|
كنت لا أود الدخول في موضوع الرسائل المتبادلة المكتوبة بين وزير الخارجية المصري أحمد ماهر ومساعده الدكتور عبد الله الأشعل.. ولكن بعد أن أصبح الأمر حوارًا "فضائيـًا" عبر قناة دريم، وصحفيـًا عبر الصحف ووكالات الأنباء وجدت نفسي مدفوعـًا لقراءة متأنية لما قاله الدكتور عبد الله الأشعل.. ولما جاء في تسريبات وزارة الخارجية الإعلامية وتداولتها الصحف!!
والحقيقة أصبت بالصدمة خلال متابعتي لاستقالة الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون التخطيط التي قدمها في 20 يوليو (تموز) الماضي.. والتي أعلن عنها عبر وكالات الأنباء في 25 أغسطس الماضي رغم أن الخبر "الاستقالة" وما دار حولها تـناولته صحف مصرية مستقلة وصحف عربية قبل تداوله بعدة أسابيع بتساؤلات لا تبعد عن الغمز واللمز في أهمية أن وزارة الخارجية وزارة سيادية أمورها هامة ، أمورها الداخلية لا تخرج إلى ميدان التحرير ، حيث مبناها القديم أو إلى مبنى التلفزيون المجاور لها حيث وزارة الإعلام.. خروج خبر الاستقالة بهذه الطريقة يفجر ملفـًا ساخنـًا يجب ألا يترك عند نقطة استقالة الأشعل وقبول الوزير أحمد ماهر لها.. لكن لا بد من مناقشة صريحة وواضحة بعيدة عن تسريبات تشوه جدار الوزارة التي لها صيتها عربيـًا وإسلاميـًا وعالميـًا.
الدكتور الأشعل ليس وحده هو الذي فجر ما يدور في الوزارة، لكن هناك كلام يدور حول أداء سفاراتـنا وقنصلياتنا في الخارج، وما يدور داخل بعض هذه السفارات للأسف يسيء لواحدة من أهم مدارس الخارجية في العالم، وهنا لن أبرئ الأشعل فليس هو الآخر بريئـًا- وسيأتي الكلام عن هذه المسألة في موقع آخر عندما أتحدث عن ملفات الدبلوماسيين بالخارج- لكن ماذا حدث في الوزارة التي توالت بها قيادات العمل الدبلوماسي العربي، وأذكر مع الاعتذار لمن لم أذكر إسمه ، الوزير الدكتورمحمد صلاح الدين والدكتورمحمود فوزي الذي كان مثالاً للدبلوماسي الذي تفتخر به الخارجية، والدكتورعبد الخالق حسونة ومن انضم من أسرته للخارجية أيضـًا (الدكتور حسين حسونة) والدكتورالزيات الذي قاد الدبلوماسية المصرية في فترة حاسمة من تاريخ مصر، والدكتورحسن صبر الخولي والدكتورمحمود عزمي والدكتورعبد الرحمن باشا عزام والدكتورمراد غالب والدكتورمحمود رياض، والدكتورإسماعيل فهمي والدكتور محمد إبراهيم كامل،و الدكتور عصمت عبد المجيد، والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، واسماء كثيرة عمل بعضهم في منطقة الخليج العربي و آسيا ، منهم السفراء أحمد نامق وفتحي الشاذلي وحلمي بدير وسيد قاسم المصري ومحمد رفيق خليل ونائبه محمد مرسي ومصطفى أبو شنيف وغيرهم من الأسماء اللامعة التي كان لي شرف التعرف عليها من خلال جمعية الأمم المتحدة التي شرفت بعضويتها في السبعينات مع زملاء لي من كليتي الأقتصاد والعلوم السياسية و الإعلام بتزكية خاصة من الوزير الدكتور مفيد شهاب ( وزير التعليم العالي حالياً) بالقاهرة مثل الدكتورمصطفى الفقي والدكتورنبيل العربي والدكتورخيرت سعيد، وأسماء كثيرة حملت اسم الخارجية المصرية في عالمنا العربي والعالم تظل عاكسة لمكانة الدبلوماسية المصرية ومدارسها المتعاقبة.
ملفات ساخنة
لكن ما أريد قوله بعد أحداث الاستقالة وما أثير حولها أن هناك ملفات ساخنة في الخارجية المصرية تحتاج لإزالة غبار السنوات الماضية عنها.. ونسأل أنفسنا لماذا فقد الدبلوماسي المصري بريقه ، وكي أكون منصفـًا (البعض) منهم خاصة أولئك الذين ما زالوا في في مقتبل عمرهم الدبلوماسي..؟! هل هو عائد لسوء الاختيار أو لغياب التجربة أو غياب الكفاءة.؟! لدي سؤال آخر أكثر أهمية: من يشرف على الاختيار.؟! ولماذا بدأت تظهر نتيجة (لم ينجح أحد) عند التقدم للعمل الدبلوماسي.؟! في مهنة هي الأرفع ومهنة الجميع تواق للانتساب إليها.
