|

إذا نحن عدنا إلى سلفية محمد عبده الإصلاحية ونظرنا إلى ما أفرزته على صعيد الفكر والواقع معا، نجد أنها أسست لتيارين: تيار فكري سلفي إصلاحي يستعيد سلفية محمد عبد الوهاب ويتجاوزها على صعيد الانفتاح على العصر والنزوع نحو التجديد في الدين والفكر واللغة من جهة، وقد توطد هذا التيار وتطور في المغرب العربي خاصة مع كل من الثعالبي ومدرسته في تونس وابن باديس في الجزائر ومحمد بن العربي العلوي وتلميذه علال الفاسي بالمغرب. لقد أسس هذا التيار السلفي المتفتح لقيام أحزاب سياسية وطنية زاوجت بين السلفية والتحديث، بين الأصالة والمعاصرة"، متخذة من الاستعمار الفرنسي خصمها الخارجي الأول ومن الطرقية وشيوخها المتعاملين مع الاستعمار المكرسين للبدع ومظاهر الانحطاط خصمها الداخلي.
وأما التيار الثاني، وهو المباشر والأساسي، فهو ذلك الذي استمر ينمو وينتشر في المشرق العربي وفي مصر خاصة، عبر رشيد رضا وآخرين ثم عبر تلك الحركة التي تأسست في النصف الثاني من عشرينات القرن الماضي وحملت اسم "جمعية الشبان المسلمين". فمن ناحية "ظاهر الأمور" كان قيام هذه الجمعية بمثابة تطبيق للاستراتيجية التي انتهى إليها عبده، بعد الدروس التي استخلصها من العمل السياسي المباشر مع جمال الدين الأفغاني، استراتيجية التدرج من تكوين مجموعة، تليها مجموعات، تتولى الدعوة للإصلاح والعمل له مع الحرص على تربية الشعب تربية دينية صحيحة... أما من ناحية مجال المفكر فيه، فإن صاحب السلفية النهضوية الإصلاحية، الشيخ محمد عبده، لم يكن يقصد أن تتحول هذه الجماعات إلى جماعات سرية تمارس العنف. لقد قطع مع هذا الاتجاه بعد الفشل الذي رآه بأم عينه، سواء في مصير حركة الضابط عرابي الثورية أو في متاهات الحركات السياسة والفكرية المتطاحنة.
إن هذا لا يعني أن حركته كانت خالية من البعد السياسي. كلا. غير أن الهدف السياسي الذي قصده من هذا الاستراتيجية التي تبناها كان ينحصر في تكوين رأي عام وطني يعرف "ما للحكام من حق الطاعة على المحكومين وما للمحكومين على الحكام من حق العدالة". وعلى أساس هذه المعرفة يقومون بمراقبتهم وتوجيهيهم. إنه من هذه الناحية ينخرط في فضاء "فقه السياسة"، وهو فقه لا يطرح ذلك الشعار الذي تطرحه اليوم معظم الجماعات الإسلامية، شعار "إقامة الدولة الإسلامية". فالدولة الإسلامية كانت قائمة في الماضي كما هي قائمة اليوم في بلاد الإسلام، ومهمة فقه السياسة وفقه النصيحة هي الدعوة إلى جعل الدولة في الإسلام أقرب ما يمكن من المدينة الفاضلة الإسلامية التي يسودها "العمل بالكتاب والسنة"، كما كلن الحال زمن الخلفاء الراشدين.
كان ذلك هو الاتجاه العام الذي تحرك فيه فكر محمد عبده، وهو اتجاه مفتوح، كما هو واضح، ولذلك عارضه وخاصمه في مصر كل من "المحافظين" و"التحديثيين" على السواء. المحافظون أخذوا عليه أن اتجاهه هذا ينتهي إلى "فصل الدين عن السياسة" وبالتالي "فصل الدين عن الدولة". وأما التحديثيون والعلمانيون فقد رأوا فيه منظرا للفكر التقليدي الرجعي الخ.
