|
هل كان شارون يعرف أن زيارته الاستفزازية للمسجد الأقصى بتاريخ28\9\2000 ستفجر موجة عارمة من الغضب الفلسطيني ، وستطيح بحكومة باراك ، وتأتي به رئيسا لوزراء إسرائيل ؟ وهل كان يدرك أن حجم الأحداث والتطورات التي أعقبت الزيارة ستكون كبيرة ومؤثرة بهذا الحجم ، وسريعة لدرجة أنها ستعكس ظلالها على مجمل العلاقات والتحالفات الدولية والإقليمية ؟
إن هذه الزيارة وأيا كانت أهدافها ودوافعها ومنطلقاتها قد أسست لمرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني الفلسطيني ، بعد هدوء نسبي في الصراع استمر سبع سنوات ، عقب توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 ، تلك الاتفاقية التي لم تفضي الى سلام حقيقي بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كما توقع الموقعون عليها ، وكانت المفاوضات خلال هذه الفترة تراوح مكانها ، لقاءات وجلسات متواصلة ولكن لا يوجد أي نتائج تذكر على الأرض ، بل على العكس من ذلك استمر الإسرائيليون في سياسة بناء المستوطنات وتشديد الخناق على الشعب الفلسطيني والتنكر للاتفاقيات التي وقعوها والتلكؤ في تنفيذ التزاماتهم تجاهها ، وخرقها في حال تنفيذ جزء منها .
فكانت انتفاضة الشعب الفلسطيني هي السلاح الذي سيدافع به الشعب عن نفسه وعن حقوقه المهدورة وعن مماطلة وتراجع الإسرائيليين في تنفيذ ما كان يتم الاتفاق عليه ، فعمت المظاهرات السلمية ربوع الضفة الغربية وقطاع غزة ، وخرج فلسطينيو الداخل الى الشوارع احتجاجا وغضبا على انتهاك شارون حرمة المسجد الأقصى وتدنيسه لأرضه ، وتعامل الإسرائيليون مع هذه الاحتجاجات بعقلية الاحتلال، بعد أن ظن البعض بان أوسلو قد فعلت فعلها وأحدثت تغييرا في عقليتهم جنوحا نحو المنطق في معالجة الأمور . فكانت ردة الفعل الإسرائيلية عنيفة في مواجهة الأحداث ، فاستخدموا الرصاص الحي والمميت فسقط الشهداء والجرحى ، وأوغلوا في وحشيتهم ضد الأبرياء والأطفال ، وكانت عدسات الكاميرات تطاردهم في كل مكان ، وترصد بطشهم وتنكرهم لكل المعايير الأخلاقية . وعند استعراض هذه الأعوام الثلاثة من عمر الانتفاضة ، فلا بد لنا من التركيز على بعض المحطات الهامة ، بهدف إخضاعها للمزيد من عمليات التحليل والنقاش، خاصة لما تحمله من تضارب في الآراء واختلاف في وجهات النظر، ومن هذه المحطات:- أولا : الزيارة المشؤومة ذاتها للمسجد الأقصى :
حسب اعتقادي فان الزيارة لم تكن صدفة وانما كانت مخططة ومتفق عليها مع أركان حكومة باراك ، وما يعزز هذا الاعتقاد هو حجم القوة العسكرية الإسرائيلية التي رافقت شارون لحمايته وتسهيل مهمته ، وحالة الاستعراض التي واكبت الزيارة وحجم التغطية الإعلامية التي حظيت بها ، وكأنهم بذلك كانوا ينهوا مرحلة ويؤسسوا لمرحلة جديدة من الاحتلال . ثانيا : أحداث الحادي عشر من أيلول :
إن تفجيرات نيويورك وواشنطن قد عكست نفسها على مجمل أوضاع العالم ، وتم استخدام هذه التفجيرات ابشع استخدام من قبل الحكومة الاسرائيلية، التي رأت فيها هدية لها لممارسة اشد أنواع البطش والقتل ضد الشعب الفلسطيني وانتفاضته، وتصريح بالقتل دونما حسيب أو رقيب ، بل وبمباركة أمريكية هذه المرة تحت مبررات محاربة الإرهاب العالمي ، واستفراد أمريكا بقيادة الحرب ضد معاقل ما يسمى بالارهاب ، والاستفادة من تجارب إسرائيل في هذا الشأن . إضافة إلى محاولة اعتبار المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي على أنها شكل من أشكال الإرهاب ، وليست مقاومة مشروعة . ثالثا: الاستخدام المفرط للقوة الحربية الإسرائيلية :
اعتبرت إسرائيل نفسها وأقنعت مواطنيها أنها تخوض حربا حقيقية ضد الشعب الفلسطيني، وبالتالي يحق لها استخدام ترسانتها العسكرية البرية والبحرية والجوية واستدعاء الاحتياط من جيشها ، وتوزيعه في كل بقعة من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية ليبطش ويدمر ويعتقل ويقتل بقرار إسرائيلي رسمي ، وبغطاء عالمي ، وصمت عربي رسمي وشعبي ، ليقف الشعب الفلسطيني وحيدا في مواجهة القوة العسكرية الاسرائيلية العتيدة والهائلة ، متحملا اشد الضربات وأقساها دون أن تهتز له قناعة بشرعية نضاله وقدسيته .