أسوق لمعالي الوزير من واقع تجارب مررت بها خارج مصر أن بعض هؤلاء الذين يفترض بهم تمثيل مصر يتصرفون أحيانـًا تصرفات تبعدهم عن الهدف الذي جاءوا من أجله.. فبعضهم يأتي غير مسلح بالأداء المعارفي الذي اعتدنا أن نرى فيه الدبلوماسي المصري الذي يعي ما يدور حوله من قضايا إقليمية وعربية وإسلامية ودولية، وما يدور في البلد الذي يعمل به، لكن حقيقة وليس لدي استثناء في هذا، واضح أن المراجعات الدورية لقياس الكفاءة المهنية غير وارد مما يترك أمام المتعاملين معهم كثير من علامات الاستفهام!!
والواضح أن تقارير المجاملة واردة في جوانب كثيرة، وقد شاهدنا نماذج لن أتحدث عنها تحتاج إلى إعادة "تأهيل" لأنها بكل بساطة لا تمثل نفسها بل تمثل دولة أعطت ثقتها فيهم من أجل عكس مظهر مشرف لدبلوماسية عريقة..
وقد رأينا نماذج دبلوماسية تحتاج إلى تدريب أكثر عمقـًا وفهمـًا لحقائق الأمور.. صحيح أن ذلك أمر "فرضي" ولكن أعتقد أنه يجب أن لا يسند لدبلوماسي لم يتخط الـ 30 من العمر عمل يواجه به جماهير بينهم من هو أكثر فهمـًا وعمقـًا ، ولكنه قد يعامله بأسلوب أبعد ما يكون عن الدبلوماسية..
وللأسف هناك قصص كثيرة يتـناقلها أبناء الجاليات عن هذا الأمر من التمثيل الضعيف وأقصد بالتمثيل الضعيف ليس عددًا ولكن "أداءً" وهذا هو المهم، وهناك بعضهم ترك إذنه لحل خلافات داخل القنصليات.. حيث أن القنصليات في الغالب هي الأكثر احتكاكـًا بالجماهير نتيجة للعمل اليومي المنوط بها.. ويعكس هذا ما يدور في الروابط وجمعيات وصناديق التكافل التي يسعى بعض القناصل للقفز على لوائحها مما افقدها معناها الإجتماعي التي انشئت من اجله ، وعدم احترام لوائحها جعل الكثير من ابناء مصر يعزف عن المشاركة في فعالياتها.
وما زلت أحكي لزملاء وأصدقاء عن نماذج مشرفة من شباب الخارجية المصرية عملوا في أوروبا وآسيا وأفريقيا منهم دون ألقاب ومقدمات السفير أحمد رزق والسفير أحمد القويسني والسفير عفيفي عبد الوهاب والسفير طارق أبو سنة والسفير محمد بدر الدين والسفير محمد أبو الغيط والسفير الدكتور محمد حجازي وغيرهم فهي تظل أسماء تحمل في داخلها رونق الدبلوماسية المصرية الذي نعرفه.
وينعكس كلامي هذا على المكاتب الفنية واخص منها الثقافية و الإعلامية ، واذكر من المستشارين الإعلاميين الذين عملوا في سفاراتنا في الخارج خلال الفترة الماضية الدكتور محمد حقي و احمد الأبراشي ومحمد العفيفي ، وشعيب عبد الفتاح الذي نجح واقولها بصوت عال بتأسيس مكتب إعلامي في السعودية رغم ان المكتب كان قد أسس قبل أكثر من 12 عاما ولم يكن يشعر بوجود المكتب احد ، وينطبق المثال على مكاتبنا الثقافية ، ففيها رموز لمعت واستطاعت ان تجذر حوارا ثقافيا وفكريا و ادبيا مع ابناء الجالية المصرية و المجتمع الذي يعيشون فيه في تداخل ثقافي رفيع ، هذا وان كان قد سبق فيه الكثير وبدأه المرحوم الشاعر صلاح عبد الصبور في الهند والدكتور محمود السيد في اسبانيا وغيرهم الكثير ، الا ان تجربة الدكتور صابر شكر ابو زيد في الرياض تعد تجربة ثرية بالتقدير والإحترام، وحديثي عن المكاتب الفنية لا افصله عن سفاراتنا. لكن في الأيام التي سمعنا فيها عن عبارة « لم ينجح أحد» في المعهد الدبلوماسي أو الذين تقدموا لامتحانات الخارجية يجعلنا ننظر إلى المسألة بعين أكثر دقة.
إن كثير من سفاراتـنا في الخارج تحتاج لدقة اختيار الرجل المناسب في الموقع المناسب.. فتمثيل مصر شرف كبير يجب أن يضعه كل من يخرج لمثل هذه المهمة السامية..
وأسوق نموذج يحتاج لقراءة جيدة وهو عندما يسيء أحد العاملين في السفارات لمواطن مصري لجأ للسفارة من يحاسبه؟!
هل تدرس شكوى المواطن المصري بعناية أم يتم تهديده بعدم ارسال شكواه الى الوزير مباشرة ، ام ينتصر التقرير القادم من الدولة التي يعمل بها المواطن عبر السفارة (كله تمام يا فندم)؟!
