|
لم تدم طويلاً مشاعر الغبطة لدى صخر بسيسو ، عضو المجلس الثورى لحركة " فتح " ، إثر قرار مجلس الوزراء الفلسطينى ، برئاسة محمود عباس [ أبو مازن ] تعيينه مديراً عاماً لديوان الموظفين ، وعزل رئيسه الدكتور عبد العزيز أبو شريفة . فقد كانت الصورة مغايرة تماماً لتصوراته عندما ذهب إلى مقر عمله الجديد ، غرب مدينة غزة ، حيث أحاط العشرات من المسلحين ، من حركة فتح ، وعناصر كتائب " شهداء الأقصى " . بالمقر ورفضوا دخول بسيسو . وبدلاً من أن يسلم أبو شريفة مقاليد منصبه إليه ، أمره الرئيس عرفات بالبقاء فى منصبه ، وعدم تنفيذ قرار الحكومة . وعلى الفور ، وصل إلى مقر الديوان عناصر من شرطة النظام والتدخل السريع التابعة لوزارة الداخلية . وبطبيعة الحال تحول الديوان إلى ما يشبه الثكنة العسكرية ، وسرعة تدهور الموقف وتوتر الأوضاع .
وتجسد تلك الصورة إحدى تجليات المشهد السياسى لما يسمى بحرب المواقع وصراعات القوى بين قطبي السلطة الفلسطينية ، ليس على السلطة ، وإنما لتقاسمها . وهو صراع ممتد منذ فترة ، ويمر بمراحل وحالات من الشد والجذب ، يلقى بآثاره الضارة ، وتداعياته السلبية على المصلحة العليا الفلسطينية ، ويأتى فى سياق حالة التماهى الأمريكى – الصيونى لتجريد الرئيس عرفات من سلطاته ، وتهميش دوره ، وجعله رئساً شكلياً وفخرياً ، واستمرار التهديد والتلويح باستخدام القوة ، ومعاودة تشديد حصاره ، ودون ما قبل التصفيه الجسدية . والتساؤل الذى يطرح نفسه ، ما هى حقيقة هذا الصراع ، وتجلياته ، وإلى أين يمضى ، ومكامن خطورته على مستقبل الانتفاضة وخيار المقاومة ، فى ضوء التداعيات الراهنة ؟ وما هى الآليات التى بمقدورها تجاوز صراع النفوذ فى إطار سياق استحقاق " تلحيد " السلطة الفلسطينية ، فى ضوء ما ألزمت نفسها به من اتفاقات وتفاهمات ، منذ أوسلو 1993 ، وتوابعها ، حتى ما يعرف بخارطة الطريق ؟
-1-
من الأهمية بمكان المبادرة بإستدعاء مشهدين هامين ، أولهما توقيع اتفاق أوسلو ، سبتمبر 1993 ، وبروز دور عرفات وأبو مازن بهذا الشأن ، ثم مشهد مفاوضات منتجع كامب ديفيد 2 . وفى المشهدين كان الالتقاء بين الرجلين حول خيار التسوية والسلام ، كخيار وجودى واستراتيجى وحيد . ولم يكن رفض عرفات لمشروع كامب ديفيد 2 ، يتعلق فقط بالقبول به من عدمه ، وإنما كان المأزق متعلقاً بمدى القدرة على " تسويق " هذا المشروع الذى يمثل صيغة اقل من " الحد الأدنى " الذى يمكن القبول به بشأن الحقوق الوطنية المشروعة وغير القابلة للتصرف . وتعقد الأمر بصورة أكثر بروزاً ، مع أندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال وحق العودة ، منذ 28 سبتمبر 2000 ، واستمرارها ، وتواصلها ، وبروز خيار المقاومة ، فى مواجهة مسعى التسويف والمماطلة