|
لا تزال تعاني من الفقر والبطالة …في ظل تقليصات وكالة الغوث…

"كم هي مؤلمة خيبة الأمل في وجهها الأسمر المجهد لقد كان يحس الغصة تتعلق بألف ذراع في حنجرته وهي تنظر بصمت مريع إلى كيس الطحين الفارغ يتأرجح على ذراعه كالمشنوق فقد كانت تعني في نظرتها تلك أن عشرة أيام ستمضي قبل أن يجدوا طحينا للأكل …كان على كل طفل في المخيم أن ينتظر عشرة أيام ليأكل خبزا…وكان لا يزال راغبا في أن يراه يبتسم لقميص جديد "…
كانت تلك الجمل مقتطفات من قصة "القميص المسروق" والذي يروي فيها الكاتب قصة أهالي مخيم فلسطيني "مخيم النازحين" كما اسماه …تدور القصة حول فقر المخيم وكيف ان ابو العبد لا يجد عملا ليكسب منه القليل من المال لشراء قميص جديد لطفله يقيه من برد الخميه وكيس طحين جديد وخاصة ان معونات وكالة الغوث ستتأخر عشرة أيام أخرى….
ولم تكن تلك القصة لتقفز إلى سطح الذاكرة لولا ذلك السؤال الذي اخذ يلح علي عند سماعي لاحد أبناء مخيم بلاطة يشكو من الفقر " لم نصل إلى هذا المستوى السيئ من الفقر والعوز في حياتنا، الحياة أصبحت لا تطلق مع هذا الفقر لا نعرف كيف نسد التزامات عائلاتنا".السؤال الذي تكرر في ذهني " اين سمعت هذه التفاصيل من قبل؟؟؟..
أن كانت هذه القصة غير وحقيقة بأسمائها وتفاصيلها الدقيقة إلا أنها على الأكيد مستوحاه من واقع اللجوء الفلسطيني الذي عاشه كاتبها "غسان كنفاني"…قد تبدو واقعية لتوثيق فترة بائسة عاشها اللاجئون ولكن ما يلفت النظر هنا أنها أيضا تبدو واقعية وممثلة لحال المخيمات واللاجئين ألان وان كانت الخيمة تحولت إلى بيت صغير لا يسع للأسرة إلا أن برد اللجوء لا يزال يطاردهم…وفقر الحال وقلة الحيلة …وفقر وكالة الغوث…
فقر وبطالة…
هذا ليس فقط حال مخيم بلاطة و إنما حال مخيمات الضفة والقطاع كافة ففي الانتفاضة الحالية عانت المخيمات بالإضافة إلى الحصار والمداهمات و الاجتياحات إلى الحصار الأمر الذي خلف بطلة وصلت في كثير منها إلى 80% الأمر الذي خلق نسبة فقر عالية جدا…
"في الحديث عن الفقر حدث ولا حرج اكثر من 80% من أبناء المخيم يعانون من الفقر، هناك اسر لا تجد ما تعتاشه لولا ما تقدمه وكاله الغوث لها" قالت إحدى المطلعات على أحوال المخيم تابعت " هناك العديد من الحالات الإنسانية والتي لا يعرف بها أحد، والمساعدات التي تصل المخيم لا تصل لكل الناس " تابعت. وحسب إحصائية أحد الباحثين في شؤون المخيمات الفلسطينية فان 80% من أبناء المخيمات يعانون من الفقر خلال الانتفاضة.
والمتجول في أزقة المخيم الضيقة لا يحتاج إلى الكثير ليكتشف ذلك فعلا فالرجال يجلسون أمام بيوتهم لا يجدون ما يفعلون، علامات الفقر وسوء التغذية ظاهرة على وجوه الأطفال وعندما تدخل تلك البيوت لتتعرف على أهلها تكتمل الصورة " منذ الاجتياح الأول للمخيم ونحن ننظم أنفسنا على ان نكتفي بما تقدمه لنا الوكالة من مساعدات ومواد تمويل" قالت إحدى السيدات والتي تتكون عائلتها من تسعة أفراد " فحتى عندما فكر زوجي بان يبيع على بسطة في مركز المدينة بعد ان فقد عمله منذ عامين ونصف في" إسرائيل"، اصبح الوصول إلى قلب المدينة يحتاج إلى ساعات بالإضافة".
