|
حلقة في مسلسل العداء للفلسطينيين

لم يكن الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن حول قرار إبعاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات غريبـًا أو مستهجنـًا.! فلم يكن لدى الشعب الفلسطيني ولا العربي في أي يوم من الأيام، أية أوهام حول حقيقة الموقف الأميركي أو مدى إلتزام الإدارات الأميركية المختلفة بالدفاع عن إسرائيل ورعايتها، فسجل واشنطن حافل في (الانحياز التام لإسرائيل)، خاصة وأن هذا الإنحياز قد لعب الدور الأول والأساسي بجانب تبعية الدور الأوروبي بصفة عامة والبريطاني بصفة خاصة في تقويض كل الجهود التي هدفت لتنفيذ قرارين الأمم المتحدة رقم ( 181) الخاص بالتقسيم، والقرار ( 194) الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين، وهما القراران اللذان يمثلان القاعدة الشرعية لتسوية قضية حقوق الشعب الفلسطيني في إطار ميثاق الأمم المتحدة، مرورًا بكونها العاصمة الأولى التي أعلنت إعترافها بقيام إسرائيل، حيث مثلت خطوة الرئيس الأميركي هاري ترومان بالإعتراف بدولة إسرائيل بعد أحد عشر دقيقة من إعلانها بداية التجسيد العملي لسياسة أميركا المؤيدة لإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين، كما صاحب ذلك الإعلان التعهد بتقديم الدعم المتواصل الذي عبرت عنه الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتنامى الدعم حتى وصل إلى تحالف إستراتيجي: عسكري واقتصادي وسياسي بدرجة غير مسبوقة، وأكدت الأوساط الأميركية على ذلك التحالف دون أية تحفظ، كما عملت على تقديم الدعم المتواصل لضمان تفوق إسرائيل إقليميـًا على جيرانها، حيث أكد جميع الرؤساء الأميركيين على " مساعدة الإسرائيليين في صياغة المعاهدات الأمنية المشتركة التي تضع أمن إسرائيل مع أمن الولايات المتحدة كتفـًا بكتف"..!!
شاهدنا ذلك في الدور الأمريكي في نكسة يونيو " حزيران" 1967م ، وتحويل حرب أكتوبر " تشرين أول " ( 1973م ) الى هزيمة سياسية للعرب توجت باتفاقيات كامب ديفيد ، وعزل مصر بقوتها وثقلها عن الأمة العربية ، وبغزو لبنان عام 1982م ، وإحتلال أول عاصمة عربية ، وتزويدها إسرائيل بكل أسباب القوة العسكرية والإقتصادية والدعم االسياسي في المحافل ، ومسارعتها لإنقاذ إسرائيل من خلال الدعم المالي الأميركي الذي زاد عن ألف مليار دولار ، حيث كان نصيب الفرد في إسرائيل من أموال دافعي الضرائب الأميركية أكبر من نصيب المواطن الأميركي في أي ولاية تقارب عدد سكان إسرائيل، وأخيرًا المحاولات الأمريكي اليائسة لإجهاض انتفاضة الاقصى المباركة من خلال حماية النفوذ السياسي الإسرائيلي ، والفيتو في مجلس الأمن الذي منع دائمـًا إدانة إسرائيل بتعطيل إرادة المجتمع الدولي من أن تردع السلوك الإسرائيلي المستهين بشرعية الأمم المتحدة ، ومنع مجلس الأمن من إرسال قوة حماية دولية لحماية الأطفال الفلسطينيين الذين يتدرب جيش الإحتلال على خطف أعناقهم وقص أعمارهم في الأراضي المحتلة ..!!
ألم يؤكد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ( أن معارضة إسرائيل لإرسال قوة دولية إلى الأراضي المحتلة يعني أن هذه القوة لن تكون ) ..!!
