|
ِيخاطبه البعض بإضافة لقب دكتور إلى أسمه ,مع أنه في توقيعاته لمقالاته ، أو التعريف بنفسه لا يشير إلى هذا اللقب ، ولا أعرف ان كانت تلك المخاطبة ترجع الى حصوله على هذه الدرجة العلمية بالفعل ، أم أنها فقط رغبة في التعبير في التقدير والاحترام, ولكن الذى اعرفه انه أكبر من أي لقب يطلق عليه, وأن اسمه المجرد أكثر احتراما من أي محاولة للتعزيز أو الإضافة ، حتى لو كان حاصلا عليها أو يستحقها فاللقب محاولة للتعريف بالشخص، أو تقديمه ، ولكن الشخص أن أصبح هو بذاته طاقة للإشعاع والتأثير، فما حاجته حينئذ للألقاب أو التعريفات .
أن هذه الطاقة هي الدور الذي يلعبه على الساحة السياسية ، والثقافية بجهد متواصل ومثابرة ملحوظة، والتي إن وضعناها موضع التقييم وفق أي مقياس فسوف نجد أنها أكبر وأعرض من تلك الحروف التي تصنع لقباً أو تحاول التعبير عن مكانة.
أن دوره الآن استمرار لتاريخه الوطني وهذا كفيل أن يضع أسمه في مصاف الأسماء التي تصغر بجوارها الألقاب ، فحركت جعلت منه علماً ودوره صنع منه رمزاً. وقد يكون البعض – وأنا منهم – لم يتعرفوا على خير الدين حسيب إلا من خلال تعرفهم على إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية ، والإنتاج الغزير الذي يصدر عن هذا المركز ، وفي الوقت نفسه تلاحظ انه إنتاج يتميز بالجودة ، من حيث الموضوعات المختارة للبحث، أو الكتاب الذين يتم اختيارهم للمعالجة، ولا أغالي إن أدعيت أن الكثير منهم باحثين ممتازين وبعضهم يدخل في عداد المفكرين المعدودين . يضاف إلى ذلك أن إصدارت المركز على تنوعها وتعددها تثير انتباهك بجمال الإخراج وحسن الطباعة. أي انها في النهاية إصدارت معدة سلفاً لكي تقرأ ثم لا تهمل ،وانما تحتل مكانها في مكتبتك ، لتكون لك مرجعا باقيا ، ومثل هذه المواصفات تكشف عن نوعية الرجل الذي يدير مثل هذا العمل ، وتشير بوضوح إلى أنه رجل لا يقدر قيمة الكلمة فحسب ، ولكنه يدرك كذلك دورها البالغ الأهمية في الحفاظ على الذاكرة الفكرية والتاريخية للأمة ، أي دور الثقافة في استنهاض الأمة ، خلال هذه الفترة العصيبة ، من حياتنا ، التي تتزاحم فيها الانكسارات والكوارث ، بداية من الزيارة المشؤومة التي قام بها الرئيس السابق أنور السادات إلى القدس ، حتى الغزو البربري للعراق وما صاحبهما من إهدار للمصالح العربية المشتركة ، والانكفاء على المصالح القطرية الضيقة ، وإحلال العدو مكان الصديق إن لم يكن الشقيق ، والغياب الكامل للإدارة العربية، والإصرار المتعمد على هدم الجامعة العربية, والتشهير بأمينها العام ، إزاء محاولاته للحفاظ على إطارها التنظيمي ، وتنقية الأجواء بين الدول الأعضاء، والتصدى لمحاولات الهيمنة الأمريكية والصهيونية على مقدرات الأمة.