من الحكومات الصهيونية المتعاقبة لاستحقاقاتها والتزاماتها تجاه " السلام المراوغ " الذى تضمنه مشروع أوسلو ، بل وإعلان حكومة شارون تجاوز ذلك ، وطرح تسوية إذعان ، تحت وهم " الدولة الفلسطينية " ، لا تتجاوز 9% من مساحة فلسطين الانتدابية ، وفى سياق الضغط على الفلسطينيين لتخفيض سقف توقعاتهم الوطنية المشروعة ، ومن ثم القبول بما يعرض عليهم من حكم ذاتى فى مناطق جغرافية محدودة ومنفصلة ومفككة الأوصال ، لا رابط بينها ، وتخضع دائماً وعملياً للاحتلال ، ويرتهن استمرارها وديمومتها بهذا الاحتلال ، حتى ولو اتخذت تسمية " دولة " وأن توافرت لها بعض رموز " سيادية " ، ذات طابع شكلى ، لا أكثر ، ولا أقل . وحرص الرئيس عرفات على توظيف الانتفاضة كورقة ضاغطة لتحسين وضعية ومعطيات المفاوض الفلسطينى ، وإبداء الاستعداد للارتداد عنها فى أى لحظة تبدى " إسرائيل " إشارات واضحة لمعاودة استئناف المفاوضات والدخول فى المسار السياسى . وبهذا الشأن ، اشترط الكيان الصهيونى ، من دون خداع أو تضليل ، أهمية إيجاد قيادة فلسطينية " جديدة " تتوافر لديها الرغبة والاستعداد الكافى " لقبول " ما لم يستطيع عرفات قبوله ، أو رفض قبوله ، فى سياقات محلية وإقليمية ودولية ، فى محادثات منتجع كامب ديفيد . ولتجسيد ذلك ، تتبدى دلالة تلك التجريدة الإسرائيلية – الأمريكية بإتهام عرفات بدعم عمليات المقاومة ، وتشجيعه على ما يسمى " بالإرهاب " ، وكانت تلك الذريعة التى فرضت الحكومة الصهيونية بسسبها الحصار على الرئيس عرفات فى مقره ، برام الله ، وعاود الكيان الصهيونى ترديد نغمة أن السلطة الفلسطينية فاسدة ، ، ولابد من تطهيرها ، وقيادتها فاشلة ، لابد من تغييرها ، ومتورطة فى " الإرهاب " ، ومن ثم لابد من عزلها ، واعتبارها غير ذات صلة بالواقع السياسى ، كمقدمات لازمة وضرورية لعودة مسار التسوية . وتعددت تجليات اتهام عرفات بأنه يشكل عقبة فى طريق " السلام " ، وتحميله مسئولية ما يسمى " بالعنف والإرهاب " . وبهذا الشأن ، تبرز التصريحات الإسرائيلية أن المطلوب هو عدم إطلاق الرصاص على " رأس " الرئيس عرفات ، ولكن على ساقية فقط !! . ودلالة ذلك أن عرفات ، بقدر ما يجسد مشكلة وأزمة للتسوية المستهدفة ، فأنه ركيزة أساسية للسياسة الأمريكية بهذا الخصوص ، والمعبر الرئيسى لولوج ذلك . وبالتالى ، حرصت الإدارة الأمريكية على التزام الكيان الصهيونى " الخط الأحمر " والمتمثل فى عدم الاقدام على التصفية الجسدية لعرفات ، أو حتى قرار إبعاده خارج مناطق الحكم الذاتى ، فى الوقت الذى سعى عرفات لأن يثبت ، بوقائع ملموسة على الأرض ، أنه الوحيد الذى يمكنه تحريك الخيوط ، وإرغام الإدارة الأمريكية على التوقف عن تهميشه وضرورة التعامل معه لإنقاذ مأزق التسوية .
