|
بيوت خالية من ضيوفها …ومناسبات بلا أحباب…

يمثل فصل الصيف في فلسطين حاله اجتماعية تكاد تكون مميزة…وبالتخصيص يمكن القول أنها "كانت فترة لقاء الأحبة" …كما وصفها الكثيرون…فآلاف العائلات الفلسطينية يلتئم شملها في تجربة التعايش كأسرة كاملة في الصيف…خلال الزيارات التي كان يقوم بها أفراد العائلة لموطنهم …فلسطين…
ذكرى في الأذهان…
واستخدام صيغة الماضي لم يكن جزافا بل تعبيرا دقيقا لوضع فرض منذ ثلاث سنوات قصرا …حيث باتت تلك الأيام ذكرى تسترجع و لحظات يترحم عليها …فلا زوار في هذا الصيف والعائلات في الوطن اصحبت مقطعة عمن شتتهم احتلال بلادهم وقوانينه و مسيمات دولية "نازح، لاجئ" و أخيرا حصارا على مدنهم وقراهم…
القرى أصبحت منكفئة على ذاتها كما المدن الكبيرة مع تجلي الموقف لخصوصية القرية في محدوديتها الجغرافية -فالقرية تتكون من حمولة أو اثنتان بالإضافة إلى انه مجتمع مفتوح ومعروف- بحيث تصبح هذه الحالة عامة يشترك فيها الجميع …بينما يذوب هؤلاء الزوار في المدن الكبيرة وتنحسر الظاهرة لتصبح خاصة بكل بيت وعائلة على حدى…
منذ ثلاث سنوات شكلت عمر الانتفاضة توقفت الزيارات الصيفية للأقارب و الأهل خارج فلسطين إلى وطنهم بسبب توقف تصاريح الزيارة لغير المواطنين " اللاجئين و النازحين" حيث اعتاد الأقارب على استصدار تصريح مؤقت لذويهم في البلاد العربية و الأجنبية لزيارة فلسطين لفترة لا تتجاوز الثلاث اشهر في الغالب، حيث يقضي هؤلاء فترة إجازاتهم مع ذويهم في بلادهم الأصلية، ومن ثم يعودون محملين برائحة الوطن و الأحباب إلى شتاتهم ليعشيوا دورة حياة أخرى في انتظار صيف قادم…
الصيف يجمعنا…
" اعتدنا في كل صيف ان نقوم باستصدار تصاريح زيارة لاخوتي جميعا الذين يعيشون في الأردن وشقيقتي التي تعيش في السعودية لزيارتنا وخاصة أن أبي و أمي مريضان ولا يستطيعان أن يقوما هما بزيارتهم كنا نجتمع في بيت أسرتنا كما كنا صغارا… أيام رائعة ننسى فيها حقيقة تفرقنا كلا في بلد والمسافة التي تفصلنا عن بعضنا، كنا ننتظر الصيف على أمل اللقاء ولا يتخلف أحد عن المجيء، أحيانا كان أحدهم يزورنا لأيام معدودة في حالة انشغاله ولكننا على الأقل كنا نراه " قالت أم عمر من قرية تل القريبة من نابلس.
تلك الصورة الجميلة التي وصفتها اختفت الآن " منذ الانتفاضة لم نر أي منهم، فالتصاريح توقفت تماما وحتى الفيزا السياحية التي كانوا يستصدرونها عبر السفارة الإسرائيلية في الأردن توقفت أيضا".
وتبدو الصورة واضحة في منزل أبو صالح الثمانيني والذي تزوجن بناته الخمسة وتعيش اثنتين منهن في الإمارات العربية والكويت واعتدن على زيارته سنويا و أولادهن بحيث " تعود الحياة الى البيت" كما قال.
أنا وزوجتي ..والصيف…
الأمر بالنسبة لهن لا يتعلق بصعوبة استصدار تصاريح زيارة بل على العكس فهن من حاملات بطاقات الهوية ولكن صعوبة الوضع الفلسطيني والحصار الخانق على قريتهن جعل زيارتهن و أولادهن إلى الضفة شبه مستحيل، فمن ناحية الحصار جعل الوصول الى معظم القرى صعبا ومن ناحية عدم الاستقرار الذي يجعل من الزيارة مخاطرة ففي أي وقت يغلق المعبر الحدودي ويمنع الفلسطينيين من السفر.
