|
مع أصحاب الإعلان السياسي للتجمع الديمقراطي الفلسطيني
طالعتنا الصحف خلال الاسابيع المنصرمة بمجموعة من الاعلانات الصحفية تبشر بولادة "تجمع ديمقراطي فلسطيني", هذا التجمع الذي نشر اعلانه السياسي صبحية يوم 13\9\2003, وقبل ان ادخل في التعليق على بعض القضايا التي أثيرت خلال النشاط الاعلامي وأثارت موجه من الغموض وربما التساؤل حول موقف الجبهتين، والجبهة الشعبية على وجه الخصوص, ومحاولة بعض اعلاميي هذا التجمع البحث عن اعذار واسباب لما سمي بتخلف الجبهتين عن مواكبة مجريات الحوار, قبل كل ذلك يهمني اولا ان أوكد على موقف الجبهة الشعبية الداعم لوحدة كل التيارات المتجانسة في الساحة الفلسطينية فهذا يساهم في انهاء حالة الشرذمة التي يعيشها الواقع الفلسطيني وربما يؤسس لولادة احزاب سياسية قوية يكون لها حضور وفاعلية في الشارع السياسي الفلسطيني.
كما يهمني التأكيد ثانيا, ان بناء البديل الديمقراطي اليساري بهويته الايديولوجية والسياسية والتنظيمية الواضحة هي نقطة برنامجية استراتيجية لدى الجبهة الشعبية ومشروعاً للعمل الدائم والمتواصل, وهذه ليست رغبة بل استحقاق تفرضه لوحة الفرز الطبقي على ساحة العمل الوطني الفلسطيني, وتلبيه للتداخل العميق بين مهام النضال الوطني والنضال الطبقي الاجتماعي الديمقراطي.
اما ما أثير من تساؤل حول موقف الجبهة الشعبية, وصل لدى بعض الناطقين باسم التجمع الوليد الى الايحاء بقصد او بدون قصد الى موافقة الشهيد القائد ابو علي مصطفى بما يمثله من رمزية وطنية وقومية وحزبية على مشروع الاعلان والمبادىء العامة للاعلان السياسي. هذا التشويش يدفعنا لايضاح مجريات الحوار حول هذا المشروع، ليس فقط في محطته الاخيرة بل وايضا فترة سبقت تفجر انتفاضة الحرية والاستقلال في ايلول 2003, فقد سبق وان تداعت القوى الخمس التي تقع في مربع الحالة الديمقراطية الفلسطينية لحوار طالت جلساته في نهاية عام 1997واستمر حتى توقيع السلطة لاتفاق "واي ريفر", وقد اصطدم هذا الحوار بالتباين المنهجي السياسي حول نقطتين مفصليتين حول مفاوضات اوسلو والموقف من المشاركة في سلطة الحكم الذاتي, ومع ذلك فان هذا التباين لم يمنع الجبهة من استمرار الحوار, والانتقال لتنظيم انشطة ميدانية جماهيرية كانت ابرزها مسيرتي الاحتجاج على توقيع اتفاق واي ريفر واحياء احتفالات ذكرى اعلان وثيقة الاستقلال, لكن على ما يبدو فان التناقض مع السلطة واصحاب القرار في منظمة التحريراثر توقيع اتفاق الـ"واي ريفر" قد تطلب منهم موقفا حاسما, ففي الوقت الذي بدأ فيه الاستعداد لتنظيم موتمر موازٍ لعقد المجلس الوطني على شرف الرئيس كلينتون لالغاء الميثاق رسميا، فؤجئنا بحضور هذه القوى لجلسة المجلس الوطني, كما فؤجئنا بتوزيع تعميم داخلي على اعضاء القوى الثلاث المشكلة للتجمع الجديد دعا لقطع الحوار مع الجبهتين الشعبية والديمقراطية والاستعداد لخوض مسيرة بناء التجمع منفردين.
تجددت اللقاءات في الأشهر الاولى للانتفاضة وبعد توزيع الجبهتين لمسودة مشروع تجمع ديمقراطي، وانضم لهذا الحوار عدد من المستقلين وبذل جهد عالٍ متواكب مع حرص الجبهة على انجاح التجربة "ساهم به الرفيق القائد ابو علي مصطفى", المفعم بالحماس لانجاز مشروع البديل الديمقراطي, وقد وصل النقاش المكثف الى اعداد مسودة مبادىء لم تناقش في الاجتماع وحولت الى المراجع التنظيمية لاقرارها.
