|
أصاب وزير خارجية الكيان الصهيونى، سلفان شالوم، كبد الحقيقة، وحسبما أشارت إذاعة جيش الاحتلال، نقلاً عن أوساط رفيعة فى مكتب رئيس الوزراء، أرييل شارون، قولها أنها لم تكن تتوقع تصريحات أفضل مما جاء فى بيان الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش [ الأبن ] فى قمة العقبة من حيث أن " الولايات المتحدة اليوم ملتزمة بقوة، وأنا ملتزم بقوة، ضمان أمن إسرائيل كدولة يهودية تنبض بالحياة "، وأن علنية التصريح الأمريكى تمثل إنجازا حقيقياً، بل الإنجاز الأبرز.
ويمثل هذا التحول، وحسبما أشار، شالوم، التزاماً أمريكياً لم يرد أصلاً فى مسودة البيان الأمريكى، وأن الرئيس بوش أضاف هذه الفقرة، بناء على طلب شخصى من وزير خارجية الكيان الصهيونى، أثناء اجتماع " الزعماء " فى حضور الوفود المرافقة. وينسجم هذا الطلب مع سعى، شالوم، للحيلولة دون طرح عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى تخوم الدولة العبرية إلى أجندة المفاوضات فى المستقبل، وهو ما يتوافق مع موقف ورؤية شارون ورموز اليمين المتطرف، وعديد من ألوان الطيف السياسى. وتنطوى هذه الإشارة الملغومة على دلالات عدة تجسد انعطافة رئيسية فى مسار الصراع العربى – الصهيونى، حيث تعيد إنتاج وتوظيف معادلات وأوضاع العجز والهوان فى النظام الرسمى العربى، ما بعد العدوان والاحتلال الأمريكى للعراق ، ومخرجاته ، لصالح تحقيق وبلورة المشروع الصهيونى وإقامة وطن قوى لليهود فى فلسطين ، وفكرة تيودور هرتزل المطالب " بدولتين " مستقلتين كشعبين مختلفين فى الدين واللغة والثقافة والتاريخ . وإذا كان الاعتراض الفلسطينى الرسمى فى أوسلو على وصف " إسرائيل " كدولة قومية للشعب اليهودى ، واقتصار الحديث عن الاعتراف " بإسرائيل " وبحق الإسرائيليين فى العيش داخل دولة تتمتع بحدود آمنة ومعترف بها ، فإن الالتزام الأمريكى العلنى الجديد ، والذى لم يكن محض صدفة أو " زلة لسان " ، إنما يمثل رؤية استباقية لإنهاء الصراع بتحقيق الحلم الصهيونى فى فلسطين " كمهد للشعب اليهودى ووطنه القومى " ، بما يعنى إعادة توصيف العنصرية الصهيونية ، التى سبق للإدارة الأمريكية ، وعلى لسان مندوب الولايات المتحدة فى الأمم المتحدة ، دانييل مونيهان ، والذى وقف ليعبر بلغة غير مألوفة ولا معهودة داخل هذه المنظمة الدولية ، عن سخط حكومته على القرار 3379 ، الصادر فى 10 نوفمبر 1975 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة فى الدورة الثلاثين بإدانة الصهيونية باعتبار الصهيونية وجهاً من أوجه العنصرية ومن ثم إدانة كافة الممارسات العنصرية التى يقوم بها الكيان الصهيونى فى فلسطين ، باعتبار أن " إسرائيل " هى التجسيد المادى للحركة الصهيونية خاصة بعد انتهاء عمليات التصويت ، وفشل آليات التهديد والوعيد الأخرى للحيلولة دون صدور هذا القرار ، حيث قال : " أن الولايات المتحدة الأمريكية تنهض لتعلن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وأمام العالم أنها لم تعترف ولن تلتزم ولن ترضخ لهذا العمل المشين .. إن شراً عظيماً قد أطلق على العالم.. إن الاقتراح الذى أقرته الجمعية العامة بقرارها أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصرى .. إنها الأكذوبة.. ولكنها أكذوبة أعلنتها الأمم المتحدة على أنها حقيقة.. ولكن الحقيقة الصحيحة يجب أن يعاد إثباتها ".
