|
من بين الأهداف الأساسية ، وربما يكون هدفها الوحيد ، لزيارة مدير عام مكتب رئيس الحكومة الصهيونية ، دوف فايسغلاس ، إلى واشنطن ، مؤخراً ، هو التباحث مع أركان الإدارة الأمريكية فى إلغاء " التعهد " الذى منحه رئيس الوزراء ، آرييل شارون ، للرئيس الأمريكى ، جورج بوش ، بعدم إيذاء عرفات بدنياً ، أو تصفيته جسدياً ، وعدم إبعاده قبل إبلاغ الإدارة الأمريكية بذلك . وفى ضوء التسريبات الإعلامية ، فإن واشنطن قررت تغيير موقفها بشكل " جذرى " من الرئيس عرفات ، بيد أنها لا تريد بالمقابل من الكيان الصهيونى القيام بذلك " الآن " ، والتريث إلى حين الانتهاء من تهيئة أوضاع إقليمية ودولية ، تتوافق وهذا التحول فى الموقف الأمريكى الذى يرى أن الرئيس عرفات ركيزة أساسية من ركائز السياسة الأمريكية فى عملية التسوية السلمية بالمنطقة ، وأن تصفيته أو إبعاده ، تمثل خطاً أحمر لا يمكن لشارون تجاوزه ، وعليه ، تتبدى دلالة تصريحات المتحدث بإسم وزارة الخارجية الأمريكية بشأن أن " وجهات نظرنا حول عرفات مبنية ، مع الأسف ، على سنوات عديدة من التجربة ، ومحاولات العمل معه ، سنوات عديدة ، لم يفعل خلالها ما كنا ننتظره منه " . وبات الحديث ، مجدداً ، حول دور عرفات فى " تغذية الإرهاب " ، وأنه جزء من المشكلة ، وليس جزءاً من الحل .
وفرضت التطورات والتداعيات الأخيرة تأثيراتها على هذا التحول ، خاصة فى ضوء عملية القدس الاستشهادية ، بداية ، وما خلفته من عدد كبير من القتلى والجرحى الإسرائيليين ، ورفض عرفات تسليم أبو مازن المسئولية التامة عن الأجهزة الأمنية ، ودور عرفات فى تقويض حكومة أبو مازن ، واضطرار الأخير إلى تقديم استقالته ، تهرباً من إقالته ، وتكليف عرفات لأحمد قريع [ أبو علاء ] بتشكيل وزارة جديدة ، بعد قبول استقالة أبو مازن .
وفاقم من تأزيم الأوضاع ، محاولة الاغتيال الفاشلة التى أقدم عليها الاحتلال الصهيونى ، فى تجلية صارخة لإرهاب الدولة المنظم ، للشيخ أحمد ياسين ، مؤسس حركة المقاومة الإسلامية " حماس " وزعيمها الروحى ورمز المقاومة ، وإسماعيل هنية ، القيادى البارز فى الحركة ، ثم محاولة مماثلة لإغتيال الدكتور محمود الزهار ، أبرز قادة الجناح السياسى فى " حماس " ، وما يمكن أن تولده هذه المحاولات من إعفاء " حماس " من " حسابات عديدة " فى ضرورة الرد ومعاودة مقاومتها وعملياتها الفدائية الاستشهادية ، بتعاون مع فصائل المقاومة الإسلامية والوطنية ، خاصة بعد عمليتى القدس وتل أبيب وسقوط 15 قتيلاً وعشرات الجرحى .
