والأمن القومي العربي، والسياسة التي تتبعها الدولة الأم في التعاون مع الأجنبي، وإقامة نوع من العلاقات مع العدو الإسرائيلي، هذه المفارقة تسلب قناة الجزيرة الكثير من المصداقية رغم الجهد الكبير الذي يقوم به جهازها الإعلامي وكذلك الحرفية العالية التي تعد بها برامجها، أما "صوت العرب"، فقد كان نسيجـًا وحده، اقتحم عالم القوى الكبرى، وتصدى لسياساتها، وهاجم وجودها، وحرض على مقاومتها، في الوقت الذي كانت تسيطر فيه على مقاليد الأمور في هذه المنطقة، وصاحبة الأمر والنهي فيها، كان هناك احتلال مباشر، وقواعد عسكرية ومعاهدات قائمة، وأحلاف تعد، وبقيام ثورة يوليو، كانت هناك إرادة أخرى قد ولدت في المنطقة، وكان لا بد لها من أدوات التعبير عنها، من رفض للاحتلال أو الهيمنة، وتأكيد لوحدة المصير، استـنادًَا لوحدة التاريخ واستردادًا للثروات العربية المنهوبة، وانتهاج سياسات متوازنة في العالم الخارجي، والحفاظ على الكرامة العربية.
وتم ميلاد محطة "صوت العرب" الإذاعية، وانطلق صوتها في الساعة السادسة من مساء السبت 4 يوليو عام 1953م ولمدة 28 دقيقة، ثم أخذت في التطور والتقدم، من خلال الدراسة عن الشعوب العربية قديمـًا وحديثـًا، لكي تيسر تحديد الخطاب الإعلامي، ليس من حيث الصياغات الحرفية وتـنوعها فقط حسب الأحداث، وإنما- كما يقول أحمد سعيد المذيع التاريخي لـ"صوت العرب"، (كان يطلق على جهاز الراديو في بعض المناطق العربية صندوق أحمد سعيد)- وهو الأهم من حيث الثوابت المناسبة في كل مرحلة نضالية، ويستطرد فيقول لقد وقعت المنطقة منذ القرن التاسع عشر أسيرة استعمار مختلف اللغات والجنسيات والثقافات وأساليب احتلال وفرض ذات، مما أدى إلى نشأة أجيال عربية متباينة في ثقافاتها ونظراتها للغير، وتعاملاتها مع الأحداث، وكلها قضايا كان لا بد من مراعاتها عند المتلقين الذين ورثوا أيضـًا كمـًا متراكمـًا من التفاعلات العرقية والاجتماعية والمعرفية فرضت في القرن العشرين اختلافـًا مؤثرًا في تلقيهم لآراء أنصارهم سواء في الكل الوطني أو القومي.
انطلق "صوت العرب"، وامتـزج في تعبيره التجانس بين صوته كجهاز إعلامي، وصوت الدولة الأم التي ترعى انطلاقه، فتحققت فيه المصداقية المطلوبة للتأثير والتعبئة، وكانت الثورة المغربية التي اندلعت فور عزل السلطان محمد الخامس، هي الميلاد الحقيقي لصوت العرب الذي تحول فيه من مجرد صوت إذاعي، إلى سوط حقيقي يلهب ظهر الاستعمار، ويقض مضجعه، ويحيل أيامه إلى ليل طويل عامر بكل أنواع الكوابيس.
وللتذكرة كانت أحد أسباب قيام فرنسا في الاشتراك في حرب السويس عام 1956م إذاعة "صوت العرب" وحملاتها الإعلامية ضد فرنسا في منطقة المغرب العربي، كما أنه اعتبر هدفـًا عسكريـًا وتم قصف منطقة إرساله، إن السياسة الجيدة هي التي تصنع الإعلام الناجح، الذي يترك الأثر، ويحرك الأمة، ويسرع بعمليات التغيير، التي تحقق الطموحات المرتقبة. |