|
عكس الإنهيار التدريجي لإعلان الهدنة الأول، أو لوقف إطلاق النار الذي أعلنته الفصائل الفلسطينية، وجود ثلاث ثغرات كبيرة أدت إلى هذا الإنهيار بمثل هذه السرعة.
الثغرة الأولى وتتمثل في هشاشة الترتيبات الأمنية التي فرضتها إسرائيل خلال الشهرين السابقين وإشتراطها المسبق بأن يكون ضمان الأمن الإسرائيلي هو الأساس ومن ثم يمكن الحديث عن خطوات سياسية بسقف محدود هو ما عرَّفته خريطة الطريق بالدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة وبعد إخضاع الجانب الفلسطيني لإختبار التنفيذ الأمني وفق المفهوم الإسرائيلي.
الثغرة الثانية وتتمثل في أن الهدنة جاءت على شكل إعلان فلسطيني فصائلي من جانب واحد، ولم تتحول إلى إتفاق ملزم للحكومة الإسرائيلية التي أعلنت بأنه لا يعنيها من قريب أو بعيد.
الثغرة الثالثة وتتمثل في غياب الإشراف الدولي أو المراقبة الدولية، التي من شأنها أن تحدد الطرف الذي يخرق الإتفاق وتحمله المسؤولية وتجبره بالتالي على تنفيذ إلتزاماته.
ومن أجل تجاوز هذه الثغرات جددت القيادة الفلسطينية ومعها جميع الفصائل الوطنية الدعوة لإتفاق هدنه جديد تحت إشراف دولي، تكون إسرائيل طرفاً فيه، بينما أعلنت إسرائيل رفضها لهذه الدعوة وطالبت السلطة الوطنية بتفكيك ما تسميه بالبنية التحتية للمنظمات الفلسطينية، وهذا يعيد مركز المواجهة والصراع إلى النقطة التي إنطلق منها عندما بدأت المفاوضات حول تنفيذ خريطة الطريق، فالسلطة الفلسطينية من وجهة النظر الإسرائيلية قد إرتكبت خطأ مميتاً عندما إستبدلت "محاربة الإرهاب" بإعلان الهدنة.
وفي إطار الرد على الحملة الإسرائيلية يمكن الرجوع إلى ما نشرته صحيفة هآرتس على لسان أحد كتابها عوزي بنزيمان بتاريخ 22/8/2003 ويسجل فيه سلسلة من الخروقات الإسرائيلية منذ نهاية حزيران الماضي تشمل عمليات إقتحام وإغتيال وهدم وإعتقال وغيرها. لكن لا بد من الإشارة إلى أن الخروقات بصورة عامة ليست عسكرية فقط، فالخروقات والتجاوزات الإسرائيلية هي سياسية ايضاً ولها إمتدادات جغرافية وديمغرافية توسعية، وهي تعبر عن ذاتها في سياسية فرض الأمر الواقع الإحتلالي بكل تجلياتها الإستيطانية وفي ترسيم الحدود السياسية من جانب واحد وفي إلتهام مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي نسف اية امكانية تتيح للشعب الفلسطيني ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة ذات السيادة. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني ان انهيار اعلان الهدنة لم يكن سببه الوحيد انفجار الحافلة في مدينة القدس بتاريخ 19/8/2003 وإنما سلسلة الإجراءات الإسرائيلية التي سبقت هذا الإنفجار. فغيوم الأزمة كانت تتلبد منذ فترة غير قصيرة وقد إستُخدم إنفجار القدس لتقديم الغطاء وتحميل الطرف الفلسطيني المسؤولية! ولتدشين مرحلة أكثر عدوانية في السياسة الإسرائيلية تقوم على مبدأ، إما أن يقوم الجيش الإسرائيلي بضرب الإرهاب الفلسطيني وإما أن يقوموا هم الفلسطينيون بذلك.
