|
الفلسطينيون المتزوجون من فلسطين المحتلة عام 48 والقدس
يعيشون شتاتا من نوع آخر …
في نكبة فلسطين الأولى رسمت حدود أطلق عليها اسم «دولة صهيون» على مجموع الأراضي التي احتلت حينها ..خرج أصحاب الأرض إلى لجوئهم وبقي منهم من أطلق عليهم فيما بد «عرب إسرائيل» نسبة إلى دولة الاحتلال …و أصبحت الحدود الفاصلة بين ما احتل آنذاك وما احتل بعد ذلك بأعوام لم تزيد عن العشرين حدود تفصل شعب واحد…وعلى طوال السنوات بقيت هذه الحدود خارجة عن نطاق الواقع بالنسبة لشعب بقي يتعامل من جغرافيا المكان كما اعتادوا قبل الاحتلال وليس كما رسمه الاحتلال …فكان من الطبيعي ان نرى العديد من الأسر التي ارتبط أبنائها بقريناتهم ممن يحملن هوية الدولة العبرية …لم تكن هذه الظاهرة لتقلق ولكن الأمر اختلف تماما في الفترة الأخيرة وخاصة في فترة الانتفاضة …فالحكومة الصهيونية أخذت على عاتقها إفشال محاولات التواصل بين هذه الأسر من خلال الإجراءات المعقدة لاقامة كل من الطرفين في أماكن تواجد الآخر ، واكثر من ذلك إجراءات الحصار المفروض على القدس و الأراضي المحتلة عام 48 ….
"تزوج ابني قبل الانتفاضة بسته اشهر إحدى الفتيات من الناصرة…وعاش معها في مدينتها نظرا لانه مكان عمله أيضا ، لم يكن الأمر يشكل لنا أي إزعاج فقد كان يزورنا في كل أسبوع مرتين هو وزوجته …هذا الوضع تغير تماما، فمنذ بدء الانتفاضة اصبح التنقل بالنسبة اليه صعبا للغاية ، أحيانا ينقطع عنا اكثر من ستة اشهر لا يستطيع زيارتنا فيها بسبب الطرق والحصار وفي المقابل نحن لا نستطيع ان نصل أليه " قالت أم نبيل ملحيس من مدينة نابلس".
وان كانت زيارة نبيل لوالدته و أهله ليست متاحة فان العكس أيضا يعتبر مستحيلا " عندما رزق ابني في العام الأول للانتفاضة بطفله البكر حاولت زيارته للاطمئنان عليه ورؤية حفيدي إلا أن الوضع كان مستحيلا ، نابلس تعاني من حصار مشدد وفي المقابل هناك طوقا أمنيا على المناطق، وزوجة ابني لا تستطيع الدخول الى المدينة كونها تحمل البطاقة الإسرائيلية، حيث تعتبر المناطق المحتلة عام 67 مناطق عسكرية مغلقه".تابعت.
كما يشكل وجود الأزواج في القدس و في الأراضي المحتلة عام 48 دون هوية أو تصريح للإقامة مخاطرة كبيرة عليهم وعبئا نفسيا على زوجاتهم، ومنهم من تعرض للضرب والإهانة والاعتقال حتى وإن وجد في هويات زوجاتهم ما يثبت أنهم مرافقين لها، أو عقد زواج يثبت الحالة.
وهذا ما حصل مع إبراهيم درويش الذي أمسكت به الشرطة الإسرائيلية وأوسعته ضربا واحتجزته في سجن المسكوبية مدة ثلاثة أيام حتى قامت زوجته بإحضار كافة الإثباتات اللازمة بأنه متزوج من مقدسية، وأطلق سراحه بعدها ومنع من التواجد داخل حدود المدينة.
أما أبو أسعد العيني فقد قامت الشرطة الصهيونية بتمزيق لم الشمل الذي بحوزته بعد أن ظل نحو العشرين عاما مشتتا عن عائلته وسكن في الأردن، وبعد أن استطاعت زوجته استصدار لم شمل له عاد إلى القدس، وحينها اعتقلته الشرطة وحدث ما حدث، وتم الزج به وزوجته وأبنائه في معتقل المسكوبية وبعد ذلك قالوا له : أحضر إثباتا أن معك لم شمل ….