وقد وقف المكتب السياسي للجبهة امام المسودة وسجل عليها العديد من النقاط النقدية المفصلية بعضها مرتبط بالهوية, والآخر بالسلوك السياسي التكتيكي تجاه المفاوضات, وغياب الموقف الواضح من مسألة المشاركة في السلطة, ومنظمة التحرير بضرورة الدفع نحو اعادة بنائها على اساس ديمقراطي دون الاكتفاء بالحديث المعوم عن التفعيل, لأن اعادة البناء هو شرط ضروري لتفعيلها .......
وقد عرض الرفيق القائد ابو علي هذه الملاحظات على اللجنة التحضيرية, وهذا يعني انه لم يكن منسجما مع المسودة الاولى للمبادىء لأن الرفيق ليس شخصا مستقلا فهو الامين العام للجبهة وموقفه من موقف مكتبه السياسي، هذا اذا لم نقل ان جل الملاحظات قد اثارها بنفسه, وهنا نهمس بأُذن القائمين على هذا التجمع ان الاستناد على عناصر القوة التي تمتلكها التنظيمات المؤسسة لهذا الوليد مشروعاً, لكن ما هو غير مشروع هو استثمار رصيد الآخرين بدرجة تصل الى الاساءة الى قائد مميز لم يسىء لأحد قط.
كما ارفق المكتب السياسي للجبهة اقتراحاً بدافع الحرص على استمرار الحوار بنقل المسودة ومعها ملاحظات التنظيمات والشخصيات المشاركة فيه لدائرة حوار اوسع يجري فيها التقرير بالبرنامج.
اما التداعيات اللاحقة فالكل يعلم ان عناصر جديدة دخلت لطاولة المحاورين أهمها الخلاف حول أساليب النضال والعمليات الاستشهادية, وانفراد هذه القوى باعلان مذكرة نشرت على نفقة الاتحاد الاوروبي تدين وتشجب العمليات الاستشهادية وتضعها في خانة الارهاب.
نعتقد انه بعد هذا الموقف لم يكن ممكنا الحديث عن استمرار الحوار, ومشروع لهذه القوى ان تواصل حوارها وان تؤسس ما تشاء دون اثارة غبار على مواقف الآخرين, فالجبهة لم تغب عن الساحة واعتقال الأمين العام ونائبه ليس سببا في عدم التواصل, وان ممكنات الاتصال بالنائب واردة، كما واللقاء الحي لساعات مع الأمين العام وهذا ما يقتضي التنويه والتأكيد عليه.
وبمراجعة متأنية للإعلان السياسي الصادر عن هذه الحالة نلاحظ: 1- ان البرنامج السياسي لهذا التنظيم هو نفس برنامج القوى السياسية المشكلة لهذا التجمع, وكذلك حال الاعضاء الموقعين عليه.
2- ان الاعلان السياسي الجديد قد هبط عن سقف المسوده التي تقرر نقلها للحوار لدائرة اوسع لتحقيق مشاركة اعلى, فقد عدلت فيه كافة القضايا التي ربما اعتبرها البعض تنازلا سياسيا للجبهتين, ويمكن تدقيق المشروعين.
3- ورد في الاعلان السياسي الجديد قضايا لا اعتقد انها جاءت نتيجة لضعف الصياغه اهمها:
- في نهاية الفقرة الاولى يجري الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة, واعتقد ان هذا الحديث عن السيادة غير كاف ويفترض الحديث عن السيادة الكاملة او غير المنقوصة وليس ايرادها بلغة قد يقرأ منها الإستعداد للتخلي عن جزء من السيادة.
- في الفقرة الثانية يجري تحميل اطراف المقاومة الفلسطينية المسلحة مسؤولية او جزءاً منها في الحملة الدولية على المقاومة وعلى شعبنا, ويصل الامر الى حد استخدام عبارات "اضعاف الطابع الشعبي للانتفاضة". هل حقا جرى اضعاف الانتفاضة؟ ومن المسؤول؟ هل التركيز على الكفاح المسلح او ماسمي بلغتهم "عسكرة الانتفاضة"؟ ام ضعف المنظمات الشعبية والمهنيه للشعب الفلسطيني؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ السلطة واهل القرار في المنظمة ام حالة المقاومة المسلحة؟ التساؤل الاخر، من منع وحال دون ان تضع هذه التنظيمات ثقلها للدفع بالقطاعات الشعبية الفلسطينية لإكساب الانتفاضة الشعبية بعدها وطابعها الجماهيري؟ نستطيع تفهم عدم قدرة او عدم رغبة هذه القوى المشاركة في المقاومة المسلحة, لكننا لا نستطيع تفهم ادانه الظاهرة المسلحة التي شكلت اكثر العناصر قوه في المقاومة.
