|
إن ما حدث في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) الأمريكي الأسود منذ عامين ليس الحادث الوحيد من نوعه في التاريخ الأمريكي القديم.. والحديث.. فقد سبقه هجوم على قاعدة بيرل هاربر في الخمسينيات حين دكت طائرات ومدافع السفن اليابانية الميناء ودمرته وألحقت به خسائر فادحة.. لقد كانت أمريكا أيامها على مدخل حقبة جديدة من تاريخها أرادت من خلالها أن تفتح أبوابها للعالم وكان هذا هدفـًا مرجوًا أيضـًا لباقي الحلفاء.
وكان على أمريكا أن تخرج من عزلتها بعد أن تلقت ضربة قاسية موجعة في بيرل هاربر.. ولحقت بها حرب فيتـنام لتضيف هزيمة جديدة لأمريكا خارج أراضيها.. ومنذ ذلك التاريخ عمدت أمريكا باستمرار على أن تكون حروبها دائمـًا خارج أراضيها، ولعل هذا ما أوجع مخططي الحرب والقتل في البنـتاجون عندما كانت الضربة هذه المرة في عمق.. العمق الأمريكي.
إن ما حدث يوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) الأمريكي الأسود خرج عن القاعدة، ومن هنا ظهرت عقدة الأمريكي الكبير المكروه كمثل ما كان حال الهروب الأمريكي الكبير من جنوب لبنان في الثمانينات من القرن الماضي حين سقط أكثر من ثلاثمائة وثمانين قتيلا أمريكيـًا من جنود المارينز في عملية عسكرية خارج الأراضي الأمريكية.. وكما هو حال الشأن العسكري كان الشأن السياسي، بل إنهما في الحساب الأمريكي يختلطان ويمتـزجان!! ولنوضح أكثر.. أمامنا مثال الواقع السياسي العسكري الأمريكي.
1- أمريكا تقاتل قتالا يمتد صوب الشمول، وهناك مراهنون يجزمون على أن أمريكا لا بد وأنها متورطة يومـًا بهد يوم.. أكثر فأكثر في الحرب العراقية التي بدأتها بكذبة سياسية حول ملكية العراق لأسلحة الدمار الشامل، ويبدو أنها لا تستطيع الخروج منها عسكريـًا بسهولة.
2- مفارقة غريبة هي أن المعارك والحرب في العراق يقودها نظريـًا جنرال عسكري هذا في الوقت الذي يقود فيه رجل سياسة خبيث الجانب العسكري لتختلط الأمور وتختلط معها قواعد اللعبة.
3- الأطماع السياسية في الولايات المتحدة الأمريكي يمتـزج فيها الصراع السياسي والعسكري وإن كان هذا التمازج لا يصل إلى حدود العمليات الإنقلابية، ولكن لا يعني ذلك عدم وجود قناصي الفرص كمثل ما جرى منذ سنوات في حقبة رئاسة رونالد ريغن وذلك حين تعرض الرئيس أيامها إلى محاولة اغتيال نقل على أثرها إلى المستشفى، وكان نائب الرئيس في جولة إقليمية، أي وباختصار شديد كان الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية وضعـًا استثنائيـًا لم يحدث له مثيل ولكنه من الناحية الدستورية كان يقتضي تكليف زعيم الكونجرس بإدارة شؤون البلاد حتى عودة الرئيس ونائبه، وبدلا من هذا أصدر وزير الخارجية الجنرال ألكسندر هيج وكانت له أطماع سياسية قرارًا بتعيين نفسه مسؤولا عن السلطة حتى إشعار آخر وقامت الدنيا يومها ولم تقعد.