-2-
فى أعقاب الاجتياح الصهيونى الشامل لكافة مدن وقرى وبلدات الضفة الغربية ، فى أواخر مارس 2002 ، وفى ضوء التصاعد النوعى والكمى لعمليات المقاومة المسلحة والتى شكلت تهديداً وجودياً ، متعدد الأبعاد ، واستنزافاً يومياً لقدرات الكيان الصهيونى ، على اكثر من صعيد ، وبالرغم من بعض " الانجازات " العسكرية التى حققتها عملية " السور الواقى " إلا أن ذلك لم يقترن بكسر البندقية الفلسطينية ، ورفع الفلسطينيين " الراية البيضاء ، والاخفاق فى كسر إرادة المقاومة والإذعان للتسوية المطروحة . وفى ضوء الاستعدادات للحرب على العراق ، تكثفت الضغوط والإملاءات الخارجية تحت عنوان " الإصلاح " ، وبعيداً عن الضرورات الوطنية ، وكان المستهدف الرئيسى ، وعوضاً عن أهمية تغيير وضعية " الشخصنة " بالمؤسسية ، تجريد الرئيس عرفات من اوراقه الضاغطة والتى تكفل له فرص سيطرته وهيمنته على القرار الفلسطينى . وتجسد ذلك عملياً ، فى تجريده ، إلى حد كبير ، من ملف الأمن والمالية ، عبر دفعه اضطراريا للقبول بتعيين أحد أضلاع مربع " فريق " الإحلام الفلسطينى " ، سلام فياض وزيراً للمالية ، والقبول بتعيين عبد الرازق اليحيى ، وزيراً للداخلية . وفى خطوة اكثر تقدماً وأهمية ، تكثفت الضغوط والإملاءات ، مجدداً ، باتجاه اشتراط إستحداث تعيين رئيس وزراء فلسطينى ، يتمتع بصلاحيات واسعة ، هى بالأساس ، خصما من صلاحيات الرئيس عرفات ، الذى لم يكن بمقدوره المراوغة ، نتيجة هامش المناورة المحدود للغاية ، إلا القبول بذلك ، ومبادرته بترشيح أبو مازن فى فبراير 2003 ، بيد أن الأخير ظل ، بدوره ، يماطل فى تشكيل وزارته ، آملاً أن تتضح صورة المشهد العراقى ، الأمر الذى كان باحتلال العراق ، وإسقاط حكم صدام حسين . وفى ضوء فهم عرفات بأن إعصار حرب الخليج الثالثة ومخرجاتها يستهدفه شخصياً ، كان القبول بحكومة أبو مازن فى نهاية أبريل من العام نفسه ، ورضوخ عرفات لتعيين العقيد محمد دحلان ، وزيراً لشئون الأمن الداخلى ، وتبعية وزارة الداخلية لرئيس الوزراء الفلسطينى ، والذى فوضها، عملياً ، لدحلان . وفى سياق " معركة الصلاحيات " وتقاسم السلطة ، حاول عرفات ، ما أمكنه ذلك ، إمتصاص الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية ، وعدم التنازل كلياً عن ملف الأمن ، عبر سيطرته على نحو 60% من الأجهزة الأمنية . فمن المعروف أن صورة هذه الأجهزة قد تحددت بوضوح فى ضوء اتفاق القاهرة ، أبريل 1994 ، بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، ثم فى اتفاق أوسلو [ ب ] ، فى سبتمبر 1995 ، حيث أوكل للشرطة الفلسطينية مهام شرطية عادية ، بما فى ذلك الحفاظ على الأمن الداخلى والنظام العام ، وحماية المواطنين والممتلكات . كما أضيفت مهمة أخرى أكثر أهمية ، تتمثل فى " مكافحة الإرهاب ، والعنف ، وقمع التحريض على العنف " . وحرص الرئيس عرفات ، منذ البداية على استمرار مدخلات قوة سلطته ، ومحاولة إضعاف معارضة نهج أوسلو ، وإبقاء حركتى " حماس " و " الجهاد الإسلامى " ، على وجه الخصوص ، تحت الرقابة الدائمة من أجل تقليص الخطر السياسى " الكامن فيهما . ومنذ فترة طويلة ، فرضت الضرورات الوطنية أهمية تشكيل مجلس للأمن الفلسطينى ، يفترض أن يقرر السياسة الأمنية العامة ، وهيكلة وبناء المؤسسات الأمنية ، على أن يتولى وزير الداخلية تنفيذ هذه السياسات . بيد أن حرب الصلاحيات ، ورفض التهميش ، وطبيعة الاتفاقات السياسية ، وما تفرضه من استحقاقات مطلوب من الأجهزة تنفيذها ، وهى ، بالتحديد ، رأس الانتفاضة ، أفرزت أزمة وصيغة " الأمن برأسين " ، فمن بين 12 جهازاً أمنياً فلسطينياً [ قوات الأمن الوطنى ، الشرطة المدنية ، أمن الرئاسة ، المعروف بالقوة 17 ، قوات الأمن الداخلى – الوقائى سابقاً ، الاستخبارات العامة ، الاستخبارات العسكرية ، الشرطة العسكرية ، قوات الأمن الخاص ، الشرطة البحرية ، الشرطة الجوية ، الدفاع المدنى ، وأمن المحافظة ] ورغبة من عرفات فى عدم التفريط بملف أخير بين يديه ، يحتفظ حالياً بالسيطرة على المخابرات العامة ، وقوات ال 17 ، والاستخبارات العسكرية ، والبحرية والأمن الخاص ، فى حين يسيطر محور [ أبو مازن – دحلان ] عن جهاز الأمن الوقائى ، والشرطة والدفاع المدنى ، مع صعوبة استقطاب الأمن الوقائى فى الضفة الغربية ، حيث أن جزءاً لا بأس به من أجهزة الأمن الوقائى فى الضفة الغربية لا زال يدين بالولاء والاخلاص الشديد للعقيد جبريل الرجوب ، قائدها السابق فى الضفة الغربية ، والذى تمت إقالته فى يوليو 2002 . علماً بأن هانى الحسن ، وزير الداخلية السابق ، فى حكومة عرفات ، تولى حتى فترة قريبة منصب مستشار الأمن الوطنى ، ولو بشكل غير رسمى .
