|

أثارت عمليات الاغتيال المتواصلة التي تقوم بها قوات الاحتلال الصهيوني ضد قيادات وكوادر من الشعب الفلسطيني ضجة حتى في الأوساط الدولية بالإضافة إلى الغضب الشديد الذي انتاب الشارع الفلسطيني كافة.
ولم تكن حرب الاغتيالات التي تقوم بها الدولة العبرية اليوم بالجديدة على السياسية الصهيونية، ففي نظرة تاريخية لاستخدام الدولة العبرية لمثل هذا الأسلوب نرى انه يعود الى عقد الأربعينيات إلى المرحلة السابقة على إقامة "إسرائيل" إذ ذاك، تم إنشاء ما يسمى "مقاتلو الحرية" (ليتحي)، و كانت أبرز عملياتهم اغتيال الوسيط الدولي السويدي الجنسية.
ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد بل تعدتها إلى قيام الصهاينة أيضا في الأربعينيات ب أسلوب "الطرود المفخخة"، التي كانوا يرسلونها إلى شخصيات عربية وفلسطينية بغرض تصفيتها أو إعاقتها جسدياً،والذي استخدم أيضا لتصفية بعض الضباط الإنجليز في مصر
فالاغتيالات أسلوبا صهيونيا لخدمة الفكرة الصهيونية المبنية على "خرافات الدين والتاريخ" الصهيونية ولم تكن فقط لمحاربة الفلسطينيين فقد استخدمتها أجهزة المخابرات الصهيونية في العام 63 لتصفيه شخصيات ألمانية اعتبرتها "إسرائيل" قد ساعدت مصر في برنامجها الصاروخي.
وتعاظمت سلسلة الاغتيالات ضد الفلسطينيين بشكل خاص في سنوات السبعينيات. ففي العام 1972 اغتال الـ"موساد" القائد الفلسطيني "غسان كنفاني" أحد أهم القياديين في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي العام 1973 نفذت قوة كوماندوس صهيونية عملية اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين هم: "أبو يوسف النجار" و"كمال عدوان" و"كمال ناصر".
و في كانون الأول من العام 1975 اغتال الـ"موساد" "محمود الهمشري" مؤسس قوة الـ17 الفلسطينية العملية جرت في باريس من خلال عبوة متفجرة وقعت في هاتف بيته. وفي العام 1973 وتحديداً في تموز، اغتال الـ"موساد" المسؤول الفلسطيني في حركة فتح "محمد بوديا" من خلال تفجير سيارته التي كان همّ لقيادتها. وفي شباط من العام 1979 استطاع الـ"موساد" اغتيال "أبو حسن سلامة"، قائد قوة أل"17" في بيروت، وعملية الاغتيال تمت بتفجير عبوة متفجرة بالقرب من سيارته عبر جهاز لاسلكي.
ولم تكن سنوات الثمينات والتسعينات خالية من ضحايا الاغتيالات الصهيونية حيث اغتيل المسؤول الفلسطيني أبو جهاد في نيسان من العام 1988 وذلك في العاصمة التونسية، وفي تشرين الأول من العام 1995 اغتال الـ"موساد" أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور الشهيد"فتحي الشقاقي" في مالطا لدى عودته من زيارة لليبيا، وقد نفذت عملية الاغتيال عبر عميل كان يستقل دراجة نارية، وأطلق عميل الـ"موساد" النار على رأس "الشقاقي" فيما كان عميل آخر يقود الدراجة ذاتها.
وفي كانون الثاني من العام 1996 اغتالت "إسرائيل" القائد الفلسطيني في حركة "حماس" "يحيى عياش" في منطقة غزة وتم وضع مادة متفجرة في هاتفه النقّال وفي أيلول 1998، حاول أل"موساد" اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل، اعتماداً على مادة سامة أدخلت في جسمه.
الانتفاضة الحالية …الأمر مختلفا
وان كانت سلسلة الاغتيالات السابقة والتي كانت تحدد بعناية فائقة على حد "وصف الصهاينة" قد اقتصرت في تلك السنوات على القادة فقط ففي انتفاضة الأقصى اتخذت منحى أخر فبالإضافة الى القادة العسكريين للأجنحة العسكرية لتنظيمات المختلفة فقط في ذلك إلى الكوادر الحركية واستخدمت خلالها العديد من الأساليب والتي كان من أبرزها القصف بالطائرات الاباتشي مستهدفا أهدافا متحركة وثابتة.
فقد بدأت سلسة الاغتيالات باغتيال أحد كوادر الجناح العسكري لحركة فتح الشهيد "حسين عبيات" عندما قصفت سيارته في بيت ساحور في التاسع من تشرين ثان من العام الأول للانتفاضة.
وتوالت عمليات الاغتيال وفي آخر إحصائية للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يوضح التقرير، الذي يغطي الفترة بين 29/9/2002-30/4/2003، أن عدد جرائم الاغتيال التي اقترفتها قوات الاحتلال الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ بدء الانتفاضة في 28/9/2000، وحتى 30/4/2003، وصل إلى 128جريمة، راح ضحيتها 242 مواطناً فلسطينياً، بينهم 159 من المستهدفين (بينهم ثلاثة أطفال). وسقط جراء تلك الجرائم 83 مواطناً آخرين غير مستهدفين تواجدوا مصادفة في محيط الجريمة، بينهم 30 طفلاً و7 نساء، و9 أشخاص من كبار السن. كما بلغ عدد المصابين في تلك الجرائم 359 مواطناً، بينهم 27 مستهدفاً، إلى جانب 332 غير مستهدفين، تواجدوا مصادفة في دائرة وقوع الجريمة، تراوحت إصاباتهم بين متوسطة وخطيرة.
