|
لبست الحداد …و حناءها حنا الشهداء …وأفراحها قتلتها الدمعات
كل شئ هنا يشبه ما كان في نفس البيت قبل عام ونصف مع القليل من الفروقات …فذلك البيت الذي دخلته قبل عام ونصف لتهنئ باستشهاد أحد أبناءه تعود اليوم لتدخله مهنئا بزواج أحد أبناءه…نفس التفاصيل الأثاث والوجوه والقهوة السادة وحبات التمر التي توزع…والفارق تعابير الوجوه… فتلك السيدة التي كانت قبل عام ونصف ام الشهيد وكانت تجلس في نفس المكان ووجهها مغطى بالدمعات، تجلس الان تحاول استراق بعض النظرات من وجهة ابنها العريس تارة بجانب عروسه وتحاول إجبار وجهها على رسم بعض البسمات..وتارة أخرى استراق النظر الى صورة الفقيد تزين الحائط…وعبثا تحاول الاتزان بين هذا وذاك…
وكان الحدث الأخر لعريس اخر ذهب حاملا دعوة عرسه ليعود حاملا جرحا في صدره…وجريمته محاول الوصول الى أقارب له في بلدة أخرى لا تبعد عن قريته"حجة" قرب قلقيلية، شمال الضفة الغربية" سوى ربع الساعة..والان تبعد يوما او يومين او تبعد مساحة جرح خطير في صدر العريس المقرر عرسه بعد يومين ….
لون اخر…
وهكذا الحال …حال أفراح فلسطين ففي كل صيف تكثر الأفراح والأعراس، وهذا العام أيضا ولكن بمراسم جديدة وطقوس غريبة… تفوح منها رائحة الدم على سيدة الأرض…أفراح هذا العام مختلفة، تماما فقد اكتست بلون الدم والبارود وتعطرت برائحة تراب الأرض على الحواجز…و استحمت بدموع أمهات الشهداء على المقابر…
مظاهر الأفراح اختفت لتحل محلها مظاهر الحزن على الغائب، والخوف من القادم، والفقر والبطالة قطعت الأمل على البعض بإمكانية إكمال نصف الدين، والعروس تحنى على الحواجز العسكرية، وأخريات" غير مواطنات" ينتظرن فرج ربهن، وأم الشهيد تتذكر موعد شهيدها الذي حدده في الصيف المقبل وأتى الموعد وهو غاب….ولكن الحياة تستمر، وتتحدى الإرادة عنجهية المحتل ولكن كيف؟؟؟
تحديد الموعد
جرت العادة تحديد موعد العرس مسبقا ولكن الان العروس والعريس لا يستطيعوا تحديد موعد الزفاف .. الحالة العامة هي التي تحدد، فليس من المعقول أن يكون قد حدد موعد زفاف وقبلها تكون قوات الاحتلال قد أقدمت على مجزرة من مجازرها المعتادة، وتتفاقم الأمور في ظل الظروف الراهنة، فمع احتلال المدن والقرى لا أحد يعلم متى يرفع حظر التجوال والذي يستغله العائلات لأجراء بعض المراسم "تم تحديد الموعد قبل العيد الماضي، الا ان استشهاد ابن عمتي منعنا من ذلك، وانتظرنا الى ما بعد الاربعين" قالت نسرين نوفل من منطقة نابلس.
اختفاء مظاهر البهجة
وتختلف تفاصيل مراسم الزفاف من بلد لاخر، ومن شعب لاخر ايضا، ولكن نقطة التقاطع بين عادات جميع البلدان والشعوب هي اقتران هذه المراسم بجميع مظاهر البهجة والفرح والسرور، والتي تمثل مقدمة فتح بيت جديد بدء حياتهما سوية، إلا أن الأمر يختف في الحالة الفلسطينية، فكل مظاهر الفرح تلاشت بين مشاهد الموت الجماعي والجنائز اليومية…حتى أصبحت هذه المظاهر غريبة ومستهجنة من قبل الفلسطينيين فهم يرون انه من "العيب" الغناء او الرقص"في ظل الأحداث..
مراسم الزفاف اكتست بالمقابل بلون الحداد والحزن والخجل…الحداد على أرواح شهداء الأرض.. والحزن عليهم..والخجل من الناس لمجرد الإتيان بأي شئ مفرح ولو كان مجرد من مظاهر الفرح هذه…أصبحت هذه المراسم تقتصر على لبس الثوب الأبيض وانتقال العروس الى بيت عريسها بحضور اقرب الأهل من الطرفين في جو صامت…
وتتابع نسرين : ما يجري ليس عرسا او فرحا ، فالمراسم لم تتعدى لبس ثوب الزفاف والخروج من منزلنا الى منزل العريس،ـحتى ان معظم اقربي لم يحضروا الزفاف بسبب استشهدا ابن عمتي". أضافت ستكون كل مراسم الزفاف صامتة، الوضع مؤلم للغاية فكل منا تحلم بيوم زفاف يشترك فيه الأهل والأقارب بالغناء والابتهاج والفرح".