وفى ضوء مأزق حكومة أبو مازن وتدنى شعبيتها ، تزايدت قناعته بأهمية الأمساك ، كلياً ، بالأجهزة الأمنية ، لاعتقاده أنها وسيلته لإنجاح رهانة بتفعيل وتنفيذ خارطة الطريق ، وفى سياق الصراع بين مؤسسة الحكومة ، ومؤسسة الرئاسة للسيطرة على الأجهزة الأمنية ، وتكثيف الضغوط الخارجية باتجاه دمج أجهزة أمن السلطة فى جهاز أمنى واحد يشرف عليه وزير داخلية ، ، ولإيجاد مخرج بشأن احتدام الصراع حول الصلاحيات الأمنية المثيرة للخلاف والجدل . وكان خيار تعيين اللواء نصر يوسف ، عضو لجنة مركزية فتح وعضو مجلس الأمن القومى والأعلى رتبه بين زملائه العسكريين ، ويحظى بإحترام معظم الأجهزة الأمنية الذين أبدوا إمتعاضاً من تولى وزير الدولة للشئون الأمنية ، محمد دحلان ، هذه المسئولية ، كونه أقل رتبة منهم . بيد أن الرئيس عرفات رفض منحه صلاحيات السيطرة على جميع الأجهزة الأمنية ، وهو ما اشترطه نصر يوسف وأبو مازن ، الأمر الذى أدى إلى تعليق هذا القرار . وفى خطوة استباقية ، وأكثر خطورة فى الصراع بين قطبى السلطة ، بادر عرفات ، بتعيين العقيد جبريل الرجوب – وترقيته إلى رتبة عميد – فى منصب مستشار الأمن القومى ، وعضواً بالمجلس الأعلى للأمن القومى ، وفى مكانة مساوية على الأقل ، لتلك التى يتمتع بها غريمه دحلان . وبالتالى ، سيكون مسئولاً ، بتفويض من عرفات ، عن الأشراف على كافة الأجهزة الأمنية ، وإعادة تشكيل المجلس الأعلى للأمن الوطنى فى السلطة ،والتنسيق بين الرئيس عرفات فى السيطرة على الأجهزة الأمنية الخاضعة لإمرته . إضافة إلى إشراف الرجوب على تنسيق العلاقات بين السلطة الفلسطينية واللجنة الرباعية بشأن خارطة الطريق . وبالتداعى المنطقى ، لم يتردد البيت الأبيض ، فى الانتقاد العلنى لتعيين الرجوب ، بزعم أن ذلك يضعف من جهود أبو مازن فى مسعى " استئصال " المقاومة ، ويقوض خارطة الطريق . على الجانب المقابل ، وفى السياق ذاته ، تبرز دلالة قرار مجلس الوزراء الفلسطينى ، إدراج موازنة قوات الأمن الوطنى ، والتى يتراوح تعدادها ما بين 35 – 40 ألف عنصر التابعة لإمرة الرئيس عرفات بموازنة مستقلة عن الموازنة العامة ، ضمن الموازنة العامة للسلطة الفلسطينية ، إعتبارا من العام المقبل . كما طلب أبو مازن اعتماد الدكتور / نبيل شعث ، وزير الشئون الخارجية ، ممثلاً رسمياً للفلسطينيين ، فى اجتماعات جامعة الدول العربية ، بدلاً من فاروق القدومى رئيس الدائرة السياسية فى منظمة التحرير الفلسطينية ، فى خطوة اعتبرها تندرج ضمن توزيع العمل بين شعث والقدومى !!