كل هذه الإنكسارات الحادة كان لابد أن تطرح رؤى وأفكار جديدة تتخطى هذا الواقع المهين الذي يعيشه المواطن العربي تحت أي سماء عربية ، وكان لابد لأصحاب الفكر الواضح، والهمة العالية ، والإحساس الكامل بالمسؤولية التاريخية أن يتحركوا لفتح نوافذ جديدة، وطرح مبادرات مستحدثة تتلاءم مع طبيعة المرحلة واحتياجاتها ، وكان هذا الرجل واجتهاداته ، ومجموعة أخرى من الرجال، الذين كانوا بطبيعة رؤاهم وتكوينهم الفكري، أكثر وعيا بخطورة الواقع، وأسرع استجابة لدواعي المرحلة ومتطلباتها، بل ولضرورتها ، في التأكيد على الثوابت الوطنية والقومية والدينية . ومن ذلك المنطلق ، كانت الدعوة إلى عقد المؤتمر القومي العربي الأول ، وهو بالمناسبة ليس حزبا ، ولا تنظيما ، ولا يضم أصحاب الفكر القومي العربي ، بالمعنى الضيق ، أو الايدولوجى للكلمة فقط وإنما يأخذ في رحابه كل من توفر لديه الإحساس بالخطر الذي يحدق بالأمة ، من جراء محاولات التقسيم، أو فقدان الاستقلال ، أو الهيمنة على الثروات، وإقامة القواعد العسكرية، والتأكيد على ثوابت الأمة في حرية الرأي والتعبير ، وترسيخ قيم الحرية والديمقراطية، والاستقلال الوطني ، والانتماء العربي ، والحفاظ على الأمن القومي العربي ، ورفض كل ما يهدده. وقد نجحت الفكرة منذ بداياتها ، وتجمعت في إطارها نخب ثقافية وقوى سياسية واعداد نشطة ، وكانت بمثابة مرحلة جديدة للفكر القومي العربي الذي ملأ بريقه سماء الأرض العربية في الخمسينات والستينات ، حين شهدت الأرض العربية أشرس المعارك ضد قوى الاستعمار المباشر ( الاحتلال ) وغير المباشر ( الأحلاف ونظريات الفراغ) عبر دعوة القومية العربية ، والمصير المشترك، وتمثلت نتائج هذه المعارك, في ارتفاع أعلام الحرية في الكثير من العواصم العربية,وفي استرداد الثروات العربية من الأيادي التي اقتنصتها أيام النهب الاستعماري, من خلال عمليات التأميم، كقناة السويس والبترول.
وبنجاح تلك الخطوة ، وانعقاد المؤتمر القومي العربي الأول، منذ نحو أربعة عشر عاما ، الذي مثل صيحة تحذير من الخطر الذي يهدد الأمة من انقسامها ، وترك معالجة قضاياها لغيرها ، كان لابد بعد ذلك من الإقدام على خطوة أخرى تمثل بعدا أعمق ، وإذا كان الأمر ممكنا ، أن تجمع نخبة من تيار متجانس ، فإن التحدي الحقيقي أن تجمع معك تيارات أخرى ، تختلف معك في قضايا أخرى ، ولكنها تقف معك في نفس الخندق بالنسبة للقضايا الأساسية ، وهي الديمقراطية ، والاستقلال الوطني ، ورفض الهيمنة الاستعمارية والصهيونية ، وكان انعقاد المؤتمر القومي العربي الإسلامي، نجاح أخر للقوى الوطنية والقومية ، في تخطي صراعاتها، بل وخصوماتها تحت الإحساس بالخطر الداهم، والهجمة الشرسة.
ولأن الفكرة صحيحة ، والدعوة إليها ملحة ، كما أن القائمين يتمتعون بإيمان حقيقي لما يدعون إليه، بالإضافة إلى حسن السمعة ، ونظافة الاسم ، فقد كان منطقيا أن تتزايد أعداد المشاركين في هذه اللقاءات, ومناقشة القضايا التي أصبحت تفرض نفسها على الساحة العربية .
وقد كان مع الرجل ، ومن حوله رفاق أشداء، لهم من إيمانهم بالعروبة، ومتابعاتهم للجهود ، وقدرتهم على وصل الليل بالنهار بما حقق لهذه الأفكار قدرة أوسع على الانطلاق في الأرض العربية على اتساعها ، تجمع المزيد من الطاقات التي تزداد بها قوة وتأثيرا .
ولكن يبقى للرجل- قبل كل ذلك أو بعده – إنه الراعي, وأنه الساهر ، وانه في مبادراته كان الموقف الشريف في الرجال الشريف. يبقى للرجل انه لم يتوقف عند نشاط واحد، حتى وإن كان قد حقق فيه نجاحا أكيدا، ولكنه كان دائما يتطور من فكرة إلى فكرة, ومن مبادرة إلى أخرى ، ولايسكن عند واحدة.
يبقى للرجل أنه واحد من البنائين الكبار ، القائمين للجسور بين التيارات ، الداعمين للتعاون والتواصل والحوار بين كل القوى والمنظمات العربية ، القادرين على الحشد والإقناع ، كنا لو أن الزمن قد أدخره لوقت عصيب ، يتعرض فيه الفكر القومي، للضربات ، وقد تقدم الرجل ولم يتوازن، وحمل الأمانة ، وفاء للفكر وللأمة، ومازال يصارع واقفا على قدميه، ببسالة الجنود، وإيمان الأنبياء. |