وكمثل وضع ريغان كان قبله جون كينيدي، والنماذج قليلة ولكن الأعم والأشهر والقاعدة التي تصر عليها الاستراتيجية الأمريكية والنابعة من قوانين غير مكتوبة لا يتم اللجوء إليها إلا في أوقات الأزمات، والحال في العراق حاليـًا يقع ضمن هذا الاستثناء ففي اليوم الأول للاحتلال صرح المسؤولون الأمريكيون علانية بشكل سافر أنهم جاءوا العراق محررين من نظام الحكم فيه ليبدلوا الشعارات ويعلنوا النوايا على أنهم قوات احتلال، والمشكلة الآن هي كيف سيصف الأمريكيون أوضاعهم في العراق حاليـًا بعد أن كشفت أستار عمليات التحرير!!
إن مأساة الكذبة الأمريكية الكبيرة تكمن في فشل الولايات المتحدة حتى الآن في إيجاد شؤون نظام أمني جديد يعتمد على جهود أوروبية، وبدلا عن ذلك وجد العالم نفسه حبيس نظريات تتحدث عن موت التاريخ، تارة وسقوط الحضارة تارة أخرى، يضاف إلى كل ذلك التصدع الذي تعاني منه السياسة الأمريكية بعد أن بدأت بالتراجع وعلى المكشوف في العراق دون تحقيق أية نتائج إيجابية، وهنا لا بد من وقفة قصيرة جدًا نستعرض من خلالها صورة العالم كما تعلن عنها أمريكا وكما تمارسها أوروبا، ويبقى الدور الهام الذي يلعبه طرف ثالث هو إسرائيل حيث ومنذ حرب الخليج الأولى (الحرب الإيرانية- العراقية) وإسرائيل تكتفي بدور المتفرج أو هكذا يوحي السلوك الإسرائيلي، وهناك أكثر من مصدر ثقافي وفكري وسياسي يوجهون الأضواء على هذا الدور الإسرائيلي، وقد ولدت العلاقة بين الكيان الصهيوني والعالم شكلا من العلاقات الدولية فيه كل تـناقضات السياسة، حيث سخرت أمريكا كل إمكانياتها وطاقاتها لخدمة أهداف الكيان الصهيوني، وقامت أمريكا بتوفير كل ما يحتاجه الكيان الصهيوني من مساعدات مالية وعسكرية واقتصادية وتكنولوجية، ولو كان ذلك على حساب المواطن الأمريكي العادي، ولكن ذلك كله لم يكن كافيـًا ليصل الحال إلى مرحلة الابتـزاز بكل الأساليب والحجج.
لقد أوجدت العلاقات الإسرائيلية الأمريكية شكلا غريبـًا من شكل العلاقات الدولية تميز بالعطاء اللامحدود للكيان الصهيوني مقابل الاستهتار بالحق العربي وكل قضاياه العادلة، وبين أكثر الطرائف السياسية ندرة التساؤل من يقود من..؟! ومن يتحكم بمن في العلاقات الصهيونية- الأمريكية.؟!
ولم يستطع أحد حتى الآن إيجاد حل لهذا اللغز، لقد وقفت الولايات المتحدة بلا حدود مع كل ما طلبه الجانب اليهودي، بينما تخلت واشنطن عن أبسط مبادئ الصداقة مع حلفائها في بعض الأحوال، وكما هو الحال هذه الأيام مع طروحات وممارسات حرب الإبادة التي تخوضها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني تحت سمع وبصر ورضاء الولايات المتحدة، ولعلها ليست صدفة تـزامن صدور هذا المقال مع الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتوقيع اتفاقية الذل في كامب ديفيد التي حولت مسير الصدام العربي الإسرائيلي وأعطت للكيان الصهيوني تأشيرة دخول إلى العالم من أقصى الدنيا إلى أقصى الدنيا.. لقد أعطى كامب ديفيد للدولة اليهودية كل ما كانت تحتاجه وبشكل خاص ليصل الأمر إلى حدود إجبار العرب على تغيير معتقداتهم إرضاءً لإسرائيل، وفي بعض الأحوال ترويجـًا لسياساتها، وليست مصادفة أن تترافق الأحداث الدامية في العراق مع أحداث مثيلة بل وأبشع على الساحة الفلسطينية بعد أن أعطيت إسرائيل الضوء الأخضر الأمريكي لممارسة هذه السياسة الإرهابية، وقد وصل الأمر أن تعطي إسرائيل الإذن بالقتل رسميـًا وبقرار دولي حين صوتت الولايات المتحدة باستعمال حق الفيتو للقيام بمهمة القتل إذا ما أرادت إسرائيل ذلك وبأكثر من حجة واهية أبسطها تهمة ما أسموه بمزاجهم مكافحة الإرهاب.