-3-
تبرز القراءة التحليلية الأكثر عمقاً أن جوهر الصراع بين قطبى السلطة الفلسطينية ليس بمنأى عن مخرجات وقوع العراق فى قبضة الاحتلال الأمريكى ، وما يعكسه ذلك من انعكاسات سلبية على التيار غير المقاوم داخل السلطة الفلسطينية ، والمركز التفاوضى له ، فيما يتعلق بالواقعية السياسية والمرونة وقراءة المتغيرات والمستجدات ، ومن ثم فإن الإذعان " والاستسلام " الفلسطينى ، كما يريد شارون ، مطلب يتوجب ان يتحقق لفرض أى مشروع ، مستقبلاً ، يطرح من موقع " المهزوم " ، ومن ثم تقديم المزيد من التنازلات ، وبالتالى إبداء الإذعان لقبول ما هو أقل من الحد الأدنى ، فى ضوء حرص وتأكيد الإدارة الأمريكية عدم قيام " الدولة الفلسطينية " المزعومة ، والواردة فى خارطة الطريق . ما لم تبادر السلطة بالقضاء المبرم على الانتفاضة والمقاومة ، بدعوى محاربة العنف والإرهاب ، بل ودعودة دول المنطقة للعمل على تجفيف ما يسمى " بمنابع الإرهاب ، عبر منع المساعدات عن من يتم وصفهم " بالإرهابيين " ، لتنعم " إسرائيل " بالأمن ، خاصة وأن الخطوات الأمنية الوقائية التى تتخذها السلطة الفلسطينية ظاهرية وشكلية ، ولا تتعلق بالدخول المباشر فى محاربة " الإرهاب " . وفى حالة التقاعس ، فإن الكيان الصهيونى سيبادر بتنفيذ ذلك بنفسه ، بدعم وإسناد أمريكى مباشر ، بكل إصرار وعزم ، ومن دون هوادة .
والأمر الأكثر أهمية ، أن صراع قطبى السلطة لا يتضمن مشروعاً انقلابياً من أبو مازن على عرفات والإطاحة كلياً به ، والإقصاء النهائى لعرفات من المشهد السياسى الراهن ، لصعوبة تجسيد ذلك ، بالنظر إلى عدم قدرة تنفيذ ذلك عملياً ، وفى إطار إدراك حقيقة أن عرفات معبر إلزامى إلى الحل ، على الرغم من معاودة الكيان الصهيونى التهديد باجتياح قطاع غزة بالكامل وطرد عرفات وضرورة ابعاده عن سدة الحكم . فالخلاف بين الرجلين ليس استراتيجياً ولا صدامياً حتى النهاية . فالخلاف الحقيقى بين منهجين ، منهج أبو مازن فى المراهنة على التسوية السياسية وفق خارطة الطريق ، والقبول بما هو مطروح ، أى أن تنبثق المفاهيم السياسية من خلال الإجراءات الأمنية ، ورؤية عرفات أن تصفية المقاومة إذا لم تتأسس على مرجعية ساسية ، وأفق سياسى ، " وثمن سياسى " مسألة محفوفة بالمخاطر ، أى أن تتأسس الإجراءات الأمنية على المفهوم السياسى ، وتحديد كل المفاهيم الفرعية للصراع والتسوية السياسية . أى أن الأزمة الراهنة سياسية ، وليست أمنية . وقطب الصراع يتوافقان على الخطوط السياسية ، وحول جدوى خيار المفاوضات والاشتباك السياسى ، بيد أن الخلاف يتعلق بتوقيت ووسائل واسلوب تنفيذ الاستحقاقات ، و " الثمن " المطلوب . وكما يتفق الرجلان على أن ، سبيل الخروج من المأزق هو العودة إلى خارطة الطريق وتأييد الهدنة والسعى لتجديدها ، فإن التخوفات ، وإضافة إلى رغبة عرفات فى إثبات حضوره ومحورية دوره ، من أن الشروع فى تنفيذ الاستحقاقات ، على النحو المطلوب ، من ابادة عسكرية لفصائل المقاومة ، وحرقها ، وبصورة جذرية ، دون توقف أو هوادة ، سيدفع حتماً إلى صدام مع المجتمع الفلسطينى ومع قوى المقاومة ، وبما يصب فى مصلحة الكيان الصهيونى . يزيد من تعقيدات الأمر ، حالة الضعف الشديد للأجهزة الأمنية الفلسطينية ، المستهدفة أيضاً ، وباستمرار من إرهاب الدولة المنظم الذى يمارسه الكيان الصهيونى . بعبارة أخرى ، لا يتطرق الخلاف إلى برنامج التسوية ، أو تبنى خيار المقاومة ، وإنما الخلاف فى التفاصيل ، وفى قضايا تكتيكية تتعلق باستبدال " الحرب " الشاملة والمتواصلة ، بمسعى تفكيك تدريجى ، على شاكلة تجفيف منابع الدعم ، كما حدث مؤخراً ، ومصادرة للأسلحة " غير المرخصة " ، وعدم اللجوء إلى العنف فى الصدام ، وإنما شل قدرات المقاومة وتصعيب ظروف عملها واستمراريتها .
