|
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وعودة المقاتلين إلى بلدانهم، المنـتصرون منهم والمنهزمون، برز على الساحة الدولية فراغ كان من الصعب ملؤه بمعزل عن دور سيادي للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت وحدها القادرة على ملء هذا الفراغ، من خلال مشاريع ومعونات اقتصادية قدمت إلى الحلفاء بعد الآثار الاقتصادية الهائلة التي خلفتها الحرب، وكان أن برزت فكرة ما عرف بمشروع مارشال لتقديم المعونات الاقتصادية للدول الأوروبية المنهزمة في الحرب، وهكذا ارتبطت السياسة بالاقتصاد تحت راية أمريكية باسم التحرير والحرية ولهذا، ومن هذه الحقيقة، كان الدور الأمريكي يبرز دائمـًا كلما بحثت العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة هذه العلاقات التي تستـند إلى المحور الثلاثي بين الدول اقتصاديـًا وسياسيـًا وعسكريـًا.
بعد الحرب العالمية الثانية كان لا بد من مشروع كمشروع مارشال، ولكن بالقفز فوق المسببات التي تختلف من حال إلى حال فابتدعت الولايات المتحدة الأمريكية ظاهرة (الشرطي) المنفرد على الساحة الدولية، وهذه المرة انتقلت المواجهة من العدو النازي إلى العدو الشيوعي!!!
هنا باختصار يمكن وصف حال العالم على أنه كان مواجهة عقائدية، واستطاعت أمريكا في هذا المجال أن تسوق محورًا ثلاثيـًا هائلا من خلال تعميق رفع شعارات الحرية التي دافعت عنها واشنطن وقاتلت من أجلها وكان لها بالطبع تحصيل الغرم بحيث صارت أمريكا أشبه بعائلة من عائلات المافيا التي تؤمن بالحرية والديموقراطية، أو هكذا حاولوا تسويق دعوتهم للحرية.. التي لا تتجاوزهم، كان الهاجس الأمريكي دائمـًا الحديث عن الحرية وأحيانـًا في مواقع لا تمت إلى الحرية بصلة أو قد تكون على أحسن الأحوال حرية مفصلة على ذوق الكيان الأمريكي، وهنا لا بد من وقفة سريعة جدًا عند (ترويض) الشعب الأمريكي على المناداة بالحرية وكأنها سلعة.
المواطن الأمريكي يتحدث عن الحرية كما يتحدث عن تفاصيل عطلة نهاية أسبوع قضاها مع أصدقاء له.. المطلوب منه يتوقف عندما يصل الأمر إلى ضرورة التفريق بين العام والخاص ومن هنا يتوضح حرص أمريكا على الشكليات، فمثلا عند وصول أي مسافر أمريكي أو أجنبي إلى أمريكا عبر ميناء نيويورك يستقبله تمثال للحرية مصنوع خارج الولايات المتحدة وهذه صورة ليست غريبة حيث من قياسها على العديد من صور العطش الأمريكي للالتـزام فهو يؤمن بالحرية على قدر ما ترتبط هذه الحرية بمصالحه.
ومن نماذج عقدة الالتـزام نموذج عايشته بنفسي في مطلع الثمانينات حين استوقفني خبر على صدر غلاف الصحيفة المسائية اللندنية الوحيدة يومها يقول أن بلدية- لا أذكر اسمها- قد عقدت صفقة مع المدينة الأمريكية في نيواورليانز لبيعها خردة الجسر لأهل المدينة الأمريكية لأنهم يرغبون بنصب الجسر من جديد واعتبارها عملا فنيـًا تراثيـًا.
أمريكا عند الأمريكيين تربطها شعارات وأحلام ولهذا كان التخبط والخوف والحذر والغضب ونستطيع أن نمضي مع قائمة طويلة من الأوصاف التي هزت كيان الرئيس الأمريكي في ما عرف بأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) فقد غضب الرئيس الأمريكي جورج بوش وهو يراقب تفاصيل أحداث أيلول ليس للخسائر التي تكبدتها أمريكا من جراء هذه الأحداث بل من الغضب على كسر هيبة أمريكا بهذه الأحداث ولعل هذا ما دفع جورج بوش الصغير للتركيز على ترديد عبارات هيبة أمريكا وأمن أمريكا لاسيما بعد تفاقم الأحداث التي أوصلت أمريكا إلى ساحة حرب غير متكافئة مع العراق.
والمثير للسخرية والامتعاض ما يردده الرئيس الأمريكي والمسؤولون الأمريكيون عن شعارات الديموقراطية والحرية في الوقت الذي يطعنون فيه الحرية مع كل صباح ومساء، ففي اليوم الأول للعدوان على العراق كانت أول التعليمات منع أي وسيلة من وسائل الإعلام من نشر أو تصوير أية أنباء حول ما يدور على ساحة المعركة وهذا باسم الديموقراطية التي يبشرنا فيها جورج بوش بانـتصار الحرية على أعداء الحرية!!! إن الولايات المتحدة رغم كل ما تمثله من طاغوت تقف عند مفارق طرق تكشف يومـًا بعد يوم مدى ما وصل إليه حال العالم مع التفرد الأمريكي على الساحة الدولية.
وسوف يذكر التاريخ الإنساني دائمـًا الولايات المتحدة على أنها أكثر أمم العالم كراهية من قبل الآخرين طوال تاريخ الإنسانية، وسوف يذكر التاريخ أيضـًا كيف استغلت واشنطن تفوقها العسكري للقتل والسرقات والنهب في أنحاء العراق وجنودها يرفعون أعلام حرية وأدوها ومعالم ديموقراطية أذلوها وهم كالحرباء لا يتوانون عن قتل وإذلال كل من يقف في طريق أطماعهم وخداع المجتمع الدولي في كذبتهم الكبرى بامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل.
إن ما يجري على الساحة السياسية في العراق هو مجرد نموذج لما تخطط له الإدارة الأمريكية في التعامل مع الأحداث.
لقد أعاد بوش الصغير العالم إلى حقبة الخمسينيات من هذا القرن.. إلى الحقبة الاستعمارية في عالم لم يعد بإمكانه تحمل الوجود الاستعماري في مرحلة وصل فيها الإنسان إلى الفضاء، إن عالمـًا جديدًا توضع له قواعد خاصة حاليـًا وهو عالم سيكون أكثر عدوانية على الأقل بالنسبة لنا نحن العرب.
إن ما يحدث في العراق حاليـًا إنما هو ترجيع صدى لتاريخ طويل من العدوان الأمريكي بدءًا من كوريا مرورًا بفيتـنام وصولا حاليـًا إلى العالم العربي. عندما سيكتب ذات يوم عن هذه المرحلة من التاريخ سوف يلاحظ ويدرك المرء دون عناء أن السياسة الأمريكية تسير ضد عجلة التاريخ.
إن العدوانية الأمريكية والصمت الدولي والتخاذل العربي كلها مؤشرات لحالة تبديل لا بد أنها جاهزة للتحرك في مسار تاريخي يعتمد على حتمية حدوث ما يجب أن يحدث.
إن البحث عن الديموقراطية لا يمكن أن يكون عن طريق إذلال الشعوب، كما لا يمكن له أن يكون وليد أهواء من أي مستوى كان.. إن العالم قادم إلى مرحلة جديدة من تاريخ الإنسان ومهما كانت التكهنات لن يكون هناك دور كبير للولايات المتحدة في عالم المستقبل.. لأن عالم المستقبل هو عالم خير ومحبة. |