|
لوكربي نموذجاَ
لم يكن الاعتراف الذي أدلت بها ليبيا أمام مجلس الأمن خلال الأيام القليلة الماضية وأكدت فيه مسئوليتها عن حادث تفجير طائرة "بان- أمريكان" فيما عُرف لاحقاً بقضية "لوكربي"، سوى دليل على حالة اللامسئولية التي تعيشها النخب العربية تجاه شعوبها وأبنائها.
ويعود الاعتراف الليبي بالمسئولية عن هذا الحادث إلى عدة دوافع أولها هو الرغبة في الخروج من حال الانعزالية التي تعيشها ليبيا منذ أكثر من 13 عاماً هي فترة العقوبات التي فرضتها عليها الأمم المتحدة. وثانيها هو محاولة إنهاء حال القطيعة في العلاقات الليبية الغربية، خاصة العلاقات مع الولايات المتحدة وذلك في ظل ظروف عالم ما بعد 11 سبتمبر. وثالثها هو فتح المجال أمام الاستثمارات الخارجية خاصة في مجال النفط الليبي الذي يشكل أكثر من 90% من الدخل الليبي. أما الدافع الرابع فهو الرغبة الليبية في إغلاق الملف نهائياً انطلاقاً من التسوية القضائية له، خاصة بعد الحكم القضائي الذي صدر ضد عبد الباسط المقرحي وقضي بسجنه مدى الحياة. ويأتي الاعتراف الليبي بالمسئولية عن حادثة لوكربي اتساقاً مع عدد من الخطوات التي اتبعتها القيادة الليبية في الأونة الأخيرة وهدفت منها كسر حاجز العزلة الدولية والانفتاح أكثر على العالم الخارجي خاصة شقه الغربي. وهو ما جعلها تنظر للاعتراف باعتباره جواز الخروج من هذه الحال الخانقة، وإن لم تكن هناك ضمانات غربية بإمكانية تحقيق ذلك.
ولا يخلو الاعتراف الليبي من دلالات عدة لعل أولها أنه تعبير عن حالة الخواء الفكري التي تعيشها النخب العربية الحاكمة، خاصة تلك المتربعة على كراسي الحكم منذ أكثر من ربع قرن من الزمان. فلو أن ليبيا أدركت حجم التغيرات التي أطاحت بالعالم خاصة منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، لاستطاعت تسوية ملف "لوكربي" منذ زمن بعيد، بل ولما تورطت فيه أصلا. أما الدلالة الثانية من هذا الاعتراف فهي أن القيادة الليبية أدركت مؤخراً حجم التغيرات التي أصابت العالم خاصة بعد وقوع أحداث سبتمبر مما فرض عليها ضرورة الخروج من حالة العداء للولايات المتحدة التي تمسك بسوط التهذيب والتأديب لمن يخالفها الرأي. وترتكز الدلالة الثالثة في أن الحالة الليبية في التعامل مع الغرب تنبع أساساً القرارات الشخصية للقيادة الليبية، فقراري عدم الاعتراف بالمسئولية في البداية ثم الاعتراف بها مؤخراً ما هو إلا تعبير بسيط عن عدم الاكتراث لسمعة الشعب الليبي الذي كان يظن حتى فترة قريبة أن بلاده غير متورطة في هذا الحدث الإجرامي، وجاء الاعتراف بالمسئولية عن الحادث بمثابة اللطمة على وجوه كل القوى الشعبية والفكرية الليبية. وليس أدل على ذلك من البيان الذي رفعه أكثر من تسعين مثقف ليبي إلى الأمم المتحدة يتبرأوا فيه من هذا الاعتراف الليبي ومؤكدين فيه على مسئولية القيادة الليبية فقط عن الحادث وليس الشعب الليبي الذي كان ضحية لأخطاء قيادته. أما الدلالة الرابعة – والأخيرة - فهي أن هذا الاعتراف قد يفتح الباب أمام استراتيجية ابتزاز طويلة المدى قد يمارسها كل من يتهم ليبيا بممارسة الأعمال الإرهابية، وليس أدل على ذلك من مطالبة فرنسا بصفقة شبيهة لصفقة لوكربي للحصول على تعويضات لضحايا الاعتداء على طائرة أوتا التي تفجرت في 1989 فوق صحراء النيجر وأدت إلى مقتل 170 شخصاً. فضلاً عن مطالبة ألمانيا بتعويضات مشابهة عن تفجير ملهى ليلي ببرلين عام 1988 وتتهم ليبيا بالضلوع فيه أيضا.
وعلى الرغم من وجاهة الاعتراف الليبي بهذه المسئولية واتساقه مع المتغيرات العالمية، إلا أنه قد أماط اللثام عن مدى الضعف الذي تتوارى خلفه الأنظمة العربية المهترئة، وكشف النقاب عن مدى الوهن الذي أصاب مواقفها السياسية. وكان يمكن لليبيا أن تعالج الموضوع بشكل أكثر دبلوماسية حفظاً لماء وجه شعبها وصوناً لكرامته. وكان يمكن حل الموضوع عبر أكثر من طريقة نذكر منها على سبيل المثال أن تتم تسوية الموضوع وديا مع عائلات الضحايا حتى ولو كلفها ذلك دفع مبالغ إضافية، كما أنه كان يمكنها تقديم بعض الاغراءات الاقتصادية للدول الغربية سواء من ناحية الاستثمارات النفطية أو غيرها لإغلاق الملف برمته ولكنها لما تفطن لذلك.