وعملياً، حملت الدبلوماسية الأمريكية، فى سياق " صهينة " القرار الأمريكى، كأعلى مراحل العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية أعباء الجهد المتواصل لأخذ مبادرة إلغاء القرار السالف ، وكان لها ما أرادت فى 16 ديسمبر 1991 ، فى سياقات إقليمية ودولية مغايرة ، خاصة بعد تداعيات حرب الخليج الثانية ، ومع انطلاقة عملية السلام فى مدريد ، بتبنى الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وبتأييد 111 دولة ، ومعارضة 25 دولة ، وإمناع 13 ، اقتراحاً بإلغاء القرار 3379 الشهير على الرغم من عدم انتقاء الأسباب والموجبات التى استدعت بداية صدور هذا القرار ، حيث أن السلوكيات والممارسات الإسرائيلية ، شبة اليومية ، تنتج أشكالاً صارخة من العنصرية والتمييز العنصرى .
[ 1 ]
ينطوى تحذير عمرو موسى ، الأمين العام لجامعة الدول العربية ، وعلى الرغم من الأزمات التى تعصف بالجامعة والمقصودة لذاتها ، على إدراك لمكامن الخطورة لتضمين الرئيس الأمريكى بيانه تعبير " الدولة اليهودية " ووصف ذلك بالمسألة غير البسيطة ، وما أبداه من تساؤل حول ما يعنيه هذا الوصف لنحو مليون و 350 ألف فلسطينى ، يمثلون خمس سكان " إسرائيل " ذاتها من فلسطينى 1948 ، وهل سيصبحون تلقائياً مواطنين من الدرجة الثانية ، لأنهم ليسوا يهوداً ، أم يكون هذا سباباً لطردهم وعدم استقبال اللاجئين الفلسطينيين والتفاوض حول قضيتهم . ومن المفارقة الصارخة ، عدم خروج رئيس الوزراء الفلسطينى ، أبو مازن " على النص " وتعقيبه على هذا التضمين الأمريكى ، أو إبداء أى " استياء " ، إن لم يكن معارضة لهذا التطور . وحتى كتابة هذه السطور ، لم تترشح معلومات عن صدور بيان من القيادة الفلسطينية يستنكر ويرفض ويشجب أو يدين ذلك ، مثلما تبادر فى حال حدوث أى عملية استشهادية ، كموقف ثابت ومتواصل . ومما لا شك فيه أن الكيان الصهيونى ليس الدولة الوحيدة التى تحكمها أكثرية دينية ، فالنماذج عديدة ومتنوعة . وبالتالى فإن الالتزام الأمريكى بهوية الدولة العبرية الدينية ، وهو التزام من الإمبراطورية الأمريكية الحاكمة فى العالم ينطوى على دلالات خطيرة ، تتعلق فيما إذا كان ذلك يمثل اعترافاً وإقراراً لإباحة قيام الدول على أساس دينى عنصرى ، وبالتالى يضع مجمل المشروع الأمريكى بنشر الديمقراطية ، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط فى وضعية فقدان المصداقية ، حيث أنه فى الممارسة العملية ، تتخلى الولايات المتحدة عما تدعو إليه من ثقافة التعايش والتقاليد الأمريكية ذاتها فى الوحدة والاندماج على الرغم من التعددية الدينية والعرقية والاثنية ، وضرورة احترام الحقوق الدينية والهوية الثقافية للأقليات ، وهو ما يحرص عليه التقرير السنوى لوزارة الخارجية الأمريكية ،والذى يشكل المرجعية فى برنامج المساعدات والمعونات الخارجية ، إضافة لحقوق الإنسان . بل أن الاعتراضات الأمريكية على أنظمة سياسية ، مثل الجمهورية الإسلامية فى إيران و " نظام الملالى " تفقد مبررها إزاء الإقرار الأمريكى بالأممية اليهودية فى فلسطين ، وهذا التصنيف العنصرى الدينى فى تعريف دولة بديانة ليست هى ما يعتنقه جميع مواطنيها . وقد يبدو واضحاً . حالة التماهى المطلق فى الموقفين والعدوانيتين ، الأمريكية والإسرائيلية ، ولكن يصل الأمر إلى حد مقايضة " الأمن " با " العنصرية " ، فإن