وفي آخر إحصائية صهيونية فان اكثر من 2300 فلسطيني تم اعتقالهم منذ بداية الانتفاضة في الأراضي المحتلة عام 48 اكثرهم من الأزواج الذين يقطنون مع عائلاتهم في المدن الفلسطينية. الاعتقال والترحيل يعني بالنسبة للأزواج حياة بين جهتي الخط الفاصل بين شقي فلسطين المحتليين.
بسام مهداوي (32عاماً)، من قرية شويكة قرب طولكرم، ومها (31 عاماً)، من قرية قلنسوة العربية تزوجا في 1998 وأقاما في قريتها قلنسوة، وشرعا في إجراءات لم الشمل الذي يتيح- في حال الحصول عليه- للأسرة التي يكون أحد طرفيها من القاطنين داخل الخط الأخضر، العيش هناك مع أسرته.
لكن وزارة الداخلية الصهيونية رفضت، بعد ستة شهور، منح بسام حق الإقامة مع زوجته، بذريعة أن الشرطة اعتقلته ذات يوم لدخوله حدود الدولة العبرية بطريقة غير قانونية.
بسام، بعد محاولات يائسة عاد إلى قريته ، فور صدور القرار، تاركاً وراءه زوجته، لتواصل بدورها الكفاح أمام المحاكم والدوائر الحكومية المختصة من أجل حقها في العيش مع أسرتها في بلدها.
وقالت مها: "لقد بقيت هنا في قلنسوة حتى أحافظ على حقي وحق أسرتي في الإقامة في بلدي".إلا أن مها تقوم بزيارة زوجها من حين لآخر "كانت الطريق إلى طولكرم سهلة قبل الحصار، ولم تكن تستغرقني سوى عشر دقائق، لذاك فقد كنت أزوره اسبوعياً، أما اليوم، بعد الحصار، فإنني أضطر لسلوك طرق التفافية صعبة، تستغرق الكثير من الوقت، لذلك فإنني أزوره مرة كل شهر، أو شهر ونصف".قالت مها.
ولم تكن الأسر التي يقطن أحد الأزواج القدس الشريف بأفضل حالا من الأراضي المحتلة عام 48 الأخرى ، على العكس فالإجراءات قد تتضاعف لخصوصية المكان والذي يحاول الصهاينة افراغه من فلسطينيته دوما " أعيش عند أهلي في القدس، وزوجي يعيش في بلدته داخل الضفة، ونلتقي في نهاية الأسبوع…"، قالت رنا العشي المقدسية التي تزوجت منذ ما يقارب الشهرين واصفة حالها.
و العشي موظفة من القدس، تزوجت بأحد الشبان من منطقة بشمال الضفة، منذ ما يقارب الشهرين، لم تحاول تقديم لم شمل لزوجها لأنه لا فائدة منه على حد قولها، :" أعيش وزوجي حياة صعبة، فهو يقيم عند أهله في الضفة وأنا أعيش في القدس عند عائلتي، بعيدين عن بعضنا ولا نلتقي إلا في نهاية الأسبوع…" قالت رنا، وأضافت:" أخاطر بالذهاب دوما إلى بلدته لصعوبة وصوله هو عندي بالرغم من أننا استأجرنا منزلا في الرام، بين رام الله والقدس، وندفع إيجاره دون أن نسكنه…".
تجد رنا صعوبة في ترك وظيفتها التي تشكل مصدر رئيسي لدخلها وزوجها، والذي بدوره لا يستطيع ترك عمله في بلدته والسكن في منطقة الرام دون عمل خاص مع صعوبة الأوضاع والتنقل على الطرقات الرئيسية، وهكذا يجد الزوجان نفسيهما يعيشان حالة من التشتت خاصة وأن المشكلة قائمة منذ زمن، ولا تظهر لها بوادر حل مع تزايد القرارات الإسرائيلية الرامية لتضييق الخناق على السكان المقدسيين لإفراغ المدينة من السكان الفلسطينيين بسياسة مسعورة ومحمومة لتهويد المدينة بشتى الوسائل الممكنة.