ترتيبات استثنائية
وحتى هذا العرس الصامت له أدبياته ايضا، ففي كثير من الحالات يتم اخذ الإذن من أهل الشهيد أو الجريح لاتمام العرس، بمن باب الواجب الاجتماعي "عندما استشهد ابن قريتنا اضررنا الى وقف مراسم زواج ابني "احمد" والذي كان مقررا في نفس اليوم، وبعد انتهاء بيت الاجر، وبالرغم من ان الزفاف يخلو من أي مظاهر للفرحة الا أنني قمت بطلب الأذن من والد الشهيد لاتمام العرس".
ووسط هذه الأحداث تظهر مشكله أخرى من مجمل المعضلات التي خلفها الوضع الحالي والحصار وهي سوء الأوضاع الاقتصادية وارتفاع مستوى البطالة الى نسب عالية جدا، فالفقر انتشر، فكثير من الشباب الذين خطبوا منذ فترة طويلة والذين حددوا موعدا للزفاف في هذا الصيف، الصيف الأسود، أصبحت توجهم مشكلة قلة الماديات وخصوصا بعد قرابة السنة من الحصار على الأراضي الفلسطينية ومنع العمال من الوصول الى مناطق أعمالهم، وتوقف حركة البيع والشراء في الأسواق بسبب إغلاق المعابر، وحتى ما ادخروه تم صرفه في الفترة الماضية، فاضطر البعض الى تأجيل الزفاف والبعض الأخر اختصر كثير من ترتيبات الزفاف، تقول ربى هلال والتي التقينا بها في إحدى محلات الملابس تستعد لزواجها في الأسبوع القادم : تم اختصار معظم الامور المهمة فالوضع الاقتصادي لا يسمح الا بالقليل ". وتابعت الام التي كانت برفقة ابنتها " قبل الانتفاضة تزوجت ابنتي الاخرى كان الوضع مختلفا تماما فاليوم لا يمكن ان نطلب الا القليل فخطيب ربى لا يعمل منذ اكثر من سنتين".
تذكر الغياب…
ووسط هذه الترتيبات الاستشنائية يبرز شيئا أخر وهو تذكر الغياب من شهداء ومعتقلين وجرحى في ساعات العرس، ففي إحدى الأعراس التي تمت في المخيم في الفترة القريبة الماضية كان أخ العروس معتقلا لدى السجون الإسرائيلية لمدة تزيد من الثلاثة أحكام بالسجن مدى الحياة، ففي يوم الزفاف امتلأت القاعة بصوره وصور أقرانه، لعله تعبيرا عن نقمة هذا الشعب وقوة أرادته، يقول للصهيوني المحتل "حرمتنا من أجساد أبنائنا ولكنك أبدا لن تستطيع أن تأخذ أرواحهم وصورهم..
هؤلاء الغياب الذين تمنوا لو هم معهم يشاركوهم فرحتهم التي هي بالتأكيد ناقصة دونهم، وتبدو هذه-الحسرة- واضحة على وجه يوسف الذي احتفل بعرسه:" صديقي ورفيق دربنا استشهد في بداية الانتفاضة، واليوم أنا أتذكره وهو يشجعني على الزواج ويقول لي "سأرقص واغني في عرسك" فنحن أصدقاء طفولة وهذا اليوم الذي حلمنا به معنا يبدو روتينيا واستمرار لحياة لا بد أن تستمر، ليس ذلك اليوم الذي حلمنا به معا، ففرحة الزفاف التي حلمت بها ماتت باستشهاده".
ورغم قبول الفلسطينيين -باعتيادهم على هذا الوضع الاستثنائي- لهذه الترتيبات التي فرضت عليهم، يأبى المحتل إلا ليجعل الحياة اكثر قرفا على هذا الشعب، وتبدو مشكلة الأعراس اكثر تعقيدا عندما تكون العروس من خارج القرية أو المدينة، عندها تضطر إلى التنقل عبر الحواجز العسكرية للوصل إلى بيت زوجها.
فيما تبدو عزيمة ام محمد من نابلس أثناء وجودها على الحاجز وبيدها "صينية الحناء" تريد ان تصل لا بهل عروس ابنها في منطقة سلفيت،أقوى من ان تصفها كلماتنا، فبالرغم من أضطررها الى المشي لمسافة تزيد عن الخمسة كيلومترات، في طريق جبلية وصخرية وعرة، وتأبى إلا أن تشعل الشمع الذي زين به كلما اطفأ، وكأنها تقول مهما حدث سنبقى وشموع الأمل ستبقى …
يجب أن تحنى…
وعندما سألناها قالت:" من عادات الأعراس في القرى أن تحنى العروس من قبل .أهل العريس في ليلة مل قبل العرس، وأنا سأتبع هذه العادات في عرس ابني ولو بمشي على أيدي". وتبرز عند الحديث عن الحواجز العسكرية معضلة أخري وهي عدم تمكن جميع الأهل من حضور مراسم الزفاف في حالة كانت العروس من خارج البلد، .بسبب الطرق الالتفافية والحواجز، فإذا كانت العروس من خارج القرية او المدينة والتي حولها الاحتلال الى كانتونات معزولة عن بعضها البعض تكون المشكلة اعقد، شادي صوالحة من قرية عصرة الشمالية، وعروسه من مدينة نابلس، لم يجد أمامه لا ان يستغل فترة رفع حظر المنع في يوم الأربعاء الماضي ليجلب خطيبته وامها وأبيها فقط، حيث استضافتهم إحدى عائلات القرية حتى موعد الزفاف في اليوم الذي يليه…
|