والتسأول المركزى : هل يمكن أن يُقدم الكيان الصهيونى عملياً على قرار إبعاد عرفات أو تصفيته فى المستقبل المنظور ، وما هى مدخلات وتبعات اتخاذ مثل هذا القرار وما يقترن به من انعكاسات وآثار على التسوية والاستقرار فى المنطقة ؟
-1-
منذ نحو 20 شهراً أقدمت إسرائيل على محاصرة الرئيس عرفات فى مقره بالمقاطعة برام الله ، فى الضفة الغربية ، وتجاوزه " كشريك " فى عملية التسوية ، وعدم إجراء أى اتصالات معه ، ونجحت فى الوصول بالموقف الأمريكى إلى حالة من التماهى المطلق بهذا الخصوص ، والبحث عن قيادة بديلة لعرفات ، عبر خيار أبو مازن ودحلان ورموز " فريق الإحلام الفلسطينى " .وتشكل تصريحات مجرم ووزير الحرب فى الحكومة الصهيونية ، شاؤول موفاز ، فى 2/9/2003 للإذاعة العبرية ، قاعدة أساس هامة ، حول خيار طرد عرفات ، عندما أشار إلى أن " عرفات لم يرغب أبداً فى التوصل إلى اتفاق معنا .. ويجب أن يختفى عن مسرح التاريخ ، وأننا أرتكبنا خطأً تاريخياً بعدم طرد عرفات منذ عامين مضيا ، وكان لدينا أكثر من فرصة للقيام بذلك ، وسوف نتعامل مع هذا الملف فى الأجل القصير ، وبدون شك فى نهاية العام الحالى " . بيد أن موفاز حرص على تأكيد أن " توقيت " الإبعاد يتوجب أن يأخذ فى الحسبان عدم إلحاق الضرر بالقيادة الفلسطينية الجديدة ، والسماح لحكومة أبو مازن فى سياستها المعلنة والتزاماتها التى لم تر إسرائيل نتائجها . وعلى الرغم من أن هذه التصريحات لم تكن جديدة ، إلا أن " الجديد " هو ارتفاع نبرتها إلى حد التهديد باتخاذ ، قرار " حاسم " ، وفى ضوء معطيات مستجدة ذات دلالات هامة وخطيرة . ومن المعروف أنه سابقاً كان ممثلو الأذرع الأمنية والاستخبارات الصهيونية ضد خيار الطرد ، وتفضيلهم إبقاء عرفات حبيساً فى مقره بالمقاطعة . وعلى الفور ، أعلنت الخارجية الأمريكية فى 4 سبتمبر الجارى ، رغبتها فى الحصول على " إيضاحات " من الكيان الصهيونى ، فى ضوء تصريحات موفاز ، وما إذا يتحدث بصفة شخصية ، أم أن تصريحاته تعكس أراء حكومة رئيس الوزراء ، ارييل شارون ، خاصة وأن أخر مرة صرحت فيها الدولة العبرية بذلك لم تحصل على موافقة الإدارة الأمريكية . وعلى اللحن ذاته ، عزفت تصريحات بعض رموز الكيان الصهيونى وإدارته ، حيث يؤيد وزير الخارجية ، سيلفان شالوم ، منذ فترة طويلة طرد عرفات بدعوى أنه طالما بقى موجوداً فى الإراضى الفلسطينية المحتلة ، فإنه يشكل عقبه أمام السلام ، وأن الحكومة الصهيونية بصدد إجراء " قريباً " محادثات استراتيجية حول هذا الخيار . وبدوره هدد وزير الصحة الصهيونى ، دانى نفيه ، رداً على إجبار أبو مازن على الاستقالة ، بوجوب طرد عرفات ، وهذا إثبات أن " سلطة الإرهاب " فى السلطة الفلسطينية والتى يرأسها عرفات ستستمر فى المستقبل ايضاً ، ويجب على " دولة إسرائيل " الاهتمام بأمن مواطنيها ، مما يفرض أن تكون الخطوة المطلوبة هى طرد عرفات .
وفى السياق نفسه ، يتبدى حديث زعيم حزب " المفدال " اليميينى المتطرف ، إيفى إيتام ، عن أن وجود عرفات فى المنطقة عائقاً أمام أى عملية سياسية ، أو بزوغ قيادة فلسطينية بديلة ، وذهب إلى ضرورة المبادرة باعتقال عرفات وتقديمه إلى القضاء الصهيونى على " جرائم الحرب وقتل آلاف الإسرائيليين . ولم يتخلف نائب رئيس الوزراء الصهيونى ، وزير التجارة والصناعة ، ايهود اولمرت ، عن هذه الجوقة ، مؤكداً أن إبعاد عرفات مسألة معقدة ومثيرة للمشكلات ، ولكن يمكن القيام بالاستيلاء على المقاطعة وعزله نهائياً عن العالم الخارجى ، ومنعه من لقاء واستقبال زائرين .