في هذا الجو، وفي إطار هذا النوع من النقاش، ظهرت جماعة "الإخوان المسلمين"، كتعبير جذري عن الجانب المحافظ في فكر محمد عبده، وبالتالي كانفصال عن سلفيته الإصلاحية واستراتيجيتها. لقد نقل "الإخوان المسلون" سلفية محمد عبده من دعوة إصلاحية مفتوحة تخاطب المسلمين كافة وتجادل غير المسلمين بالعقل وموازينه في غير ما تشنج أو تعصب، إلى حركة قوامها الدعوة والتنظيم معا، وبالتالي إلى "طرف" ضد أطراف أخرى في المجتمع، طرف تتحدد هويته بمبدأ واحد هو : "الأخوة في الإسلام".
وبعيدا عن البحث عن مرجعيات أجنبية لعبارة "الإخوان المسلمين"، فإن في المرجعية الإسلامية ما يضفي الشرعية الظاهرية على هذه العبارة. فالإسلام يعتبر المسلمين إخوة والآيات والأحاديث التي تؤكد ذلك كثيرة. ومع ذلك فإن عموم لفظ تلك الآيات والأحاديث لا يبرر في نظرنا الانتقال بمفهوم "الأخوة" في الإسلام من أخوة تشمل وتجمع جميع المسلمين بدون استثناء إلى "أخوة" خاصة يقام لها تنظيم خاص داخل مجتمع إسلامي. إن الأمر في هذه الحالة أشبه ما يكون بإنشاء فرقة أو طائفة أو شيعة الخ.
نعم، هناك نظام "المؤاخاة" الذي استحدثه الرسول عليه الصلاة والسلام حينما هاجر إلى المدينة، فـ "كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه; للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم". وكان أبرز شيء في نظام "المؤاخاة" هذا هو الشراكة في الإرث: يرث المتآخون بعضهم بعضا على غرار أبناء الأب الواحد. والهدف من ذلك إرساء المجتمع الجديد على أساس التكافل والتضامن، خصوصا والدولة في بداية تشكلها. وعندما تطور المجتمع والدولة في المدينة وانتفت الحاجة إلى هذا النوع من "المؤاخاة" بما جناه المسلمون من هذا التضامن ومن الغزوات الخ، نسخه القرآن الكريم وعاد الأمر في أمر الإرث وغيره كما كان عند العرب وحدده القرآن والسنة.
ونحن لا نرى ما يبرر اتخاذ نظام "المؤاخاة" هذا، الذي كان تدبيرا مؤقتا تم نسخه، مرجعية لتبرير إنشاء تنظيم خاص، داخل المجتمع الإسلامي، باسم "الأخوة الإسلامية". إن نظام المؤاخاة الذي أقره النبي عليه الصلاة والسلام كان نظاما خاليا من الإقصاء تماما. لقد كان نظاما تجميعيا يؤلف بين المختلفات من أجل وحدة أرفع وأصلح. أما التنظيم المبني على "الأخوة الإسلامية" في مجتمع إسلامي فيه دولة إسلامية جامعة، أو تعلن أنها كذلك، فهو تنظيم يؤسس لهوية جديدة خاصة، مما ينتج عنه إقصاء كل من لا ينتمي إلى هذا التنظيم، مسلما كان أو غير مسلم. وليس هناك في نظرنا ما يبرر إنشاء مثل هذا التنظيم إلا شيء واحد، وهو أن يكون حزبا سياسيا كغير من الأحزاب.
بالفعل كان "الإخوان المسلمون" حزبا سياسيا. غير أن المنع الذي تعرضوا له قد حرمهم من التطور إلى حزب سياسي عادي، أضف إلى ذلك امتناع "جمعية الإخوان المسلمين" نفسها من ترك اتخاذ "الإسلام" (بوصفه عنصرا مقوما لهوية المجتمع ككل) محددا لهويتها هي وحدها كجماعة خاصة داخل المجتمع. إن هذا وذاك قد أديا بها إلى التطور إلى وضع غير حزبي، وضع لا يعترف بـ"الآخرين" ولا يعترف به هؤلاء "الآخرون"... والنتيجة حدوث انفصال واصطدام بين هذه الجماعة وبين الأحزاب الوطنية التي تحدد هويتها الحزبية بغير الدين (وإن كانت لا تقصيه) والتي ترفع شعارات لا تتعارض مع الدين مثل الحرية، الاستقلال، الجلاء، الديموقراطية، العدالة الاجتماعية، التحديث الاجتماعي، محاربة الاستبداد السياسي والطبقي الخ، وبالجملة كل ما به تتحدد في وقت من الأوقات "المدينة الفاضلة" الدنيوية، التي لا تختلف عن المدينة "الفاضلة الدينية" إلا في كونها لا تدخل في مجالها، وهو مجال السياسة، أي شيء يتعلق بالآخرة.