وفي منزل آخر كانت الصورة تتكرر حالات إنسانية صعبه للغاية ففي منزل إحدى العائلات "عوادة" كان المنظر يثير الأسى فالبيت مكون غرفة كبيرة مقسمة كيفما اتفق على ان تكون غرفة نوم ومطبخ وجلوس وكل شيء وعدد سكانها خمسة" الأوضاع لا تتحسن على الإطلاق في كل يوم هناك المزيد من الحصار على المخيم لا يجد أحد من أبنائي الثلاثة عمل، تضطر شقيقتهم الكبرى والتي تعمل في مشغل خياطة على ان تصرف على البيت إلا ان ما تكسبه بالكاد يكفي لسد الرمق" قالت الوالدة. وتابعت " حتى ان الراتب التي تقتضيه تضائل إلا أنها لا تستطيع ترك العمل فهي المعيل الوحيد لنا".
تزامن هذا الواقع مع تقليصات أخرى قامت بها وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الاونروا" في ميزانيتها بشكل مطرد على طول سنوات الانتفاضة الثلاثة…فبطاقة الغوث أصبحت تشكل لهذا اللاجئ والذي رفض قبولها في الماضي مصدر العيش الوحيدة والوسيلة الوحيدة التي يضمن بها بقاءه وعائلته وتجنب الموت جوعا، وبعد اكثر من (55) عاما وفي ظل استهداف واضح للحكومة الصهيونية لهؤلاء اللاجئين يصبح هؤلاء اللاجئين عرضة لخسران حتى تلك البطاقة….
عام التمر…
وبالرغم من رفض الكثيرين لهذه البطاقة في البداية الا انها أصبحت مصدر رزقهم الوحيد . فبعد خروج الفلسطينيون من بيوتهم في المدن والقرى الفلسطينية عام 48 ووصولهم الى المناطق التي تطورت فيما بعد الى مخيما التي دامت غربتهم فيها "55" عاما في انتظار العودة،؟ عاشوا مرحلة صعبة من الفقر وسوء الحال لدرجة المجاعة الحقيقة حتى ان بعض السنوات عرفت بعام "التمر" لعيش الناس على التمر لنقص المواد الغذائية وكانت التجمعات عبارة عن خيم ، وحتى المرافق العامة كانت خيما. كان الصليب الأحمر الدولي هو الذي يقوم بالإشراف العام على أوضاع هؤلاء اللاجئين حتى عام 1951 واستلام وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين"الاونروا" مسؤولية هذه المخيمات فقامت بتحسن الأوضاع الاقتصادية لهذه المخيمات فقد كانت المشكلة الأساسية هي الحد من ظاهرة المجاعة والتي كانت منتشرة بشكل كبير في المخيمات، فعمدت في البداية الى تقديم المواد الغذائية التي تكفي الناس للعيش حتى تم وقف المجاعات وإنعاش الناس.
وفي المرحلة الثانية قامت الوكالة بالعناية بالأمور الأخرى وتقديم الخدمات اليومية مثل الصحة، التعليم التشغيل اللاجئين من خلال المشاريع التي بدأتها الوكالة في عام 1955، عند قيامها ببناء الوحدات السكن الأسمنتية واستغنائها عن الخيم ورغم ان الأوضاع لم تكن الأحسن إلا أنها كانت مقبولة فقد وفرت لكل أسرة غرفة واحدة، وسمحت لمن يقتدر الزيادة على البناء فيما بعد.
تراجع الخدمات
واصلت الوكالة خدماتها التي كانت لحد ما تكفي احتياجات جميع البناء المخيمات، ولكن الوضع في هذه الأيام اختلف كثيرا فالبرغم من الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيشها أبناء المخيمات وما خلفه الاحتياجات المتواصلة لهذه المخيمات من فقر وبطاله وتدمير للبنية التحتية لهذه المخيمات الا ان الوكالة قامت مع بداية انتفاضة الأقصى بتقليص خدماتها بشكل ملحوظ استكمالا لما بدأته في الثمانينيات.
فمع بداية الثمانينيات بدأت الوكالة بتقليص خدمتها من خلال تقليص الميزانية وبدء مستوى هذا التقليص يرتفع شيئا بشكل كبير في التسعينيات ففي عام 1993 وصلت نسبة التقليصات الى أكثر من 35%،مما يشير بشكل ملحوظ ان هذه التقليصات ذات أبعاد سياسية.
ولم تتوقف هذه التقليصات إلى هذا الحد فمع انطلاقة انتفاضة الأقصى وفي العام 2001 قلصت الوكالة من حجم ميزانيتها، حيث بلغت نسبة العجز في الميزانية اى 1000% حيث وصل العجز الى 20 مليون دولار.