ذلك يمثل إنتكاسة وإرتداداً لمضمون التطور فى النظام الدولى وفى زوال العنصرية . وربما تستبق الإدارة الأمريكية حالة " استثنائية " إسرائيل من التناقض مع مبادئ أى نظام دولى مقبل . وقد يبدو مفهوماً الإندفاعة الأمريكية ، والدعم الغير محدود إسرائيل ، لا سيما فى حالة تعرض الكيان الصهيونى " لتهديد وجودى " ، مثلما تطرحه استمرارية انتفاضة الأقصى والاستقلال وحق العودة ، بيد أن ذلك يتناقض حتى مع تحولات داخلية فى الدولة العبرية ذاتها ، واعتراض المتنورين فى " الأحزاب اليسارية والعلمانية " التى تنادى دائماً بدولة ديمقراطية تعددية ، أو كما كان يشيع رئيس الوزراء الصهيونى ، أيهود باراك من مسعاه لتحقيق وإنجاز ثورة علمانية داخل الكيان الصهيونى .
[ 2 ]
يجمع الخبراء فى الشأن الفلسطينى على وظيفية هذا التطور الخطير ، كصيغة توفيقية بين إصرار شارون على أن يعلن أبو مازن ، بصورة واضحة وغير ملتبسة عن تنازل مسبق عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم وديارهم فى فلسطين المحتلة عام 1948 ، وأن يقتصر حل مشكلة اللاجئين على التوطين والعودة إلى الدولة " الفلسطينية " المزمعة ، الأمر الذى كان من الصعوبة بمكان على أى قيادة فلسطينية الأقدام عليه . وبات الأمر يتجاوز مجرد الادعاء ومبررات التأثير فى التركيبة السكانية داخل الدولة العبرية ، وإبداء التفهم لهواجس ومخاوف الكيان الصهيونى بهذا الشأن ، وهى مؤشرات بدت واضحة فى عديد من تصريحات القيادة الفلسطينية ، وأطراف إقليمية مؤثرة فى الشأن الفلسطينى . وللتحايل على حق العودة لأكثر من أربعة ملايين لاجئ ، والقرارات الدولية ذات الشأن والعلاقة ، خاصة القرار 194 ، فقد بات ، " حق العودة " محصوراً فى العنصر اليهودى فقط ، واللاجئون الفلسطينيون ، بحكم التعريف والهوية والدين ، ليسوا يهوداً . وتصدق حقيقة أن استهداف حق العودة ليس مجرد احتيال تفاوضى ، بل وعى إسرائيلى بأن شعب " الدولة اليهودية " ارتكب ضد الإنسانية ما يدينه ولا يحرره من هذه الإدانة سوى تنازل من الضحايا أنفسهم ، وبات واضحاً ، وفى ضوء حديث أبو مازن عن معاناة اليهود وآلامهم ، أن الشعب الفلسطينى لا تقع عليه أدنى مسئولية ، مباشرة أو غير مباشرة ، لا من ناحية التاريخ أو الجغرافيا ، عن معاناة اليهود ، ومأساة اللجوء فى أوروبا . بل على النقيض ، وبحكم طبيعة النشأة والتأسيس لإسرائيل ، كدولة استعمارية ، استيطانية ، ، إحلالية وإجلائية ، تتحمل كامل المسئولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن مأساة اللجوء الفلسطينى وعذاباته . عن القتل والتهجير القسرى والترهيب والحروب المتواصلة فى حملة لإبادة الآخر واستئصاله وتصفية قضيته . ولا يعتد بهذا الخصوص بدعاوى ومنطق الواقعية والبراجماتية ، أو بناء الثقة ، حيث لا يمكن القبول ، تحت أى ظرف من الظروف ، أن يكون تبديد حق العودة ثمناً لقبول شارون " لخارطة الطريق " فهذا احتيال فاضح يمكن القياس عليه مما سيأتى مستقبلاً عبر التفاوض ومرجعية التفاوض . وفى السياق ذاته ، فإن إدعاء العودة إلى " الدويلة " الفلسطينية المرتقبة ، واقتصار العودة إليها فقط ، يعيد إنتاج مأساة اللجوء باستمرار اللاجئ الفلسطينى ، بعيداً عن وطنه ودياره وممتلكاته فى فلسطين 1948 ، حتى لو كانت العودة إلى " وطن بديل " فى الضفة الغربية وقطاع غزة ، أو التوطين خارجها .
