|
أربكت الهبة الشعبية التضامنية مع الرئيس المنتخب للشعب الفلسطيني ياسر عرفات الحسابات الضيقة للحكومة الإسرائيلية. ولكن حتى لو نفذت حكومة شارون قرارها المبدئي بالتخلص من الرئيس أبو عمار، وعلى الرغم من النتائج الكارثية التي ستترتب على ذلك، فإن عرفات الرمز والعنوان ، ليس وحده القضية الفلسطينية، ولن يستطيع اليمين الإسرائيلي المتغطرس والموغل في تطرفه وعدائه، التخلص من المشروع الوطني الفلسطيني أو إبعاد الشعب الفلسطيني بالجملة، فهذا الشعب سيبقى رقماً صعباً يربك الحسابات الإسرائيلية الصغيرة.
إن هذا القرار العدواني الخطير والذي إستمد الغطاء من العمليتين الأخيرتين في شهر ايلول الماضي، ما كان يمكن أن يعلن عنه لولا الموقف الأمريكي المنحاز والداعم للسياسات الإسرائيلية.
وفي نفس الوقت فقد سجل هذا القرار فشل السياسة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا والقاضي بتغيير القيادة الفلسطينية من خلال عزل الرئيس عرفات وتجريده من جميع صلاحياته من ناحية، مع الإبقاء عليه في المناطق الفلسطينية من الناحية الأخرى.
لقد تبلورت هذه السياسة منذ أن جرى فرض الحصار على مقر الرئاسة في رام الله، لكنها تسببت بالمقابل في نشؤ حالة من عدم الإتفاق بين أطراف اللجنة الرباعية الدولية ولا سيما بين الولايات المتحدة التي أيدت هذه السياسة وبين أوروبا وروسيا والأمم المتحدة اللواتي إعترضن عليها، إضافة إلى المعارضة الفلسطينية والعربية على مختلف المستويات.
نتج عن هذا الإختلاف نوع من التفاهم الصامت من شقين. الشق الأول يمنح لكل دولة حرية التعامل مع من تراه مناسباً ومقبولاً من القيادة الفلسطينية، وبما يعني إفساح المجال أمام إسرائيل لمواصلة سياسة العزل والحصار. أما الشق الثاني فيتعلق بالبحث عن شخصية فلسطينية مقبولة على جميع الأطراف الخارجية بعد منحها جميع الصلاحيات المطلوبة، حتى يتسنى التعامل والتفاوض معها لتطبيق خريطة الطريق، ومن هنا خرج إقتراح تعديل القانون الأساسي الفلسطيني وإستحداث منصب جديد هو منصب رئيس الوزراء، تنقل اليه صلاحيات كاملة ولا سيما في المجالين الأمني والمالي.
وبالفعل فقد جرى تعيين رئيس للوزراء على أمل أن يؤدي ذلك إلى تنفيس الأزمة عن طريق إستئناف التحرك السياسي. لكن مجموعة من العوامل حالت دون ذلك وأدت إلى تصعيد الأوضاع، في مقدمتها تصلب وتعنت الموقف الإسرائيلي وتحفظاته على خريطة الطريق التي وصلت إلى مستوى الرفض، وكذلك رفض إسرائيل لإعلان الهدنة الفلسطيني وشروطها التعجيزية بتفكيك ما تسميه بالبنية التحتية للإرهاب مما يعني من الناحية العملية دفع الفلسطينين إلى نفق الصراع الداخلي.
وفي ظل التأييد الأمريكي لهذه السياسة وغياب دور اللجنة الرباعية والصمت العربي الرسمي، نجح شارون في نقل موضوع الصراع من صراع ضد الإحتلال، إلى صراع حول من يحكم الشعب الفلسطيني، ولذلك فقد حمَّل الرئيس عرفات مسؤولية إستقالة أبو مازن وأصدر قراره بإبعاده أو بالتخلص منه. واستخدم العمليات الأخيرة مبرراً لذلك، لإستكمال مخطط إجهاض المشروع الوطني الفلسطيني وإستبدال القيادة الفلسطينية.
والآن فإن أسرائيل تعلن بصراحة بأن خطة عزل عرفات مع الإبقاء عليه قد فشلت، وأنه لا بد من التخلص منه كحل لجميع مشاكل المنطقة بما فيها تلك المشاكل المتفاقمة والمستعصية التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق. كما تعلن إسرائيل أيضاً بأنها ستنفذ تهديدها بالتخلص من الرئيس عرفات، في التوقيت الذي تراه مناسبا وربما بعد أول عملية عسكرية كبيرة تنفذ داخل الخط الأخضر بغض النظر عن هوية منفذيها أو إنتمائهم التنظيمي!
طبعاً نحن عندما نطالب بدراسة خطواتنا بروية وحكمة بالغة، في هذه المرحلة الدقيقة والصعبة والإمتناع عن تقديم المبررات لشارون لتنفيذ سياساته، فإننا لا نشكك بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الإحتلال، ولكننا نشير في نفس الوقت إلى حقيقة باتت جلية وظاهرة للعيان وهي أن محاصرة القيادة الفلسطينية عربياً ودولياً قد تمت بالتراكم بعد كل عملية إستهدفت المدنيين داخل إسرائيل، وأن مراجعة سجل الأحداث وتطوراتها خلال العامين الماضيين يؤكد ذلك.
من هنا فإن المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني تقتضي منا أن نجيب بصدق على السؤال التالي: هل نحن الآن بحاجة لردود فعل إسرائيلية قد تؤدي إلى ابعاد الرئيس عرفات او الى إنهيار السلطة الوطنية؟ وفي نفس الوقت فإن هذه المصلحة تتطلب بالتأكيد جهداً مخلصاً وحكيماً في تحديد الخطوات وأشكال النضال القادمة من أجل السعي لإستنهاض الإسناد العربي والدولي وحتى يتم كسر قرار إستبدال القيادة والتخلص من رئيسها. إن مظاهر التضامن الشعبي مع الرئيس عرفات تؤكد أن الشعب الفلسطيني يريد بقاء رئيسه على أرض الوطن الذي عاد إليه، وأنه لن يقبل مطلقاً بما تحاول أن تفرضه إسرائيل مهما كلفه ذلك من تضحيات. |