-2-
ودون التهوين أو التهويل من شأن هذه التهديدات ، فإن خيار التصفية الجسدية أو طرد عرفات خارج وطنه يرتهن بجملة حسابات معقدة وخيارات صعبة ، واعتبارات التوظيف السياسى لرسالة التهديد ، سواء لجهة تحميل عرفات كامل المسئولية عن إفشال مهمة أبو مازن فى وأد الانتفاضة ، عبر الشروع الجدى فى تدابير وإجراءات استراتيجية تتعلق بتفكيك البنى التحتية لفصائل المقاومة ومصادرة أسلحتها واعتقال كوادرها والنشطاء فيها ، وإستئصال نهائى لفقه وخيار وثقافة المقاومة ، وضمان أمن إسرائيل ومواطنيها وأن الكيان الصهيونى ليس بوارد تقديم أى " تنازلات " فيما يتعلق بأمن مواطنيه وسلامتهم ، وسيواصل حربه الشاملة والمفتوحة ضد فصائل المقاومة ، خاصة " حماس " وكل من يعتبر " قنبلة موقوتة " ، وضرب قيادات المقاومة بالخارج ، خاصة فى سوريا ولبنان ، حيث التماهى المطلق فى الموقفين الأمريكى والصهيونى من أن المشكلة الرئيسية الآن هى " الإرهاب والعنف " ويتعين أن تتعامل السلطة الفلسطينية مع هذه المشكلة ، حتى يمكن " التقدم " للإمام . وينسحب الأمر على أى حكومة فلسطينية مقبلة ، بعد تكليف أبو علاء ، وهو رمز أخر من رموز تيار التسوية ، وما دون ذلك ، لن يتم الاعتراف به والعمل معه ، إنطلاقاً من الرؤية المشتركة بأن الاستقالة الاضطرارية لحكومة أبو مازن هى تصويت ضد خارطة الطريق ، الأمر الذى يعنى تقويض " العملية السلمية " ، وإسدال الستار على " الجهود " لإقامة دولة فلسطينية فى " المستقبل المنظور " !! وبهذا المعنى فإن التهديدات هى وسيلة لممارسة مزيد من الضغوط على عرفات وابتزازه وإجباره على التنازل عن الصلاحيات الأمنية والحيلولة دون تمكين هذه الأجهزة من مكافحة " الإرهاب " ، وإيجاد صيغة توفيقية تتيح إمكانية العمل المشترك بين عرفات ورئيس حكومته . والالتزام الحرفى باستحقاقات خارطة الطريق .
وعلى الرغم من نجاح الكيان الصهيونى فى انتزاع الضوء الأخضر والإسناد السياسى فى مسألة إسقاط الحصانة عن عرفات ، فإن الحكومة الصهيونية ، إذا لم تقدم على خطأ الحسابات الاستراتيجية ، ليس من مصلحتها ، بداية التصفية الجسدية لعرفات ، لما يشكله من " كاريزما " ورمزاً للكيانية الوطنية والشرعية والدور الوظيفى المرسوم والمتبقى لعرفات ، فى ضوء إدراك أن ذلك يعنى بالضرورة نهاية وتصفية خيار التسوية ، الذى يعد عرفات أبرز رموزه ، والأكثر قدرة على التأثير فيه ، وفق رؤية ترى ضرورة توافر أفق سياسى محدد يمكن أن يشكل إسنادا فى مقابل التنازلات ، وليس تطوعاً مجانياً ، ودون مقابل . ناهيك عن التداعيات الخطيرة التى يمكن أن تتولد عن ذلك ، والتى ربما تشعل المنطقة ، فى وقت هى فى أمس الحاجة لذلك ، وتلحق ضرراً بالغاً بالمصالح الأمريكية فيها . وحتماً سيؤدى ذلك إلى انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية كلياً ، وفقدان " العنوان الفلسطينى " القادر ، دون غيره ، على " ضبط " الشارع الفلسطينى ، وعلى أدنى تقدير داخل حركة " فتح " ، والتوقيع على " الاتفاق النهائى " أو " الاتفاقات الانتقالية " طويلة الأمد . ومما لا شك فيه أن الضرورات الوظيفية تفرض الإبقاء على عرفات لأن توقيعه على أى اتفاق " محتمل " مع الكيان الصهيونى ، يمنحه " الشرعية " التى لا تتوافر لو تم ذلك مع أى أحد آخر . وبالتداعى المنطقى ، فإنا اعتقادنا أن إسرائيل لا تتوافر لديها " حالياً " النية فى إبعاد عرفات خارج الوطن ، خاصة وأنها ، وبدعم أمريكى ، لم تتوصل بعد إلى انتزاع اعتراف أو تعهد إقليمى ودولى ، بإسقاط المشروعية عن الرئيس عرفات ، وبالتالى عدم استقباله ، وتحويله إلى بطل قومى ، طليق الحركة والتأثير ، أو رمز " لحكومة منفى " فى مواجهة أى " حكومة بديلة " – أو بالأحرى " عملية " ، محروقة على صعيد الشارع الفلسطينى ، وفاقدة الأهلية والصدقية الوطنية ، وأكثر طواعية لقبول والإذعان للإملاءات الأمريكية - الإسرائيلية . والمنطق يفترض تواصل نزع ما تبقى من " أظافر " عرفات ، ومزيد من تطويعه ، عبر التلويح ، بقدر من الجدية الحقيقية ، بتهديدات قابلة للتنفيذ ، تتطرق بداية ، بإعادة أحكام الحصار المشدد على مقر " الرئاسة " الفلسطينية ، تحت الاحتلال ، فى رام الله ، وربما إعادة احتلالها ، وإبقاء عرفات حبيس الجدران فى غرفة واحدة ، ليس إلا ، تحت الرقابة الكاملة ، وطوال 24 ساعة !! مع التوصل فى تجريد عرفات مما تبقى من سلطاته ، الأمر الذى يعفى الحكومة الصهيونية من تبعات طرد عرفات أو تصفيته ، بيد أن ذلك يقترن بضرورة إيجاد مقاربة لمعالجة الأوضاع المتأزمة والمتفجرة ، " وضبط النفس " فى حال وقوع المزيد من العمليات الاستشهادية المرتقبة تخلف عدداً كبيراً من القتلى الإسرائيليين ، ومدى طبيعة رد الفعل الصهيونى ، بشأن الأقدام على عملية اجتياح شامل لقطاع غزة ، رغم تكلفته السياسية والعسكرية المحتملة ، أو الاستمرار فى عملية الاحتلالات الجزئية ، والاغتيالات والتى تعد سياسة ثابتة وهدفاً استراتيجياً . بل أن ثمة خطورة تكمن فى سيناريو – قيد الدرس – حول تدخل عسكرى أمريكى ، أو أمريكى – أطلسى فى الأراضى الفلسطينية ، لمصلحة ما يتم تسويقه " بالسلام " ، وفى ضوء حقيقة أن رئيس الوزراء الصهيونى ، شارون ، قد أستنفد فرص وخيارات القضاء على المقاومة وفشل استراتيجيته العسكرية والأمنية ، بصورة إستئصالية وإلى الأبد ، كما أن الإملاءات على السلطة الفلسطينية بهذا الشأن تمثل شروطاً تعجيزية ، وفى غياب التوصل إلى أى اتفاقات حقيقية على الأرض ، والإمعان فى تجريد المفاوض الفلسطينى ، وتيار الاشتباك السياسى ، من كل نقاط قوته ، وفى الصدارة ، ورقة الضغط الوحيدة ، وهى الانتفاضة ، فى غياب رد الفعل العربى والإسلامى والدولى ، وقناعة الإدارة الأمريكية بأن رد الفعل العربى والإسلامى ليس بوارد الإقدام على خطوات أو تدابير تعرض مصالحها فى المنطقة لخطر دائم لا يمكن إصلاحه ، وإن اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية وآمال الرئيس بوش فى الحصول على ولاية ثانية ، تزيد من عدم رغبته فى التواصل فى الظهور بمظهر المتصادم مع