سهى القاضي سيدة مقدسية أخرى متزوجة منذ ما يقارب الثلاث سنوات ولديها طفلين، تقول:" قدمت أوراق جمع شمل لزوجي منذ أكثر من عام، ولكن حتى اللحظة لم يحصل عليها أي جديد، والآن مع توقف قبول هذه المعاملات لا أدري ماذا سنفعل، فالحياة أصبحت صعبة للغاية خاصة مع وجود طفلين يحتاجان للرعاية ووجود والدهم إلى جوارهما دوما…"، وكانت القاضي تقيم في مدينة رام الله في أغلب الأحيان، وفي بعض الأوقات تضطر للبقاء فترات طويلة عند أهلها بالقدس كي تتابع معاملة جمع الشمل كاملة ويتم إثبات تواجدها في القدس، وهو شرط أساسي و يجب أن تثبت لدى مكتب الداخلية ذلك.
فالعائلة يجب أن تكون من سكان مدينة القدس ولديها عنوان دائم، مع فواتير ماء وكهرباء تثبت استمرارية السكن، إضافة لدفع ضريبة الأرنونا على الأملاك والعقارات، وكذلك ضرورة حوزة عقد الإيجار أو ورقة ملكية البيت.
وبعد تجميع هذه الأوراق والوقوف ساعات طويلة بشكل مذل وتحت أشعة الشمس الحارقة صيفا وتحت المطر شتاء أمام مكاتب الداخلية الإسرائيلية على مدار أيام ، وقد تصل أحينا إلى أسابيع تقدم الطلبات لينظر فيها بعد عدة أشهر وربما سنوات إما قبولا أو رفضا في أغلب الأحيان.
تقول سهى:" يضعون علينا شروطا تعجيزية عند تقديم طلبات لم الشمل، إضافة إلى دفع مبالغ طائلة سواء عند تقديم الطلب أو عند تسجيل الأطفال الجدد في هوية الأم…".
وتضيف:" لقد خرجت وزارة الداخلية بقرار جديد يقضي بمنع تسجيل الطفل إذا زاد عمره عن سبعة أشهر تقضيها الأم أمام مكاتبهم المزدحمة دوما لتسجيل طفلها الجديد، وإن لم تفعل خلال تلك الفترة لا يعتبر الطفل مرافقا ويحتاج لطلب جمع شمل جديد ومستقل…".
وهذه الأسر هي عينة من بين 22 ألف أسرة تنتظر قرار لم شملها لتعاود العيش سويا…ولكن الحكومة الصهيونية بددت كل أمل بجمع شمل هذه الأسرة، مطلع نيسان من العام الماضي جمدت بموجبه البحث في جميع طلبات لم شمل العائلات التي يكون فلسطينيون من الضفة والقطاع طرفاً فيها.وفي الثاني عشر من أيار من العام ذاته أصبح هذا القرار رسمياً عندما صادقت عليه الحكومة بجميع أعضاءها.وحسب تقديرات متطابقة فإن القرار الصهيوني يحرم آلاف الأسر الفلسطينية من حقها في لم الشمل.
الحكومة الصهيونية تدعي بأن قرارها هذا جاء على خلفية قيام فلسطيني من مخيم جنين يحمل الهوية، بعملية استشهادية في نهاية آذار من العام الماضي.وقالت الحكومة بأنها تسعى من وراء ذلك إلى الحيلولة دون تكرار حدوث عمليات من هذا النوع على أيدي فلسطينين يحصلون على الهوية الصهيونية بهذه الطريقة.
ويمر طلب لم شمل العائلات العربية في الدولة العبرية بمراحل وتعقيدات كثيرة متنوعة، يستمر البحث فيها سنين طويلة لا حصر لها.
ففي المرحلة الأولى تكون الحصول على تأشيرة السكن في حدود ما يسمى دولة "إسرائيل"، و قد تعطى أو لا تعطى، لصاحب طلب لم الشمل، بعد فحص طلبه من الناحيتين الأمنية والجنائية، وهي تأشيرة يسمح لحاملها بالإقامة فقط".
والمرحلة الثانية هي الحصول على تأشيرة مواطنة مؤقته، ويسمح لحاملها بالإقامة والعمل والعلاج الصحي.والمرحلة الثالثة هي مرحلة الحصول على المواطنة المؤقتة لمدة سنة، قابلة للتجديد، لأربع سنوات.أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهي الحصول على المواطنة أو الجنسية، ويمنح صاحب الطلب بموجبها حق الإقامة. |