[ 3 ]
ويمتد الأمر بتفاعلاته وتداعياته ليطال شريحة أخرى من النسيج والكتلة البشرية الفلسطينية ، بالمعانى التاريخية والوطنية والقومية ، إلى فلسطينيى 1948 ، تلك الكتلة التى يجمع الخبراء على أنها تشكل سبع الشعب الفلسطينى ، أى مليون و 350 ألف نسمة تمثل خمس سكان " الدولة العبرية " ، من حيث الجنسية والمواطنة ، والذين تشبثوا بالأرض والوطن . ومنذ عام 1948 ، حاولت ، " إسرائيل " تكريس المزاعم بأن فلسطين هى أرض بلا شعب للتغطية على حقيقة أن الجالية اليهودية والتى لم تتجاوز نسبة 11 فى المائة من سكان فلسطين عام 1917 ، تتضخم بفضل هجرة غير شرعية – تستهدف الحفاظ على الطابع الصهيونى والأيديولوجى باتجاه " دولة الميعاد – خطط لها تحالف غير شريف بين الصهيونية وبريطانيا إلى نسبة 30 فى المائة عام 1947 ، ثلاثة أرباعهم ولدوا خارج البلاد ، ولا يحملون الجنسية الفلسطينية ، ثم تقوم هذه الأقلية بطرد سكان البلاد الشرعيين من موطنهم ، وهم الغالبية وتشتتهم فى أنحاء الأرض ، وتلاحقهم بالموت والدمار والتشوية السياسى والإعلامى . وفعلياً قامت لإسرائيل بطرد نحو 850 ألف فلسطينى من وطنهم وهم سكان 526 مدينة وقرية وقبيلة وأحلت مكانهم المستوطنين اليهود الذين غادروا أوطانهم الأصلية طوعاً وطمعاً بتأثير الحركة الصهيونية .