بعبارة أخرى إن الفرق بين الحزب السياسي "الخالص" وبين الجماعة السياسية/الدينية، كجماعة "الإخوان المسلمين"، هو أن الحزب السياسي "الخالص" يقتصر في نشاطه على شؤون الدنيا ولا يوظف في هذا النشاط أي شأن من شؤون الآخرة، كالجنة والنار. إنه لا يهتم إلا بالدنيا كما هي، أما كون الدنيا مطية للآخرة فذلك شأن متروك لعلماء الدين والجماعات الدينية وللمسلمين جميعا، أفرادا وجماعات، حكاما ومحكومين، باعتبار أن لا كهنوت ولا كنيسة في الإسلام.
هذه الملاحظة قصدنا منها التأسيس لفهم الفرق بين المسار الذي اتخذته سلفية محمد عبده في المغرب العربي عن المسار الذي اتخذته في المشرق. ذلك أن سلفية عبده الإصلاحية قد وقع تبينها وتوظيفها في عملية "مؤاخاة" كبرى بين جميع فئات المجتمع من أجل حركة وطنية جامعة هدفها تحقيق الاستقلال وبناء دولة عصرية. لم يكن لهذه الحركة خصم فعلي أو محتمل غير الاستعمار وعملاؤه، هو وحده "الآخر"، ولذلك اتخذت قضية التحديث في المغرب العربي مجرى يختلفا عن المجرى الذي عرفته في المشرق. وبعبارة أخرى لم يكن لعبارة "الإخوان المسلمين" ما يبررها في المغرب العربي لأنه لم تكن هناك أخوة أخرى غير إسلامية، فعلية أو محتملة. لم يكن هناك تغاير. ولن يحصل التغاير، والتعدد في "الأخوة" إلا بعد تحقيق الاستقلال، وانقسام رجال الحركة الوطنية إلى "محافظين" و"مجددين" (في المغرب الأقصى حيث قامت التعددية الحزبية حدث انفصال بين الطرفين، أما في الجزائر وتونس فقد "احتوى" الحزب الوحيد مثل هذا الانفصال، إذا صار هو الوريث الوحيد للسلفية والوطنية والتقدمية الخ، إلى قامت في البلدين الجماعات الإسلامية المعاصرة المحظورة وأخذت تمارس السياسة بوسائل أخرى).
في هذا السياق، إذن يجب أن نفهم عدم ظهور فروع لجماعة الإخوان المسلمين في المغرب العربي، وبالتالي تأخر قيام تنظيمات دينية تمارس فيها السياسة بوسائل أخرى. وعندما ظهرت مثل هذه التنظيمات كان ظهورها في الغالب نوعا من ردود الفعل داخل هذا الحزب الوطني أو ذاك. (نشير إلى أن ظهور "جمعية الشبيبة الإسلامية" في المغرب –الأصل البعيد لحزب العدالة والتنمية حاليا- كان في أواخر الستينات من القرن الماضي وكان، في جزء منه على الأقل، بدافع هذا النوع من ردود الفعل، التي يطغى فيها العنصر الشخصي. فالأستاذ عبد الكريم مطيع مؤسس هذه الجمعية كان من نشطاء الشبيبة الاتحادية في الستينات، وعمه الأستاذ المرحوم الفقيه محمد الحمداوي كان من مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومن قدماء الوطنيين المناضلين الذين كانوا يمثلون الوجه الشعبي في حزب الاستقلال، وكان متأثرا إلى حد كبير بفكر محمد عبده ثم بفكر الإخوان المسلمين، كما يتجلى ذلك واضحا في أحاديثه وفي المقالات التي كان ينشرها في جريدة التحرير. وهذا الارتباط بفكر الإخوان المسلمين يرجع في جزء منه إلى التضامن الفعال الذي لقيته القضية المغربية منذ الثلاثينات لدى "جمعية الشباب المسلمين". ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة التأسيسية (الجنيالوجية) بين "جمعية الشبيبة الإسلامية" في مغرب السبعينات وبين جمعية "الشبان المسلمين" في مصر العشرينات من القرن العشرين ... |