والغريب أن سياسة أميركا الحالية في الشرق الأوسط ما زالت محكومة بذلك الخطأ الإستراتيجي " الإنحياز التام لإسرائيل " ولم يغير زوال عهد الحرب الباردة ، وتفكك الإتحاد السوفييتي ، وتفرد الولايات المتحدة بأحادية النفوذ السياسي والدبلوماسي والإقتصادي والعسكري في تغيير تلك السياسة ، بل العكس فقد حصل تفعيل غير مسبوق النشاط لمبدأ الإنحياز لجانب إسرائيل وخصوصـًا منذ إنطلاق عملية السلام من مؤتمر مدريد في نهاية أكتوبر 1991م ، حيث تجاوز التحيز الأميركي لإسرائيل كل الحدود ، حتى وصل إلى درجة التطابق الكامل مع كل ما يصدر من داخل إسرائيل ..!!
يمكن أن يقال الكثير عن تاريخ وحجم العداء الأميركي للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه الوطنية المشروعة ، ويمكن إيراد الكثير من الأمثلة على الإنحياز الأميركي لإسرائيل ومساندتها سياسيـًا وإقتصاديـًا وعسكريـًا , طوال أكثر من نصف قرن من تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي , رغم التأكيد على أنه لم يعد يهم صناع القرار الأميركي أن يُـتهموا بموالاة إسرائيل وبالإنحياز لها وتسخير النفوذ الأميركي السياسي والإقتصادي والقوة العسكرية لحماية إسرائيل حتى من قرارات الشرعية الدولية التي تصدر عن مجلس الأمن المنوطة به مسؤولية الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين ..!! ، فقد إعتبرت الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ إنشاء الكيان الإسرائيلي دعمها لهذا الكيان كأحد ركائز السياسة الخارجية الأميركية ، لكن هذا العداء والإنحياز لم يكن واضحـًا وجليـًا ومسرفـًا في عدائه وإنحيازه كما ظهر خلال إنتفاضة الأقصى ، فلم يترك الأميركيون وسيلة إلا وقاموا بها لوقف الإنتفاضة الفلسطينية سواء في عهد الإدارة الأميركية السابقة أو الحالية من خلال تبني مواقف الحكومة الإسرائيلية وإعادة تصديرها على أنها أميركية الصنع في حين أنها إسرائيلية قلبـًا وقالبـًا ..!!
لقد أشعلت الإنتفاضة المزايدات بين الكونجرس والبيت الأبيض ، وأصبحت المادة التي يتسابق عليها مرشحو الرئاسة ، وعمادة نيويورك ، وإنتخابات الكونجرس وتشكيل أعضاء الحكومة ، حتى وصل الأمربالرئيس الأميركي جورج بوش الذي أعطى الضوء الأخضر لمجرم الحرب شارون بشن الحرب على كل ما هو فلسطيني من قتل يومي لقادة ونشطاء الانتفاضة، وقصف المنازل الآمنة بالطائرات، وإعادة احتلال الأراضي الفلسطينية، وتدمير ما تبقى من البنية التحتية للمؤسسات المدنية الفلسطينية، والإستمرار في الضغط على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من خلال محاصرته في مقره في رام الله والتهديد باغتياله في محاولة بائسة للقضاء على الإنتفاضة أن يعلن "أنه لو كان محل شارون لفعل ما فعله شارون بالفلسطينيين " ..!!
وبلغ التطاحن على إعلان التأييد لإسرائيل في عدوانها الهمجي ضد الفلسطينيين بمزايدات أعضاء مجلس النواب الأميركي وبمبالغاتهم غير المعقولة في تأييد العدوان لدرجة يصعب مقارنتها بولائهم للولايات المتحدة ولشعبها ولناخبيهم ، حيث صوت (365) عضوًا في مجلس النواب الأميركي على إدانة السلطة الوطنية وتحميلها مسؤولية العنف في الأراضي الفلسطينية ، والطلب من الإدارة الأميركية قطع المساعدات المادية عن السلطة..!! ولم يفعل العرب سوى " أضعف الإيمان " وهو ( التوسل ) لأميركا لتهدئة الوضع في الأراضي الفلسطينية ..!! لقد قالها يومـًا الشاعر أحمد مطر :
أمريكا تطلق الكلب علينا وبها من كلبها نستنجد ..!!
