|
في قمة العقبة التي عقدت أوائل شهر حزيران المنصرم ، أشار كل من الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس دولة إسرائيل المتطرف أرئيل شارون إلى دولة إسرائيل "اليهودية" وهو مصطلح جديد يطفو على السطح مع أن حكومات إسرائيل السابقة حاولت قدر الإمكان أن تكون إسرائيل دولة يهودية وبأغلبية يهودية مطلقة، وتم تكرار ذكر المصطلح أكثر من مرة خلال الأسابيع الماضية من قبل الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاباته وكلماته العديدة وأعاد ذكره آرئيل شارون خلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض ولقائه الرئيس بوش.
الإعلان عن هذا المصطلح "دولة إسرائيل اليهودية" له معانيه السياسية الخطيرة ، ويؤشر إلى أن العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين والأساسيين يواجهون خطر أن يصبحوا غرباء على أرضهم وسيتم التعامل معهم على أنهم أجانب... والخطوات المقدمة لتطبيق مخططات تهويد "إسرائيل" بدأت تنفذ منذ فترة طويلة وعلى نار هادئة من دون أن ينتبه أحد إلى هذه المخططات. والتساؤل الذي يمكن طرحه: لماذا هذه المخططات لتهويد "إسرائيل"؟! والإجابة يمكن أن تكون بالأرقام إذ أن عدد سكان "إسرائيل" حوالي 6.5 مليون منهم 1.200 مليون عربي , أي أن عدد اليهود في "إسرائيل" هو5.300 مليون نسمة , وهناك حوالي مليون يهودي يحملون الجنسية الإسرائيلية يقيمون خارج "إسرائيل"... ولهذا فإن عدد اليهود الفعلي في الدولة الإسرائيلية يصل إلى 4.300 مليون مقارنة بمجموع المواطنين العرب الفلسطينيين في الداخل وفي الضفة والقطاع الذي يصل إلى حوالي 4.300 مليون نسمة أيضا ، أي أن اليهود والعرب متساوون في العدد مابين النهر والبحر وفي فلسطين التاريخية ، والتكاثر العربي كبير مقارنة بالإسرائيلي، وإن عدد المهاجرين الجدد خلال السنوات العشر القادمة لن يصل إلى أكثر من مليون يهودي على أبعد تقدير .. ولذلك فإن " إسرائيل " تواجه وبصورة فعلية أزمة ديمغرافية خطيرة جدا ، وعليها أن تتخذ خطوات فعلية لمنع زيادة عدد العرب في الدولة ، والتخلص منهم إذا كان ذلك بالإمكان وبصورة هادئة ومن دون أية ضجة إعلامية.
ومن هنا بدأ الإعداد للتخلص من عدد العرب في "إسرائيل" عبر خطوات مقدمة لذلك ومنها :
1- منع منح الجنسية الإسرائيلية لأي شخص كان ذكرا أم أنثى تزوج ممن يحمل الجنسية الإسرائيلية ، وبخاصة العرب أي أنه إذا تزوج مواطن فلسطيني من عرب 1948 من امرأة تقيم في الضفة فإنها لن تحصل على الجنسية الإسرائيلية.أو الإقامة داخل " إسرائيل ", وكذلك فإن الأولاد لن يسجلوا أيضا في بطاقة هوية الأب ، مما يضطر الأب إلى العيش مع أفراد عائلته في الضفة ، وبالتالي يفقد الجنسية الإسرائيلية ، وهذا القرار الجديد يصيب عشرات الآلاف من الأشخاص والأطفال الذين أحد والديهم ليس من مواطني "إسرائيل" وحاملي جنسيتها.