نحن نقول بأن القضية المركزية التي مهدت وقادت لجميع التجاوزات تكمن في تحديد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون لشروطه الأمنية للسقف السياسي لخريطة الطريق، عندما أعلن بشكل صريح وواضح بأنه لن تقام دولة فلسطينية في حدود مؤقته إذا لم تُْقدم السلطة الفلسطينية على حل البنى التحتية لحركتي حماس والجهاد وباقي المنظمات الفلسطينية. وهذا يعني في أحسن الأحوال عدم الإنتقال إلى المرحلة الثانية من هذه الخريطة والبقاء في مرحلتها الأولى مع تحسينات وتسهيلات هنا وهناك في المجالين الإنساني والإقتصادي.
وبما أن خريطة الطريق ليست إتفاقاً رسمياً موقعاً بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فإن شارون وحكومته بتمسكهما بالشروط المذكورة، يكونان قد أجابا بالرفض على سلسلة المطالب الفلسطينية المشروعة، التي جرى التقدم بها، خلال مختلف الإجتماعات واللقاءات التي تمت مع الولايات المتحدة وإسرائيل منذ قمة العقبة.
وفي إجتماعات القيادة الفلسطينية عرض المفاوضون الفلسطينيون حوالي 12 مطلباً تشكل مداخل ضرورية وهامة لتطبيق خريطة الطريق مثل الإنسحاب وفك الحصار عن المدن ورفع الحصار عن الرئيس عرفات وتجميد الإستيطان وتفكيك البؤر الإستيطانية ووقف العمل في السور العازل وإطلاق سراح جميع المعتقلين وإعادة المقتطعات والمستحقات المالية الفلسطينية، وفتح المؤسسات الفلسطينية المغلقة في مدينة القدس، وغيرها.
لقد كشفت طريقة التعامل الإسرائيلي مع هذه المطالب منذ إعلان الهدنة في 29 حزيران الماضي، مدى الإستخفاف بالموقف الفلسطيني، إلى حد قيام شارون بإعتبار الهدنة مصالحة مع الإرهاب، والقول أيضاً بأن المطالبة الفلسطينية بإطلاق سراح الأسرى، وبوقف العمل في السور العازل هي قضايا ليست واردة وغير منصوص عليها في خريطة الطريق. وإعترافه فيما بعد أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الإسرائيلي بتاريخ 5/8/2003 "نحن لم نمنح شيئاً للفلسطينيين رغم أنهم قطعوا شوطاً في تنفيذ إستحقاقاتهم" ، "وأن إسرائيل يمكن أن تتوقف في كل لحظة عن التنفيذ من دون المجازفة بشكل خطير".
وعليه إبتدأت تتلبد غيوم أزمة غذتها سلسلة الإجراءات العسكرية والتوسعية الإسرائيلية التي تجسدت في عمليات الإقتحام والتدمير والإعتقال والقتل تحت يافطة ما يسمى"بالإحباط الموضعي"، ومحاربة " القنابل الموقوتة" وهي التسمية الإسرائيلية لمن يعتقد بأنهم قد يقومون في المستقبل بعمليات إستشهادية. ثم إنفجرت التجليات العنيفة لهذا التوتير على شكل عمليات وعمليات مضادة، داخل المناطق الفلسطينية وفي إسرائيل.
وفي سياق عملية التأزيم الجارية، جاءت تهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز ورئيس أركانه يعلون بأن الجيش الإسرائيلي يعد نفسه لعملية عسكرية كبيرة حتى قبل إنتهاء فترة الهدنة في نهاية أيلول وقولهما بأن السلطة الفلسطينية ليست جادة في محاربة الإرهاب، وبأنه لا مناص من إبعاد الرئيس عرفات. وإقترنت هذه التهديدات بالإستفزازات الإسرائيلية في مدينة القدس وخاصة في المسجد الأقصى وبتمديد أوامر إغلاق المؤسسات المقدسية، وبالإعلان عن مخططات إستيطانية جديدة في غزة وغيرها من المناطق، وبمواصلة العمل بالسور العازل، وهي إجراءات إستهدفت توجيه رسائل سياسية حول موضوعات حساسة من المفترض أن تحسم على طاولة المفاوضات وليس من خلال خطوات أحادية الجانب وبالإستناد إلى منطق القوة وسياسة فرض الأمر الواقع الإحتلالي.