- في بند الأهداف البند ثالثا يجري الحديث عن حل عادل للصراع على اساس قرارات الشرعية الدولية، فهل قرارات الشرعية الدولية تقدم حلا عادلا؟ جيد ان نطالب بتطبيق قرارات الشرعية الدولية دون الباسها ثوبا اوسع يصل الى مستوى تضمين قراراتها للحل العادل للصراع التاريخي مع الكيان الصهيوني.
- في بند خامسا لا نعتقد ان التحالف مع ما يسمى بـ"قوى السلام الاسرائيلية" كافٍ لمجرد مساندتها لحق شعبنا في اقامة دولته المستقلة فقط، بل وايضا في دعم نضال شعبنا من اجل حق العودة الذي يشكل جوهر القضية الوطنية الفلسطينية الا اذا كان المقصود التحالف الميداني.
- في نفس السياق في بند سادسا يجري الحديث عن قرارات الامم المتحدة ومن ضمنها قرار 242مضافا اليها الحديث عن ضمان حل عادل لقضية اللاجئين طبقا للقرار 194, والتدقيق هنا يتناول جانبين الأول ان القرار 242 يتجاهل حق العودة ويتحدث عن اللاجئين كقضية انسانية, والثاني انه في الوقت الذي بات هذا الحق مستهدفا ويجري فيه تدوير الزوايا ينبغي على القوى التي تطلق على نفسها ديمقراطية ان تبرز هذا الحق بجمل لا تحمل اي التباس, بعيدا عن الصيغ الدبلوماسيه كالحل العادل او العادل المقبول, يجب ان يربط هذا الحل بحق العودة لانه ليس فقط حقا جماعيا بل وفرديا لكل لاجىء فلسطيني.
- في الجانب الديمقراطي في البند الثالث يجري الحديث عن تقعيل م ت ف وهذا مطلب حيوي, لكن كل الدعوات الصادقة بما فيها تدوير الزوايا لم تؤدي الى هذا التفعيل بل زادت في تهميش هذه المؤسسة, واليوم حيث تشكل منظمة التحرير عنواناً ومتراساً لحماية وحدة شعبنا وثوابت قضيتنا الوطنية, فان الدعوة للتفعيل يجب ان ترتبط بنضال عملي خاصة من قبل القوى الديمقراطية من اجل اعادة انتخاب مؤسسات المنظمة، كطريقة ديمقراطية مثلى لبناء مؤسساتها ووضعها على السكة التي تقود لتفعيلها.
- تحت نفس العنوان تضمن البند السابع دعوة لتوسيع دائره اتخاذ القرار بما في ذلك تشكيل حكومة تضم القوى والشخصيات, فتوسيع دائرة اتخاذ القرار ضرورة ملحة وهذه يليها بناء قيادة موحدة مؤقته تضم كافة الوان الطيف السياسي الفلسطيني, اما ربطها بتشكيل حكومة وطنية ربما يؤدي الى تضيق قاعدة اتخاذ القرار وليس توسيعها, فحول هذا الموضوع يوجد العديد من الاجتهادات قد لا ترفض من حيث المبدأ لكن ذلك يتطلب تحديد وظيفة الحكومة وبرنامجها وحدود صلاحياتها خاصة واننا لا نتحدث عن حكومة لدولة وكيان سياسي مستقل, بل لكيان حكم ذاتي تحت سيطرة الاحتلال ورحمته, وعليه ربما ايضا تقود مجريات التناقض الى ضرورة حل السلطة ونقل مهامها لمنظمة التحرير او لقيادة جبهة وطنية فلسطينية متحدة لتعيد للصراع والقضية الوطنية سياقهما الطبيعي، كقضية تحرير وطني لشعب يناضل ضد الاحتلال خاصة اذا ما شكل وجود السلطة عبئا على استمرار النضال الوطني, فالسلطة اي سلطة ليست بالضرورة تعبيرعن اتحاد وطني لقوى الشعب، وسلطتنا ليست كذلك, بل تعبير عن تحالف طبقي في واقعنا يتربع في مركز ثقلها شرائح طبقية طفيلية مستعدة لفعل اي شيء اذا ما تهددت مصالحها بما في ذلك الحرب الاهلية.
وفي النهاية أود ان أُشير إلى أن ما تقدمت به من ملاحظات ليس من اجل المساجلة بل شكلا لإستمرار الحوار الديمقراطي الصريح الذي يستهدف التقاطع حول مساحة اوسع لاتحاد مكونات الحالة الديمقراطية, وهي في نفس الوقت تأكيد على جاهزية الجبهة للتعاون الكفاحي مع اي قوة او تجمع في المجتمع الفلسطيني حول قضايا النضال الوطني والديمقراطي.
مع تمنياتي للرفاق اصحاب هذا البرنامج بالتوفيق. |