رابعا : الأفعال وردود الأفعال العنيفة :
أثارت ردود الأفعال الفلسطينية الانتقامية على الهجمات الاسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين ، غضب العديد من دول العالم ، من إدانة وشجب ، وتحميل الفلسطينيين المسؤولية المباشرة عن دائرة العنف ، وعدم توجيه الانتقاد ضد إسرائيل ، رغم أن الفلسطينيين يمارسوا حقهم المشروع بالدفاع عن النفس في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية ، ومما زاد في حملة التحريض والاستنكار هو عدم توحد الخطاب الرسمي الفلسطيني حيال أساليب المقاومة مع الموقف الشعبي ، وخاصة الموقف من العمليات الاستشهادية ، وانعكاس ذلك على الوضع الميداني خامسا : غياب قيادة وبرنامج للانتفاضة : تميزت انتفاضة الأقصى بغياب قيادة موحدة لها ، أو حتى برنامج سياسي ونضالي متفق عليه ، وغلب عليها ردات الفعل والمزاجية ، وتضارب المواقف والتصريحات بين القوى السياسية من جهة ، وموقف السلطة الوطنية من جهة أخرى ، حول الوسائل والأساليب النضالية ، والتكتيك والاستراتيجية . وافتقدت الانتفاضة إلى الخطاب السياسي الموحد ، مما افقدها الكثير من عوامل القوة ، والتأخر في إنجاز أهدافها بالسرعة الممكنة ، وبأقل الخسائر الممكنة .
وبعد مرور ثلاثة أعوام من عمر الانتفاضة ، ورغم التضحيات العظيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني ، من شهدائه القادة والرموز والكوادر السياسية والعسكرية والمناضلين والمواطنين الأبرياء ، وما قدمه أيضا من آلاف المعتقلين وعشرات آلاف الجرحى ، ومئات المنازل والعمارات السكنية ومراكز الأجهزة الأمنية ومكاتب السلطة التي تم تدميرها ، وآلاف الدونمات التي صودرت لاقامة الجدار العنصري والمستوطنات عليها ، واتلاف المحاصيل الزراعية واقتلاع أشجار الزيتون والأشجار المثمرة والحرجية ، وتدمير البنية التحتية للمؤسسات والبلديات والسلطة الوطنية .
وبعد هذا كله ، يبقى السؤال : هل حققت إسرائيل أهدافها بإعلان الاستسلام ورفع الراية البيضاء وتركيع الشعب الفلسطيني وتخليه عن ثوابته الوطنية ؟ ولعل المتابع لمجريات الأمور يجيب بثقة كبيرة بأن إسرائيل لم تستطع تحقيق ذلك بالقوة العسكرية ، وان خيار الحل العسكري هو الذي فشل ، بينما لم يفشل الخيار السياسي الذي تنادي به الانتفاضة والمتمثل برحيل الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم وفقا للقرار الأممي 194 . وحتى ذلك الحين يبقى الصراع مفتوحا على مصراعيه ، لعل أحدا يستطيع فتح ثغرة في الطريق السياسي المسدود . |