بيد أن الحركة الصهيونية لم تفلح فى تهجير كل السكان الأصليين الفلسطينيين ، وتمسك فلسطينيو 1948 داخل " إسرائيل " بمبدأ البقاء فى الوطن ، وكان تعدادهم عقب نكبة 1948 ، قرابة 170 ألف نسمة ، حتى وصل عددهم إلى ما هو عليه الآن ، يتمركزون بخاصة فى الخليل فى الشمال ، وعاصمته الناصرة ، وفى المثلث العربى – فى الوسط ورأسه أم الفحم وقاعدته فى كفر قاسم والطيرة والطيبة ، وفى النقب – جنوباً . إضافة إلى وجود مختلط فى مدن يافا وعكا واللد والرملة وحيفا . وقد فرضت إسرائيل عليهم منذ 1948 وحتى 1966 الحكم العسكرى بموجب قانون الدفاع [ قانون الطوارئ عام 1954 ] ونتيجة لصمودهم وتمسكهم بوطنهم وأرضهم ولأن إسرائيل كانت تسعى لتسويق نفسها دولياً ، خاصة فى الغرب " كواحة للديمقراطية " واحترام حقوق الإنسان ، اضطرت أن تعرض عليهم حمل الجنسية الإسرائيلية أو مغادرة البلاد بعد مهلة محددة ، وقبلوا أن يكونوا " مواطنين " فى دولة إسرائيل ، إذعاناً . أى أنه فى الوقت الذى يعتبر فيه هؤلاء من الناحية القانونية الدولية مواطنين ويتحتم على " إسرائيل " أن تعاملهم على أساس أنهم سكان أصليون ولهم جميع الحقوق والحريات ، طبقاً للقواعد القانونية الدولية بهذا الخصوص ، فإن شيئاً من هذا لم يحدث ولن يحدث ، فالنظام العنصرى الصهيونى ، وأية عنصرية أخرى ترفض بطبيعتها المساواة ، بل يعتبر إجهازاً على المفهوم العنصرى ذاته ، فالاستعلاء الصهيونى المستمد من منطلق الإيمان بأرض الميعاد ، وهذا بالإضافة إلى ربط هذين المفهومين بالإله القوى " الله القوى " واختصاص اليهودية به واختصاصه باليهود ، وصب ذلك فى قالب سياسى ذى نزعة استعمارية شرسة ، استيطانية اقتلاعية واحلالية ، وهى العنصرية الصهيونية ، القائمة بالأساس على نفى الآخر وتهجيره ، ومن ثم تصبح ألوان التمييز مسألة طبيعية وظاهرة يومية إزاء كل من يفرض تواجده بين أولئك العنصريين ، بمعنى أخر تصطبغ الحياة بكافة مناحيها السياسية والقانونية والاقتصادية .. الخ بالصبغة العنصرية التمييزية ، وهى سياسات تمييز مؤسساتى وبصورة منهجية ومبرمجة ، فى ضوء أزمة المساواتية المعلنة والتمييز الضمنى وتلك خاصية ملازمة للمشروع الصهيونى منذ تأسيسه .
وفى ضوء خبرة اتفاق أوسلو وتوابعه ، اعتمدت القيادة الفلسطينية إلى ما اصطلح الخبراء على تسميته " بإقصاء " فلسطيينى 1948 من قضايا الحل النهائى ، وُحدد مصيرهم ، بصورة قسرية ، باعتبارهم حاملى الجنسية الإسرائيلية . بيد أنه فى ضوء هذا التطور ، أصبح ، موضوعياً ، عدم أحقيتهم فى البقاء ، ولا حق لهم بالمطالبة والدعوة للمساواة ، فى سياق تجسيد شعار " دولة لكل مواطنيها " ، فهم بحكم التعريف والهوية والدين والقومية ، عرب مسيحيون ، وعرب مسلمون ، وعليهم الذهاب إلى " الدولة " الفلسطينية ، فهى " الاحق " باستيعابهم . و بالأمكان تصور عدة سيناريوهات لتجسيد ذلك ، أولها ، سيناريو التهجير القسرى ، دفعة واحدة ، للحفاظ على نقاء الدولة اليهودية ، وثانيها ، " التهجير القسرى السلمى " فى ضوء قبول المفاوض الفلسطينى لمبدأ مبادلة الأراضى بين الكيان الصهيونى والدويلة المرتقبة ، على سبيل التوفيق بين التمسك الفلسطينى وفى إطار المبادرة العربية ، بانسحاب " إسرائيل " إلى