|
أبى الحادي عشر من سبتمبر أن يمر دون أن يسم قلبي بلفح ناره فاختصني بفاجعة من العيار الثقيل، فقد انطلقت من قواعد الأحزان مجموعة من طائرات الأسى والتي استهدفت نياط قلبي فانفجر حزنا وكمدا حتى أهاب به رب العزة سبحانه "الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" ، حمل لي الحادي عشر من سبتمبر نبأ وفاة والدي، ذلك الشيخ الذي أشعرني في كل خطوة أخطوها في مشوار حياتي الطويل بأنفاسه الطاهرة تهمس في جوف الليل مبتهلا لربه أن عناية الله تكلؤها وكأن هذه الهمسات أم تغمر خطوات طفلها بالحب وتحضها على السير في درب الخير حضا، أشعرني والدي طوال سني عمري أن بهمساته الحانية وكأنها غطاء من البركة أتدثر به عند اشتداد البرد واستظل بظله عند اتقاد الشمس.
لم يحصل والدي على شهادة واحدة يزين بها جدران بيتنا القديم لأنه لم يكمل تعليمه في الأزهر ولم يكمل تعليمه بالمدرسة، ولكنه حمل كتاب الله منذ نعومة أظفاره ولم يدعه لحظة طوال حياته بل داوم كل يوم على قراءة قدر منه في جوف الليل حتى أنه كان حريصا يوم وفاته على إكمال حصته اليومية قبل أن يوافيه الأجل بدقائق، وتعلم في المدرسة بعض مبادئ الحساب وطور قدراته الحسابية فأصبح لديه قدرة فائقة على حساب الأحجام والمساحات والأوزان، وكان قبل عامين فقط يستطيع ضرب عدد من أربعة أرقام في مثله في زمن يضاهي الزمن الذي تستغرقه الآلة الحاسبة.
طور خلال مشواره الطويل قدراته الشخصية وقرأ في كل أنواع العلوم الدينية والدنيوية، فقرأ في الفقه على المذاهب الأربعة وتبحر في مسائل المواريث وقرأ في أصول الفقه والتفسير والحديث وفي اللغة العربية وقواعدها وآدابها وأمعن في العلوم حتى ما تعلق منها بالطب، وساعدته خدمته العسكرية في الجيش المصري في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات على إتقان معظم الأعمال التي يتقنها الطبيب الممارس ويحكي أخي أنه اصطحبه إلى أحد الأطباء شاكيا من ألم في بطنه وقبل أن يسترسل الطبيب في سماع شكواه أدرك والدي من مجرى حديثه أنه شخص شيئا مختلفا، فقال له إن الألم ليس من القولون ولا من الجهاز الهضمي بالمرة وساق مبررات لرأيه جعلت الطبيب يفغر فاه عجبا لهذا العجوز الذي قطع عليه الطريق قيل أن يخطئ التشخيص، وأسر الطبيب لأخي بذلك.
كان عصاميا.. وأخذ على عاتقه مسؤولية تثقيف نفسه وأدمن قراءة الثلاث صحف المصرية اليومية الجمهورية والأخبار والأهرام، واطلع فيها على أخبار العالم ولم يدع منها حتى أخبار الرياضة التي بدا في بعض الأحيان وكأنه لا يأبه بها، كان يمر بهدوئه من أمام أخواني وهم يشاهدون التلفزيون فيقترب من الشاشة ويسألهم: الزمالك يلاعب من؟ فيرد أحدهم الزمالك يلاعب المقاولين ومتقدم عليه بثلاثة أهداف، فيبتسم منصرفا ويقول: عله يعوض خسارته من إنبي في الأسبوع الماضي، فيضج الجميع بالضحك على متابعته الدقيقة حتى لأخبار الرياضة.
كان يعشق محمد نجيب ومن قبله عزيز المصري وكان يحب جمال عبد الناصر الذي خدم معه في الجيش شأنه في ذلك شأن عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة، كان يعرف بعض الضباط الذين ينتمون للأسرة المالكة ولكنهم كانوا مصريين ووطنيين الأمر الذي أغضب منهم الملك، وكان يعتز بهم ويذكرهم كلما أتت الفرصة لأنهم ظلموا بعد الثورة، وكان لا يكره السادات.
كان يغضب أو يثور لله وللحق سواء كان معنيا بشكل مباشر أو كان غير معني، وكان إذا غضب لا يرى فيمن أمامه سوى إنسان مكابر يفتئت على حقوق الله وحقوق عباده، فيثور ثورة عارمة بغض النظر عن رتبة الشخص أو منصبه أو حتى درجة قرابته، ولا تهدأ ثورته حتى ينتصر للحق أو يعيده إلى نصابه.
مناقبه عديدة.. وخصاله حميدة.. أسأل الله أن يوسع له في قبره وأن يجعله عليه روضة من رياض الجنة.. آمين. |