الكيان الصهيونى ، وتجعله أكثر تجاوباً مع الدعوات الأمريكية ، الداخلية والصهيونية ، برفع الغطاء والحصانة عن الرئيس عرفات ، إن لم يكن من أجل اتخاذ خطوات فعلية ضده ، فعلى الأقل من أجل استخدام التهديد كعنصر ضغط وابتزاز حقيقى عليه . ولعدم وإدراك كلفة إغضاب اللوبى اليهودى ، تتواصل الإدارة الأمريكية فى إلقاء اللوم على الجانب الفلسطينى فى الوصول إلى " الطريق المسدود " الذى بلغته " الجهود " الديبلوماسية فى المنطقة فى الفترة الراهنة ، إلى حد انتقاد تصريحات أبو مازن ضمن حديثة إلى المجلس التشريعى الفلسطينى ، عندما أشار بوضوح إلى أن " محاولتنا الجادة لترتيب آلية لإعادة المسار السياسى مع الجانب الإسرائيلى لم تحظ بالإجابة الكافية ، ولم تتقدم على نحو ملموس إلى الأمام ، ولا أظن أن أحداً فى العالم لا يشاطرنى الرأى بأن الجانب الإسرائيلى هو من يتحمل المسئولية " . وفى سياق اتهام أبو مازن لإسرائيل والولايات المتحدة بعدم بذل ما يكفى لإحراز تقدم فى تنفيذ خارطة الطريق ، بدلاً من انتقاده بعدم الوفاء بالتزاماته ، وعدم إتاحة المعطيات الكافية لتنفيذ الالتزامات التى قطعها على نفسه بشأن الموقف من فصائل المقاومة.
-3-
فى ضوء التحولات النوعية فى التصعيد العسكرى الإسرائيلى ، تتفاقم الأوضاع المتأزمة ، خاصة مع غياب أى إدانة دولية لإرهاب الدولة المنظم الذى يمارسه الكيان الصهيونى ، و " أخلاقيات " دولة الاحتلال ، بل توفير الغطاء والإسناد السياسى له ، بدعوى الدفاع عن النفس ، والإستمرار فى " الحرب على الإرهاب " ، فى تجاهل متعمد ، لحقيقة أن استمرار الاحتلال الصهيونى للأراضى الفلسطينية هو أعلى مراتب ودرجات الإرهاب ، وسبب كل الكوارث ، والجوهر الحقيقى للصراع وللقاعدة الناظمة لكامل تاريخ الإنسانية والمتمثلة بجدلية الاحتلال – المقاومة ، حيث لا احتلال بدون مقاومة ، وأن المقاومة هى رد فعلى شعبى تلقائى وعضوى لوجود الاحتلال ، وينتفى وجود هذه المقاومة بزوال الاحتلال ، وبلوغ الاستقلال الوطنى ، وليس دون ذلك . وتحرص قوى المقاومة على التأكيد على أن المرحلة الراهنة هى مرحلة تحرر وطنى ، بما يعنى أن المشروعية وحدها للمقاومة دون سواها ، ويتوجب أن تتحدد كافة القوى ، وتسخير الجهود والطاقات فى خدمة هذه المقاومة وليس هدرها فى أمور جانبية وهامشية ، وعدم تجاوز حقيقة مركزية دحر الاحتلال ، وليس توصيف رموز السلطة بأن فصائل المقاومة " خارجة عن القانون " أو " عصابات مافيا " ، أو نعت عملياتها ضد الاحتلال بـ" الثأرية " ، " والانتقامية " . بل يتطلب الأمر إضفاء المشروعية على المقاومة وإدامتها وتصعيدها وعدم التطوع بإعلان الهزيمة وعدم القدرة على الصمود ، وحقها فى الرد على تجليات إرهاب الدولة المنظم والمبرمج والذى يمارسه جيش الاحتلال والرد على خروقاته المتكررة ولتصعيده المستمر . وليس بمقدور " إنصاف الحلول " أن تشكل مقاربة موضوعية للخروج من الحلقة المفرغة التى تشهدها المنطقة والمفتوحة على كل الاحتمالات . فكما تذهب كافة المؤشرات إلى