أمريكا تطلق النار لتنجينا من الكلب فينجو كلبها.. لكننا نستشهد ..!!
أمريكا تبعد الكلب.. ولكن بدلا منه علينا تقعد ..!!
إن سلسلة المواقف الأميركية المعادية للشعب الفلسطيني تكشف عن انحياز سافر للكيان الإسرائيلي ، من إرسالها لمبعوثيها إلى المنطقة حاملين معهم الشروط الأميركية لوقف الإنتفاضة ، وفي مقدمتها إلقاء القبض على كل من شارك وساهم في الإنتفاضة وتسليمهم إلى إسرائيل، مرورًا بتزويد آلة الحرب والدمار الإسرائيلية بكل أنواع أسلحة الفتك والقتل الأميركية لإستخدامها ضد أطفال ونساء وشيوخ وشباب الإنتفاضة ، إنتهاءً بتبرير سياسة التطهير العرقي التي يستخدمها العدو الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ( السلطة والشعب والمقدسات ) حيث لم نسمع كلمة إحتجاج من الإدارة الأميركية السابقة والحالية ضد العنف الوحشي الذي إستخدمت فيه إسرائيل الطائرات والمروحيات والصواريخ والقذائف والدبابات " الأميركية الصنع " في مواجهة شعب أعزل ، وتدمير منازل المدنيين الفلسطينيين فوق رؤوس سكانها ، وحصار الشعب الفلسطيني الذي وصل إلى حد المجاعة ..!! ، بل على العكس فقد حملت الإدارة الأميركية السلطة الفلسطينية والرئيس الفلسطيني إستمرار العنف في الأراضي الفلسطينية..!!
ولا ننسى ما ذكره مجرم الحرب بنيامين بن إليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق عن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني من أن بإمكان إسرائيل أن ( تشنق عرفات ) ..!!
نفسه تشيني هذا هو الذي برر سياسة الإغتيالات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في أنها دفاع مشروع عن النفس ..!! وأطلق يد شارون لإعادة إحتلال الأراضي الفلسطينية.
لقد كانت القضية الفلسطينية على الدوام كشافـًا للوضع العربي ومكامن ضعفه وعجزه , كما كانت حافزًا للتحديث وتوحيد الجهد ومقياسـًا لمدى قوة وتأثير ووزن العرب على الصعيد الدولي ، وليست مواقف الإدارات الأميركية المختلفة والممعنة بعدائها لطموحات الأمة العربية في تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره على أرضه وتوحيد هذه الأمة وتقدمها إلا تعبيرًا عن مدى إستخفاف واشنطن بالجسم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج ، وعدم خوفها من أي رد فعل عربي يهدد مصالحها الكثيرة في هذه المنطقة .
الآن وأمام الموقف الأميركي المعادي والمستخف بهذه الأمة إلى هذا الحد، والذي يكشف عن حجم الإستهانة بالعرب على الرغم من الأوراق العديدة التي في أيديهم ويحجمون عن إستخدامها بدون مبررات واضحة ربما خوفـًا على المسيرة السلمية مع شارون.! هل يمكن أن نحلم بموقف عربي رسمي يضع النقاط على الحروف لبلورة موقف ضاغط على الإدارة الأمريكية لفك الحصار عن الرئيس والشعب الفلسطيني؟
لأنه لا دعم حقيقيـًا للقضية الفلسطينية والإنتفاضة البطلة دون موقف عربي موحد ضاغط على أميركا الحامي والحليف الإستراتيجي لإسرائيل. |