وقد تنوعت أساليب الاغتيال ففي تشرين الثاني من العام 2000 أطلق جيش العدو النار على ثابت ثابت المسؤول في حركة فتح. وبطريقة أخرى فقد تم اغتيال عدد منهم عن طريق تفخيخ "كابينه تلفون عمومي"، وكانت لطائرات الاباتشي دورها البارز في هذه العمليات حيث سجلت عدد كبير من حالات الاغتيال عن طريق صواريخ تطلق أما على الباني كما حدث في حاثة اغتيال " أبو علي مصطفى" الأمين العام للجبهة الشعبية،او عن طريق قصف هدف متحرك "السيارات الخاصة ".
أهداف الاغتيال
بدى واضحا في الفترة الأخيرة ان الدولة العبرية ترغب في تصفية كوادر الانتفاضة مفضله ذلك على اعتقالهم او نفيهم، وكان هذا واضحا من خلال عمليات الإعدام التي كانت تنفذها في كثير من الأحيان بحقهم بعد اعتقالهم، ولعل هذا هو السبب الرئيس لهذه العمليات، وفي الغالب تسوغ تلك الأهداف بتبريرات أمنية صهيونية.
وفي كثير من الأحيان كانت تلك التبريرات تصب في ان الاغتيالات تهدف إلى "إلى تجنيب الفلسطينيين العزل القتل. بينما تكذبها إحصائيات "انتفاضة الأقصى والاستقلال"، على مدى سنتين ونصف (حتى أواخر أبريل / نيسان 2003)، إذ سقط زهاء 2400 شهيدا فلسطينيا، 80% منهم مدنيون، ثلثهم من الأطفال، مقابل 10%، فقط من القادة والمخططين".
بينما يبدو الهدف الرئيسي لهذه العمليات الى ضرب روح المقاومة و الصمود لدى الشعب الفلسطيني وخاصة في الانتفاضة الأخيرة حيث ارتفعت وتيرة هذه العمليات بشكل ملحوظ فقد تعرض معظم الكوارد العاملة للحركات الفلسطينية المختلفة لعمليات تصفية و اغيتال.
الا أن حجم هذه العمليات وانتشارها وتنوع أشكالها لم تعط النتيجة التي كانت تأمل بها الدولة العبرية وهي القضاء على المقاومة واستئصال جذورها، فمع كل عملية اغتيال كان الرد على المستوى ذاته "القتل بدون تمييز لن ينهى الصراع"، كان هذا تعليق إحدى الصحف العبرية "هأرتس" ". فالفصائل لا ترتدع باغتيال نشطائها، بينما يزداد تدفق الفلسطينيين على هذه الفصائل" وفي تعليق لنتانياهو منافس رئيس حكومة العدو شارون على تلك العمليات قال بأن شارون "وعد بالأمن، وجلب لنا الكوارث".
فقد توالت العمليات الاستشهادية في الرد على كل عملية اغتيال قامت بها قوات الاحتلال الصهيونية ففي اعقاب اغتيال ابو علي مصطفى كان اغتيال وزير السياحة الصهيوني، وفي اعقاب اغتيال رائد الكرمي كانت عمليات شهداء الأقصى وسرايا القدس، وفي اعقاب عملية الاغتيال الفاشلة اخيرا كانت عملية القدس الاخيرة.
أهداف جديدة
ويبقى السؤال "اذا ما كانت هذه العمليات تجلاب الكوارث للدولة العبرية فلماذا الاستمرار بها وهل هي وقاية أم انتقام ومخطط؟ وتضح الاجابة على هذا السؤال بانها لا يمكن ان تكون وقاية لمنع العمليات الاستشهادية كون أن غالبية العمليات الاستشهادية جاءت في غالبيتها رد فعل عل عمليا ت اغتيال في الأصل، ومن الواضح بأن هناك أهدافا أخرى، وبالتحديد فيما يتعلق باغتيال القيادات المؤثرة والسياسية في تللك التنظيمات مثلما حدث أخيرا في محاولة اغتيال "عبد العزيز الرنتيسي".
يرى "شارون "ان الوحدة الوطنية الفلسطينية شكلت وما زالت تشكل خطرا استراتيجيا على النظرية الأمنية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية والقادمة، فمن الممكن القولان الهدف الحقيقي وراء تلك العمليات " هو هذه الوحدة".و ضرب العلاقة بين التيارات المعارضة للحل السياسي والتيارات المعتدلة على حساب ضرب العلاقة بين هذه التيارات ومؤسسات السلطة الوطنية.
وهذا ما حدث بالفعل فقد كانت الدولة العبرية تستغل أي حوار وطني بين تلك التنظيمات او قربها من اتفاق موحد لتخرج بعملية اغتيال جديدة. |