|
كي تكون مؤثراً لابد وأن تكون مقنعا وكي تكون مقنعاً لابد وأن تكون بسيطاً بقدر ما تستطيع . إن اكثر الكلمات تأثيرا في نفسية المتلقي هي تلك التي تأتي في زاوية الكلام وليست في واجهته . هناك أفلام كثيرة تشاهدها وتكون مليئة بالمشاهد التي من المفترض أن تكون مؤثرة من دموع وآهات وأحياناً ضرب وتكسير ولكنك تخرج من الفلم بكلمة بسيطة قالها أحد ممثلي الصف الثاني وهكذا . أقول هذا الكلام لأدلل به على ما تسود به المطابع العربية ملايين الصفحات التي يذهب الكثير منها دون أثر في المتلقي لأنها تخاطب الناس لا أريد أن أقول من خلال فوقية عجيبة إلا أنها تهتم بالأمور الكبار ولا تنتبه لخفايا الزوايا . لفت انتباهي وأنا أبحث في إحدى المكتبات كتيّب صغير لونه هادئ وتغليفه متواضع ومن الداخل اتضح لي أن أسلوبه أكثر هدوءا ولغته بسيطة والأدهى من ذلك أن مؤلفه مغمور .
كان هذا الكتاب عبارة عن رصد لمجموعه من أنشطة الحياة اليومية لطفل صغير عاش في منطقة قصيّه من مناطق فلسطين ، درج هناك أولى خطواته ولعب مع أقرانه في ساحات الخيمة التي يقطنها والديه ضمن خيام العشيرة وأضطر لمغادرة المكان في سن مبكرة ليلتحق بالمدرسة التي تقع خلف الجبل إلا إنها بالنسبة له نقلة نوعية في حياته جعلته يعرف الشيخ الذي يدرس للتلاميذ و يصطدم لأول مرة بالحياة وبعض منغصاتها التي تتمثل في عصبية هذا الشيخ و ثوراته المستمرة كما أن هذه النقلة أدت إلى أن يغيب عن والدته جل النهار لكنه لم يكن يتوقع أن يأتي اليوم الذي يخرج فيه من أرض الخيمة التي كانت كل عالمه فالطفل لم يكن يدرك ما هو قادم من شرور .لقد وصف لنا احتلال إسرائيل لوادي الحيس الذي كان يعيش فيه مع قبيلته " الجبارات " من وجهة نظرة كطفل وكيف بعثر هذا الاحتلال أحلامه البسيط وتطلعاته المتواضعة …..
بل كيف أثر على الحيوانات الأليفة التي كان يحبها هذا الطفل فكانت حائرة بين المضي مع أصحابها الذين أجبروا على الرحيل أو البقاء مع صغارها الذين لا يستطيعون السير في هذا الدرب الشائك فوقفت بالمنتصف تبكي على ما حصل لها من تمزق . كان الكاتب يرى الأشياء من خلال تساؤل ضمني حزين لا يعرف له إجابة كطفل وهو لماذا؟ لماذا يجبر هذا الطفل أن يبحث عن أهله بعد أن عاد من المدرسة فوجد أماكن الخيام بيضاء وأماكن مواقد النار وفيها بقايا جمر لازال يدل على أن هذه البقعة كانت تضج بالحياة ؟! أين سيجد أهله والشمس تسرع للمغيب وكل ما حوله أصبح موحش ….. هل الاحتلال هو الذي حول هذا المكان المؤنس إلى مكان موحش ؟… هل تآلفت الأرض مع نفسية أصحابها الأصليين فأصبحت لا تقبل من يزورها حتى ولو كان طفلها الذي كانت تضمه بالأمس بين جناحيها؟ .
ولأترك عزيزي القارئ الأديب الراحل عزيز ضياء رحمة الله عليه يصف لكم أسلوب هذا الكتاب في مقدمته التي كتبها كمترجم لهذا العمل إلى العربية يقول الشيخ عزيز ضياء " وقد نتوقع أن يلتهب أسلوب الكاتب وأن يحتدم فتتدفق الألفاظ الحانقة الثائرة أو الداعية إلى الثأر والثورة كما درجعلى ذلك كتاب الأرض المحتلة وشعراؤها أو حتى كل كاتب يعالج موضوع فلسطين وإن لم يكن فلسطينياً … ولكن الكاتب يتجنب ما نتوقع في كثير من اللباقة والهدوء فلا نجد في ما كتب عبارة أو جملة ثائرة مكتفياً بهذه المشاعر الآسية التي يستثيرها في نفسك بعفوية ذكره للواقع ويترك لك انت أن تعيش المأساة التي يعيشها هو مع كل الذين اقتلعوا من أراضيهم وحرموا من موطنهم سواء في البادية أو في المدن ".
هذا هو كتاب ( عهد الصبا في البادية) لمؤلفه إسحاق عبد العزيز الدقس والذي كتبه قبل تخرجه بأربعة أشهر من كلية الآداب بجامعة الملك سعود حيث أتيحت له الفرصة لاستكمال دراسته الجامعية . شكرا لإسحاق الدقس الذي لا أعرف أين هو الآن ورحم الله عزيز ضياء الذي استطاع أن ينقل لنا إلى العربية أحاسيس هذا الكاتب ورؤيته الهادئة المتبصرة المؤثرة والمقنعة لمآسي الاحتلال بعيدا عن الانفعال الذي يضيع معه القارئ .
* كاتب و باحث سعودي - الرياض |