إن ما يدور على الساحة الدولية هذه الأيام هو أقرب إلى أحداث الخمسينيات والستينيات والفارق الوحيد بين الأمس واليوم هو أن الكيان الصهيوني قد غير جلده مثل الأفعى فمن الوضع "المتمسكن" إلى وضع مغاير تمثل بالسلوك الإجرامي الوحشي المعلن أمام العالم كله بكل وقاحة.
ومرة أخرى تبدأ الولايات المتحدة بالتورط رويدًا رويدًا في حرب أخطأت تقديراتها من تصور لاستقبالها بالورود والزهور إلى واقع الحال الذي حول الورود إلى رصاص قاتل.
ووسط هذه الدوامة تقوم واشنطن بأكبر كذبة في التاريخ ومخالفة لأصول وقواعد وقوانين الحروب التي وثقتها القوانين والأعراف وهي الإعلام عن أخبار ليس ضروريا أن تكون كل المعلومات فيها منشورة أو معلنة، وبدلا من ذلك عتمت القوات الأمريكية عن كل ما يرد أو يحدث في أرض المعركة وكأن واشنطن بعملية التكتم الغبية هذه قد أعطت دليلا على مدى التيه الذي تورطت به في حربها ضد العراق.
مشكلة العدوان الأمريكي هذه المرة أن حرب سيد البيت الأبيض الصغير بوش تدار من وزارة الخارجية وليس من وزارة الدفاع كما هو مفترض، فالقرارات السياسية عن توسيع الحرب أو تضييق الحرب كلها تصدر من أرضية وأولويات عبرت عنها العديد من الأخطاء التي ارتكبت.
لقد استطاع بوش الصغير وعيناه تتجهان صوب واشنطن أن يحول الحرب في مرحلتها الحالية على الأقل إلى حملة انتخابية ناجحة، فالكونغرس ولجان الكونغرس كلهم صاروا أداة طيعة في يد بوش لكل ما يخدم المصالح اليهودية إلى حد أن وصل الأمر بهم إلى الاستشهاد بقرائن على أن صدور قرار ما أو إصدار قانون ما شأنه سيكون في مصلحة إسرائيل أو عدم الإضرار بها، وهذه عبارة تكفي لتثير كل مشاعر وحماس أصدقاء إسرائيل في واشنطن من الساسة الذين لا يهمهم ما يدور في الشؤون السياسية الخارجية إلا ما يتعلق بالشأن الإسرائيلي ومصلحة إسرائيل، وقد تجلى ذلك في العديد من المواقف. ثلاثة حروب تدور رحاها في المنطقة تحمل مؤشرات ليست في مصلحة الصغير جورج بوش فهي معارك يقتل فيها الجندي الأمريكي دون أن يدري.. لماذا؟!! مع رفع رايات نصر لا يدرك ضد من..؟ حرب الأفغان وحرب العراق إلى حرب التحرير الفلسطينية.
وقد تكون أمريكا أكبر وأقوى دولة في العالم، وقد يكون الجنرالات الذين تمتلئ بهم الوحدات العسكرية الأمريكية من أكثر الجيوش قوة والأكبر عتادًا.. وقد.. وقد.. ولكن تبقى حقيقة ثابتة لا يمكن تغييرها هي أن أمريكا تقاتل خارج أراضيها، وهذا كان سبب هزائمها في كل تلك الحروب، أما الحليف الإسرائيلي فحسابه عند أيتام وأرامل آلاف الفلسطينيين والعراقيين. |