والصراع الدائر ليس بمنأى عن " الحصاد المر " لسياسات السلطة وإجراءاتها ، وأخطاء اعتبار المقاومة إرهاباُ ، وشرعنة هذا الإدعاء . وبدون إغفال حقيقة توزيع مدروس ، للأدوار بين أبو مازن وعرفات مع خلافات حول وسائل إداء الدور ، ومهام المرحلة ، وقيام الأخير " بفرملة " إجراءات حكومة أبو مازن وإمتصاص غضبة الشارع الفلسطينى وغليانه من سياسات هذه الحكومة واندفاعاتها ، واستعدادها لتنازلات جوهرية فى الحقوق الفلسطينية خاصة ، ما أبداه أبو مازن فى قمة شرم الشيخ والعقبة ، والقبول بأن " إسرائيل " هى دولة اليهود ، والتنازل عن حق العودة واعتبار ذلك الحل النهائى التاريخى للصراع العربى – الصهيونى . والأهم ، تواجد رموز تيار التسوية ، وعدم ترك الساحة كلية لقوى المقاومة ، وتوظيف " كاريزما " عرفات وشعبيته ورمزيته التاريخية ومشروعيته الرسمية ، العربية والدولية ، الأمر الذى يفتقده أبو مازن ، بل أن مستقبل أبو مازن نفسه رهن دعم عرفات نفسه ، نتيجة تفاقم أزمة شرعية حكومة أبو مازن فى الشارع الفلسطينى ، وداخل حزب السلطة – حركة فتح – ومجالات تأثيراتها .
والقول الخاتم ، أن ثمة ضرورية موضوعية لدرء مخاطر فتنة داخلية سيدفع الشعب الفلسطينى ثمنها ، وأن تدرك السلطة أنها ليست – كما هى عليه حالياً – وسيطاً بين المقاومة والحكومة الصهيونية ، ومدى خطورة " تلحيد " دورها ، لإراحة الكيان الصهيونى من تبعات هذه المهمة . والأهم ، أن غياب ، وبالإحرى ، مسعى تغييب المقاومة ، يفقد السلطة الإسناد الشعبى الحقيقى ، والذى بدونه تزيد تعقيداتها ومأزق خياراتها الصعبة . ويتوجب الالتفات جيداً لمرامى التهديدات الإسرائيلية – الأمريكية بأنها لن تتفاوض مع أى حكومة فلسطينية ، برئاسة ياسر عرفات ، أو أى شخصية أخرى تخضع لإمرته ، فى رؤية استباقية لاحتمال حجب الثقة عن حكومة أبو مازن ، أو توفير " مشروعية " زائفة فى صدامها مع المقاومة وعموم الشعب الفلسطينى .
وفى السياق ذاته ، يتوجب التوافق ، ولمصلحة الجميع ، ولتحديد من سيكون فى الصف ، ومن خارجه ، على استراتيجية للعمل الوطنى الفلسطينى ، فى تلك المرحلة الفاصلة والحاسمة ، وفى ضوء التحديات الجسام ، وقبل فوات الأوان . |