من يحاسب المسؤول البلوماسي عندما تحدث حادثة لمواطنين ولا يتحرك.. ويترك الأمر لمواطنين يقومون بمهام يجب أن يقوم بها .
إن النموذج المميز للدكتور محمد حجازي في حادثة المعتمرين المصريين قبل أيام قليلة نموذج مشرف نحتاج الى الكثير منه ويجب الإشادة به ، أما أن يتفرغ دبلوماسي للوقيعة بين زملاؤه فهذا ما لا يرضي أحد.
لو سمعنا أن هناك دبلوماسي تم سحبه لعدم أدائه الجيد لما رأينا دبلوماسي يجمع توقيعات للإشادة بأدائه!! وللأسف سيجد أسماء وهمية يطبعها وترسل للوزير!!
وهذه لعبة نسيناها لكن تمارس في بعض سفاراتـنا بالإشادة بعبقريات ممثلينا في الخارج، لو أن هناك عقاب رادع وأذن صاغية للشكاوى لما وصل الحال في بعض قنصلياتـنا الى ما وصل إليه.. تصور أنه في أحد السفارات المصرية بالخارج يتم التحقيق مع أحد الملحقين في قضية يستحي الشخص أن يتحدث فيها لأنها تمس الحياء!!
وفي فمي ماء ولن أتحدث عن هذا الأمر الذي تفاصيله ما زالت تنظر بهدوء ، والحقيقة ان من وصلت اليه الشكوى تمسك بالتحقيق فيها بأمانة .
وفي أحد مواقعنا المهمة هناك من أطلق على نفسه صفة وظيفية ليست به ، وعلم الوزير المختص ووصلته الشكاوى "والكارت" الذي يوزعه على من يلتقي بهم ، ولكن لا أحد يسمع ولكن كثيرون يرون..!! ما قاله الأشعل يحتاج إلى وقفة تبدأ من البداية.. وقبل أن يتم تسريب توابع للاستقالة المعلنة علينا أن نسأل شخصية مهمة حول ملفه في الرياض والشخص الوحيد الذي يستطيع أن يعطي إجابة شافية ودقيقة في هذا الأمر هو السفير عبد الحميد طبق قنصل عام مصر بالرياض في النصف الثاني من الثمانينات..
وما أود قوله هنا أن ما أثاره الدكتور الأشعل هو هدف للإصلاح لكن ممثل مصر لا بد له من التقيد بلوائح الوظيفة التي أسندت إليه، التي تحكمها لوائح هو الأعلم بها وعليه الالتـزام بها.. أما الخروج عليها فهو مخالفة صريحة..
سفاراتـنا في الخارج تحتاج لترتيب خاصة في المنطقة العربية وأفريقيا يعيد لها بريقها وبهاءها.. من ناحية الإختيار والأداء فقد كنت في زيارة لدولة آسيوية وهي "ماليزيا" قبل عامين وبمجرد ما سألت السائق عن رغبتي بالذهاب إلى سفارة مصر.. طار فرحـًا و سرورًا ، وحدثني كثيرا عن الآداء الرائع للسفارة في كوالالمبور ، مما اسعدني شخصيا للمستوى الرفيع الذي كانت تعمل به السفارة ، بالرغم من ان الشخصية التي اشاد بها السائق كان قادما من سفارتنا في الباكستان وهو نائب السفير في ذلك الوقت ،فوجدت نفسي بالفعل أمام دبلوماسي من المستوى الرفيع كان يعمل وقتها نائبـًا للسفير، هذا السفير الآن طارق أبو سنة.. فوجدت نموذجـًا مختلفـًا تمامـًا أداءً وحكمة وفهمـًا عن كثير مما نراه من بعض الدبلوماسيين هذه الأيام..
أما الحديث عن المخالفات ، فلست مخولا بالخوض عنها صحفيـًا ولا أملك لأن هذه يحتاج لبحث الملف من أوله خاصة حول الذين يتم تعيينهم في بعض سفاراتـنا محليـًا من الخدمات المساندة فهي تحتاج أيضـًا إلى إعادة نظر ليس فقط في الاختيار لكن في الأداء ، فهي في النهاية تعمل في حقل دبلوماسي.. ولا يعقل أن بعض سفاراتـنا في الخارج كثيرًا ما تجد فيها خلافـًا في وجهات النظر بين السفير والقنصل العام وغباب التنسيق بينهما .. صحيح قد لا يصل إلى وزير الخارجية لكن الجاليات تتحدث عنه في وسط استقطابات من الجانبين.
ملفات كثيرة دارت أمامي وأنا أقرأ استقالة الدكتور الأشعل.. لكن حياءً واحترامـًا أحتفظ بها لوقتها..
الدبلوماسية المصرية العريقة تعد مدرسة فريدة في الآداء ، ولكن ما نراه من ترهل في بعض المواقع اليوم يجعلنا نحتاج إلى وقفة، أما ما لدي من كلام فأقول ما زال في قاع الكأس بقية يعرفها الملحق والمستشار.! وعسانا نتعظ من المقولة المشينة «غير لائق اجتماعيـًا»..!! |