2- تطبيق قانون قديم ينص على أن من أقام فترة سبع سنوات خارج حدود"إسرائيل" يفقد حق الإقامة فيها . وهذا ينطبق على عشرات آلاف من المقدسين الذين يقيمون في ضواحي القدس مثل الرام ، العيزرية , وأبو ديس وزعيم وغيرها... وكذلك أولئك الذين يحملون بطاقة القدس الزرقاء والذين يقيمون بالخارج ويعملون هناك في دول الخليج لكسب رزقهم اليومي.. أو أولئك الذين يدرسون في الخارج في أوروبا وأميركا. 3- التأكد من أن المهاجرين إلى "إسرائيل" هم يهود حقيقيون، وإن المهاجرين الذين وصلوا إلى "إسرائيل" منذ سنوات ولم يكونوا يهودا تعمل الحركة الصهيونية على "تهويدهم" عبر خطوات عديدة بدلا من أن يرحلوا إلى الديار التي قدموا منها مثل الروس والأثيوبيين . ولكن ماهي المخططات الأكبر التي سيتم تنفيذها للتخلص من أعداد كبيرة من العرب داخل "إسرائيل"؟! قد تكون مثل هذه المخططات لبعض المراقبين عجيبة ومستحيلة ولكنها حقيقية فعلا. إن العمل السياسي يجري لإقامة دولة فلسطينية "قابلة للحياة" وليست مستقلة, إلى جانب دولة "إسرائيل" اليهودية. الحل النهائي الشامل يتضمن خطوات منها :
1- تقام الدولة الفلسطينية بشكل أساسي في قطاع غزة . 2- الدولة الفلسطينية لها سيادة إدارية على معظم مناطق الضفة الغربية . 3- المستوطنات تبقى قائمة بعد أن تجمع في تكتلات رئيسة . والتخلص من المستوطنات الصغيرة المنتشرة هنا و هناك .. ومقابل المستوطنات يتم تبادل أراضي وذلك يعني منح سيادة إدارية على منطقة المثلث للسلطة الفلسطينية. أي بمعنى أدق التخلص من حوالي نصف مليون عربي داخل منطقة المثلث ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية . والسماح لهم أو إجبارهم على حمل الجنسية الفلسطينية أو جواز السفر الفلسطيني الذي تصدره السلطة الفلسطينية . 4- جميع القاطنين حول مدينة القدس العربية سيجبرون على أن يكونوا تابعين للسلطة الفلسطينية وسيحملون جواز سفرها أيضا.. أي التخلص من حوالي 200 ألف مقدسي وابقاء حوالي 50 ألف تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة . 5- وبما أن هناك سلاما وتعايشا فأن العرب الفلسطينيين المقيمين في مناطق الخليل الغربي والأعلى والنقب سيجبرون على حمل هوية السلطة الفلسطينية . ويتمتعون بحقوق محدودة في "إسرائيل" ويفقدون الجنسية الإسرائيلية وحق الانتخاب للبرلمان ( الكنيست الإسرائيلي ) .
وبذلك تتخلص إسرائيل أيضا من أكثر من نصف مليون عربي آخر . ويبقى عدد قليل من العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ، وبذلك تكون الدولة عبرية / يهودية حوالي مائة بالمائة ، ولن يكون هناك أعضاء عرب في البرلمان الإسرائيلي ومن أجل تطبيق ما ذكر من مخططات فإن إسرائيل مع أمريكا تصران على أ، يكون نظام الحكم في السلطة الفلسطينية ديمقراطيا ومشابها لنظام الحكم الإسرائيلي من أجل ألا يكون هناك أي تغيير في ما يتمتع به المواطن العربي في "إسرائيل من ميزات مثل التأمين الصحي والاجتماعي ، وحرية الانتخاب والتعبير " المحدود " عن الرأي .
ولهذا السبب أيضا تعارض أميركا إقامة الجدار الفاصل مع الضفة لأنه من المفروض أن " يهدم " مستقبلا لتنفيذ المخططات التي ذكرت ، إذ أنه لا بد أن تكون هناك حدود مفتوحة ، وحرية التنقل، والسيادة الأمنية الكاملة هي لإسرائيل كما جاء في نصوص اتفاق أوسلو وبخاصة في مناطق الضفة الغربية.
ولهذا أيضا تصر " إسرائيل " على مصادرة أو إلغاء حق العودة لأبناء الشعب الفلسطيني لا إلى الدولة الفلسطينية ولا إلى " إسرائيل " لأن " العودة " تعنى أزمة ديمغرافية جديدة إذ أن " إسرائيل " معنية في أن يكون عدد العرب أقل بكثير من عدد اليهود في فلسطين التاريخية الواقعة ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط خوفا من المستقبل وحفاظا على اليهود في الدولة العبرية .
أن من يتابع السياسة الإسرائيلية المرسومة منذ عشرات السنين يصل إلى نتيجة أن هذه المخططات واقعية وليست خيالية .. ولربما تحتاج إلى سنوات لتطبيقها ولكن المهم في نظر " إسرائيل " أن يكون الحل لصالحها ، وهذا ما تسعى إليه وتساندها في ذلك الإدارة الأميركية مساندة قوية ومتينة .
المستقبل لا يبشر بحل عادل مائة بالمائة لتشعبنا الفلسطيني ، و لا يبشر بحصول شعبنا على جميع حقوقهم المشروعة.. وهذا المستقبل صعب جدا وسيفرض على أمتنا العربية ، ونشك وللأسف أن تكون هناك معارضة فعلية له ، بل ستكون معارضة كلامية فقط ولكنه سيطلق وحسب المزاج الإسرائيلي. مع توقعنا أنه لن يكون حلا أبديا بل ستأتي فترة ربما تعد عقود أو قرون تتغير فيها الأحوال والأوضاع وبعاد النظر في هذا الواقع المفروض على شعبنا الفلسطيني. |