ولعل ما يثير الدهشة هو أن القيادة الليبية التي تشدقت مراراً وتكراراً بعدم مسئوليتها عن الحادث قد اندفعت لتلبي مطالب لندن وواشنطن وذلك أملاً في الحصول على شهادة الإفراج وصك الخروج من المعتقل الدولي. وهي في ذلك ضربت عرض الحائط بكل حججها ومواقفها السابقة ولم يحدث في النهاية إلا ما أرادته لندن وخططت له واشنطن. والأدهى من ذلك هو ارتفاع حجم التعويضات بشكل غير واقعي والتي وصل مجموعه إلى نحو 2.7 مليار دولار بواقع (35 مليون دولار لكل ضحية) وهو مبلغ خرافي لم يسبق وأن حصل عليه أحد من قبل في الحوادث المشابهة. ورغم ضخامة هذا المبلغ إلا أنه لم يشفع لليبيا لدى لندن وواشنطن للتخلي عن الاعتراف بالمسئولية عن الحادث.
وقد غاب عن ليبيا أنه بهذا الاعتراف قد أضافت لنفسها اعتراف آخر ضمني وهو أنها – وكما تدعي الولايات المتحدة - بلد يرعى الإرهاب الدولي وذلك انطلاقاً من تورط ليبياً في أكثر من حالة مشابهة. وبالتالي فإن الاعتراف بحادث لوكربي قد يأتي بنتائج عكسية على غير هوى القيادة الليبية التي رأت في الاعتراف مخرجاً من مأزقها الانعزالي الحالي. بل وقد يمثل بداية لابتزاز جديد خاصة وأن الاعتراف بالمسئولية يعني الحق في مقاضاة ليبيا مستقبلاً ولا يعني غلق الملف بل تركه مفتوحاًً لجميع الاحتمالات المستقبلية.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه حالياً هو: هل يضمن هذا الاعتراف الليبي تحقيق الأهداف الليبية التي تقف وراءه؟ هنا تبدو الإجابة مشوشة وغير مؤكدة وذلك انطلاقاً من عدة حقائق أولها أن مجلس الأمن لم يتخذ حتى الآن قراره النهائي برفع العقوبات عن ليبيا نهائياً، بل وهناك احتمالات واردة لفشل المجلس في تحقيق ذلك نظرا للفيتو الفرنسي. والحقيقة الثانية أنه لو اتخذ قرار بالفعل من المجلس برفع العقوبات فليس هناك ضمانات غربية بعودة العلاقات الليبية الغربية لوضعها الطبيعي. والحقيقة الثالثة والأهم وهي أن الأمنية الليبية بتهدئة العلاقة مع الولايات المتحدة ومحاولة توثيقها قد لا تتحقق، فقائمة المطالب الأمريكية لليبيا طويلة ومعبأة جيداً بدءاً من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وانتهاء بالتدخل الليبي في النزاعات الإفريقية وغيرها. ولعل هذا ما أشار إليه المتحدث باسم البيت الأبيض حين أكد أن رفع العقوبات عن ليبيا لا يعني إغلاق الملف الليبي نهائياًَ. أما الحقيقة الرابعة والأخيرة فهي أن القيادة الليبية لن تحصل على مرادها من الانفتاح إلا إذا أحدثت تغييرات جذرية في سياساتها الخارجية تجاه الدول الغربية بما يعني حل مختلف القضايا العالقة خاصة تلك الناجمة عن النزعة النرجسية للقيادة الليبية.
بيد أن ما يلفت النظر في هذه القضية هو أن النظام الليبي قد أفاق فجأة من غيبوبته الفكرية وأدرك مؤخراً أن التقرب من الغرب هو الملاذ الآمن من تقلبات الزمن الحالي المصبوغ بالصبغة الأمريكية. ولذا فقد وجدنا النظام الليبي الذي ظل قرابة الربع قرن معادياً للغرب وللولايات المتحدة تحديدا، قد تحول وبمقدار مائة وثمانين درجة من الضد إلى الضد كي يطلب العفو والغفران من الغرب على ما اقترفه من أخطاء في حق ضحايا لوكيربي وأوتا وغيرهما. وفي وسط هذا الموقف المتراجع لم يعبأ هذا النظام لمشاعر الشعب الليبي الذي التف خلف قيادته طوال سنوات الأزمة ورفع سيف الرفض عن تحمل وزر لوكربي حتي جاء الزعيم الليبي كي يباغت الجميع فجأة ويعلن مسئوليته عن ارتكاب الجريمة في استخفاف واضح بعقول الشعب الليبي. وما التعويضات التي دفعتها ليبيا سوى ثمن لخطأ الفكر وسوء التقدير، ولن يتحمل عبئها سوى الشعب الليبي المغلوب على أمره شأنه في ذلك شأن إخوانه من الشعوب العربية الأخرى التي تدفع فاتورة أخطاء حكامها. |