هذه الأرقام و بالمقارنة مع الحقائق التي تقول ان المخيمات الفلسطينية كانت اكثر الشرائح الفلسطينية تضررا خلال هذه الانتفاضة توضح الكارثة التي تتهدد هذه المخيمات، ففي دراسة أعدها مركز الميزان "بعنوان الانتفاضة خلال عامين في أرقام" تبين التوزيع النسبي للشهداء حسب التجمعات السكنية أوضح أن 8.93 من مجموع الشهداء هم من المخيمات .بالإضافة إن 58.9 % من أصحاب المنازل التي دمّرها الاحتلال خلال انتفاضة الأقصى هم من اللاجئين و أكدت الدراسة إن قوات الاحتلال ألحقت الضرر بـ 2249 منزلاً في غزة بينها 606 تدمير كلي و 1643 تدمير جزئيّ.
هذه الدراسة والتي استهدفت المخيمات في القطاع فقط تظهر حجم المأساة التي يعيشها أهالي المخيمات وخاصة في العام الحالي حيث أعلن الناطق باسم الاونروا "رينيه اكوارون" هذا الأسبوع ان وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين تحتاج إلى 7،39 ملايين دولار للجزء الاول من العام 2003، وانها لم تحصل حتى اليوم الا على مبلغ زهيد بقيمة 10 آلاف دولار.
مهددة بالإفلاس…
وقال الناطق في مؤتمر صحافي عقده في جنيف ان اللاجئين الفلسطينيين معرضون لان يعيشوا في "وضع مأساوي جدا" خلال الأشهر المقبلة، مشيرا إلى ان الوكالة تعمل على مواصلة مهامها الى جانب اللاجئين مستعينة بقروض مؤجلة لم تصرف العام الماضي·
ومن جانبه حذر المفوض العام للاونروا" بيتر هانسن" في تصريح سابق من ان "موارد البرامج الطارئة المخصصة للضفة الغربية وقطاع غزة ستنفد في نهاية آذار، وكذلك الأمر بالنسبة الى الأموال المخصصة لتأمين الحاجات الغذائية لــ1،1 مليون شخص…، اذا لم تصل المساعدات الإنسانية فورا"·
وعلى ارض الواقع كانت هذه التقليصات لها أثرها الواضح على حياة اللاجئين، يشير محمود حرب مسؤول العلاقات العامة في لجنة خدمات مخيم بلاطة أن غياب المعونات من الأونروا أدى إلى تخفيض حجم المؤن المخصصة لـ 120.000 أسرة لاجئة في غزة، في حين تم الاستغناء عن 1.600 من موظفي الطوارئ في الضفة الغربية، كما توقفت المدفوعات المخصصة لإسعاف اللاجئين.هذا الأمر يعني تقليص المساعدات للاجئين بشكل عام …
حيث سيتم إلغاء العمليات الإنسانية الضرورية، مثل إعادة الترميم والهدم المنازل المدمرة.كما انه لن يكون من الممكن الاستمرار في تقديم إمدادات الطعام والمخيمات والأموال للمشردين ما لم تصل المعونات.وبالإضافة إلى وقف العمل في برنامج الطوارئ لتشغيل عمال وموظفين من مخيمات اللاجئين في مراكز تابعة للوكالة مثل العيادات الطبية والمدارس والمراكز النسوية والشبابية.
ويشكل اللاجئون الفلسطينيون الذين أجبروا على الهجرة من ديارهم إثر نكبة عام 1948 في محافظات الضفة الغربية ما نسبته 30 % من إجمالي عدد السكان والبالغ عددهم حوالى 554.696.1، وقد بلغ عدد اللاجئين حوالى 770.607 نسمة من مجموع عدد اللاجئين المسجلين لدى وكالة الغوث الدولية "الأنروا" في الدول العربية والذين قدّر عددهم بحوالى 738.874.3 نسمة.
وحسب إحصائيات وكالة الغوث بتاريخ الأول من حزيران (يونيو) 2002، فإن ثالث أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين يتمركز في محافظات الضفة الغربية بعد الأردن وقطاع غزة.
ويبلغ عدد مخيمات الضفة الغربية 21 مخيماً وتجمعاً، موزعة على معظم المحافظات، ويعيش في تلك المخيمات حوالى 139.163 نسمة من مجموع اللاجئين الذين يعيشون في الضفة الغربية والبالغ عددهم حوالى 770.607 نسمة.
قد يبدو ما ذكر بعض المشاهدات إلا أنها بالتأكيد ليست ناقلة للصورة الحقيقة ففي تلك المخيمات التي عانت من الحصار والتدمير وفي ذكرى نكبته أل 55 الكثير من تلك الحالات التي لا تزال متوارية وراء أزقة المخيمات وما بقي من ماء وجهها تنتظر من ينظر أليها بعين الرأفة…. |