حدود 4 يونيو 1967 ، والرفض الإسرائيلى لإخلاء المساحة التى اقتطعتها عبر التهويد والاستيطان من تلك الحدود – تشير الإحصاءات إلى وجود 220 ألف مستوطن فى حوالى 160 مستوطنة بالضفة الغربية وقطاع غزة ، إضافة إلى 12 حياً استيطانياً فى القدس الشرقية التى احتلتها إسرائيل وضمتها عام 1967 يقيم فيها أكثر من 200 ألف صهيونى - ، وبقبول مبدأ تبادلية الأراضى ، انحصر الحديث عن التساوى ، أى نسبة 1 : 1 فى المساحة والقيمة إلى المناطق المعروضة من الجانب الإسرائيلى . ولم يعد خافياً أن أرض المستوطنات المنتقاة بعناية فائقة من حيث وقوعها على مصادر المياه الجوفية والتربة الزراعية الخصبة ومواقع اشراف عسكرى استراتيجى ، وابتلاع القدس وتقطيع أوصال الكيان الفلسطينى ، سيتم مبادلتها بمدينة أم الفحم وبعض جوارها ووادى عارة ، وهى ثانى أكبر المدن التى تقطنها غالبية من فلسطيينى 1948 داخل إسرائيل ، بعد مدينة الناصرة ، وتضم 200 ألف فلسطينى . ويتواصل ذلك مع منهج استراتيجى ينصرف إلى اعتبار من يتبقون بمثابة " مقيمين " ، يُسلبون جميع حقوقهم المدنية ، ويتم التخلص منهم بصورة تدريجية ، تحت ذرائع أمنية متعددة ، فى الصدارة منها عدم الولاء للدولة العبرية اليهودية ، أو إبداء أى ملمح من ملامح الفلسطنة ، وتأييد مقاومة الشعب الفلسطينى ، بدعوى مناصرة " جماعات إرهابية " ، مثلما فعلت السلطات الأمنية الإسرائيلية فى 12 مايو الماضى ، من حملة دهم واعتقالات ليلية ، طالت الشيخ رائد صلاح ، زعيم الجناح الشمالى فى الحركة الإسلامية ، وعدداً من قيادات الحركة بتهمة " غسيل أموال " لصالح حركة " حماس " واعتبار الحركة " خارج القانون " ، فى محاولة لإلغاء الهوية العربية الإسلامية لفلسطيينى 1948 .
[ 4 ]
لعله بات واضحاً لماذا تحرص فصائل المقاومة الفلسطينية على إدامة واستمرارية خيار المقاومة . بكافة إشكالها وصورها – كسبيل لا خيار آخر سواه لاستعادة الحقوق المشروعة ، خاصة حق العودة والدولة المستقلة ، كاملة السيادة ، وعاصمتها القدس ، ورفض مقايضة " الدولة المؤقتة " بحق العودة وطرد فلسطيينى 1948 ، مهما كانت التجريدة الدولية بوصف المقاومة إرهاباً ، واستئصال ثقافة المقاومة وخيارها الذى يمثل المعادل الموضوعى لمنهج الاستسلام والتفريط الطوعى بالحقوق الوطنية ، وفى ضوء التماهى المطلق والتآمر الأمريكى المباشر ضد الانتفاضة الفلسطينية ، ومشروعها الوطنى التحررى . ويقتضى الأمر المزيد من الجهد لتجذير ثقافة المقاومة وحق العودة وتوطينها فى الوعى والإدراك والوجدان الفلسطينى ، رغم التحديات والصعاب ، خاصة مع وضوح أهداف ومرامى المشروع الصهيونى ، بجلاء ، فى إنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين ، على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى . وليس من قبيل المبالغة أن تصر المقاومة على تحرير فلسطين . . كل فلسطين ، وعدم التنازل عن هذا الحق ، الذى يبدو حالياً خيالياً ، ولكنه لن يسقط بالتقادم ، طالما هناك شعب مناضل ، عقد العزم على المقاومة ، ورفض التسويات البائسة ، وأوهام " دويلة " على مساحة لا تتجاوز 9% من فلسطين التاريخية .. وسيتواصل صراع الوجود والإرادات ، عبر الأجيال والسنوات ، وإن طال السفر ! |