أن حكومة أبو مازن قد أبدت ليونة كبيرة تجاه الكيان الصهيونى وارتكبت العديد من الأخطاء وربما الخطايا ، وأن قرابة 120 يوماً من عمرها حصادها الفشل الذريع ، فإن المصير نفسه ينتظر أى حكومة فلسطينية مقبلة ، إذا ما سارت على الدرب نفسه ، وفى حدود هامش المناورة المحدود ، فإن حقيقة الصراع وعمليات التجاذب والاستقطاب داخل " سلطة الرأسين " تحت الاحتلال ، رغبة الرئيس عرفات فى " فرملة " ضغط أو دعس أبو مازن أكثر مما يلزم على البنزين ، وتقديم تنازلات مجانية يمكنها أن تفضى إلى توتر أهلى فلسطينى يصعب ضبطه ، ليس إلا ، وبعيداً عن إدعاء أن أبو مازن وعرفات يستهدف كل منهما الانقلاب أو الإطاحة بالآخر . والأمر الأكثر أهمية ، أن مثل هذه الإندفاعة باتجاه " تلحيد " دور السلطة ، فى الوقت الذى فشلت فيه كل خيارات شارون الأمنية والاستراتيجية ، والإذعان لإملاءات تسوية تمثل ما هو أقل من الحد الأدنى للحقوق الوطنية الفلسطينية تصعب من إمكانية " تسويقها " وبالتالى تعجل بصدام السلطة مع الشعب الفلسطينى ، وخروجها عن الاصطفاف مع طموحاته وأمانيه وتطلعاته الوطنية ، ما لم يتم تدارك ذلك بالمبادرة بتشكيل القيادة الوطنية الموحدة للشعب الفلسطينى .
والقول الخاتم ، أن طرد عرفات لن يؤدى إلى وضع خاتمة للصراع ، بل سيزيد الأمر تعقيداً ، ولمزيد من تفجير الأوضاع ، خاصة وأن الإدارة الأمريكية باتت تدرك أكثر من أى وقت مضى ، أن أى تنازلات – وهى متطلب رئيسى لترضية الذين يتم الرهان عليهم ، عبر إجراءات ملموسة تتعلق بتعزيز مصداقيتهم وتسهل مهمتهم – يقدمها بها الكيان الصهيونى ، وفى ضوء حالة التماهى المطلق بين العدوانيتين الصهيونية والأمريكية ، سوف تنعكس سلباً على وضع قوات الاحتلال الأمريكى فى العراق إزاء تصاعد المقاومة العراقية ، وعلى مجمل الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة ، ومن ثم فى العالم . ووتتجلى أزمة الموقف الأمريكى ، بعد فقدانه المصداقية ، فى تعارض رغبة الإدارة الأمريكية لاسترضاء اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة وحلفائه ، خاصة مع تراجع حجم التأييد للرئيس بوش ، فى استطلاعات الرأى ، الأمر الذى يدفعه لبذل جهود إضافية بهذا الشأن ، من ناحية ، والرغبة والحاجة إلى تهدئة الأوضاع وعدم انفجارها على الصعيد الصهيونى – الفلسطينى ، فى ضوء التطورات الأخيرة ، والذى يعنى تصعيب معطيات أن يخوض معركة تجديد ولايته الثانية ، فى ظروف مواتية ، ومن ثم فقدان المصداقية فى الرهان على الدور الأمريكى " الوسيط " فى عملية التسوية ورعايتها ، خاصة مع تزايد مؤشرات التآمر الأمريكى المباشر ضد الانتفاضة وحقوق الشعب الفلسطينى ، من ناحية أخرى . وعليه فإن ثمة ضرورة ملحة فى إيجاد صيغة قابلة للتنفيذ للمزاوجة بين خيار المقاومة والتفاوض السياسى ، تحقيق الأهداف الوطنية وتعزز الموقف الفلسطينى ، بعيداً عن اللهث وراء سراب الدولة – وفق رؤية بوش – المعلقة بحبال الهواء ... وعدم التواصل فى خداع الذات .. قبل الآخرين . |