لا شك أن نهج الحكومة الإسرائيلية وخروقاتها المختلفة ومحاولاتها المحمومة تجزئة خريطة الطريق إلى ترتيبات أمنية وخطوات صغيرة، وجَعل محاربة الإرهاب مدخلاً لأي تقدم مهما كان شكلياً وبسيطاً، لاشك أن هذا النهج بات يتطلب فلسطينياً إصلاح الخطأ الإستراتيجي الذي أرتكب في أسلوب التعامل مع خريطة الطريق منذ البداية، وإعادة النظر بالنهج التفاوضي القائم على المطالبات أو على ما يمكن تسميته بخطة التراكم البطيء، وذلك بعد أن وصل هذا الأسلوب إلى طريق مسدود بتحديد شارون لسقف التسوية بالمرحلة الأولى لهذه الخريطة ، وبوضعه القيادة الفلسطينية أمام أحد خيارين، إما المراوحة في نفس المكان وإما الدخول في إحتراب داخلي تحت شعار تفكيك ما يسمى بالبنية التحتية للإرهاب.
ومن هنا فإن التمسك بإعلان الهدنة يشكل عاملاً هاماً في توحيد الموقف الفلسطيني وتعزيزه ويعتبر نقطة الإرتكاز الأساسية في التحرك السياسي الفلسطيني. الذي يجب أن يستند أيضاً إلى خطة تفاوضية شاملة تستند إلى إشراف دولي وآليات تنفيذية وجداول زمنية تضمن الإنسحاب وتزيل الحصار وتوقف الإستيطان وتفكك البؤر الإستيطانية وتطلق سراح المعتقلين وتقود في النهاية إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية وبدون المرور بمرحلة الدولة ذات الحدود المؤقته التي يراد تحويلها إلى حل إنتقالي دائم للقضية الفلسطينية.أي أن المطلوب هو تفكيك البنية التحتية للإحتلال.
هذا هو النهج البديل لنهج المطالبات والتراكم والذي سيتحول إلى خطوات صغيرة وشكلية وإلى مفاوضات بلا نهاية تشمل كل مدينة وقرية وحاجز ومستوطنة وأسير ومؤسسة...الخ ودون أن توصل لأية نتائج وهذا ما أصبح واضحاً وتجسده الأزمة الراهنة!
تبقى الإشارة إلى أن إدارة هذه العملية يجب أن تتسم بالحذر والحكمة وبعدم الإندفاع والمغامرة والإمتناع عن إتخاذ أية خطوات تحمل الشعب الفلسطيني مسؤولية إنهيار جهود التسوية. الأمر الذي يتطلب عدم التعامل مع الخروقات العسكرية الإسرائيلية وكأننا قوة عسكرية موازية أو أن نطلق التهديدات وكأننا قوة متعادلة عسكرياً مع الخصم! فهدف التحرك السياسي الجاري يجب أن يكون عزل حكومة شارون داخلياً وخارجياً وتحميلها مسؤولية الفشل، وإقناع من يمارس الضغوط على الفلسطينيين بأن عليهم ممارسة ضغوطهم على الطرف الذي يتحمل فعلاً المسؤولية، ويرفض الهدنة ويواصل سياسة الإغتيالات وفي هذه الحالة حكومة شارون، وإذا ما نجحنا في ذلك فإنه سيشكل إنجازاً للتحرك السياسي الحالي بغض النظر عن نتائجه المباشرة. |