أبو صالح وزوجته يذكران أن مناسبة زيارتهن لا تتوقف عند حد رؤيتهن و أولادهن بل ان الشقيقات الخمسة يلتقين في أن واحد " حتى بناتي المتزوجات في نفس القرية اعتدن على زيارتنا فرادى، ولكن بوجود شقيقاتهن يجتمعن كلهن في أن واحد أرى كل أولادي من حولي و أحفادي أيضا واشعر بطعم اللّمة".
أم ناصر كانت أسوء حالا فأخيها الذي قدم الى الأردن من أمريكا لزيارة اهلها لم تره منذ ثلاث سنوات الا انها ايضا لا تسطيع السفر واهلها الى الاردن لرؤيته بسبب ارتباطها بزيارة ابنها المعتقل " لا استطيع السفر فزيارة ابني في المعتقل في نفس الموعد الذي قدم فيه اخي الى الاردن، لم استطيع الا ان احمل اهلي السلام اليه".
ام ناصر الوحيدة بين اخوتها التي تعيش بالضفة " حرمت رؤية اخوتي طوال السنوات الماضية، فلا احد يقطن الضفة الا انا، الا انني لم اكن اشعر بالغربة عنهم فقد كانوا يزوروننا باستمرار في الصيف… الان اختفى كل شئ".
فلسطين قطعت عن فلسطين...
وما زاد الطين بلة كما يقولون انقطاع نفس اهالي فلسطين عن بعضهم بعد ان كان الصيف والاجازات موسما للتزاور فيما بين القرى والمدن الفلسطينية وبالاخص الاهل في الاراضي المحتلة عام 48، فمن ناحية ان اهالي الضفة ممنوعون من الدخول الى حدود ما يسمى بالخط الاخضر، ومن جهة اخرى يمنع على حاملي الهوية الإسرائيلية دخول الأراضي المحتلة عام 67 حيث تعتبر مناطق عسكرية مغلقة بالنسبة اليهم.
رانيا (25) عاما كان الصيف يمثلا موسما للقاء اقاربها وبالاخص بنات عماتها من عمرها ولكن صيف الانتفاضة كان يخلو من تلك الأجواء " اعتدنا على تقضية اجازة الصيف في منزل جدي " بيت العائلة" حيث تقضي عماتي المتزوجات في مدينة جلجولية في فلسطين المحتلة عام 48 معظم الصيف هناك واولادهن، الا ان الاجازات الثلاثة الماضية لم يكن احد يستطيع ان يصل منهم بسبب الاوضاع في المناطق، وكثيرا ما كنا نحاول استصدار تصاريح حتى لزياتهن لايام في مدينتهن ولكن عبثا".
مناسبات بلا أحباب...
ولعل ظاهرة الزوار وبروزها في القرى جعلت لها طقوسها وتحضيراتها حيث جرت العادة عند هؤلاء العائلات تخصيص موسم "اللقاء" الصيف، لاجراء المناسبات العائلية كزفاف احد افراد الاسرة او اتمام خطوبة بحيث تلتئم الاسرة في مناسبتها فتصبح الفرحة فرحتين فرحة اللقاء وفرحة المناسبة.
فقد كان المتابع للقرية في حينها وخاصة في مناسبات العائلات والتي غالبا ما يحضرها معظم اهالي القرية يلاحظ الوجوه الجديدة فيبدأ الكل بالتعارف " ابنتي التي تسكن السعودية" او " الكويت" ......الخ .
" كانت معظم الوجوه جديدة علينا لا تكادتمشي في احد الشوارع حتى تلتقي باحد لا تعرفه ..وفي حال سؤالك عن هويته يذكر اليك من هم اكبر منك سنا انه احد اقرباء عائلات القرية المغترب والذي يزور عائلته في الاجازة"قالت مروة محمد، من قرية سنيريا.
وتمثل الزيارات الدورية للبلاد من قبل المغتربين لاهليهم صله الوصل بين الاجيال الجديدة وارضهم و عائلاتهم وحتى أقرانهم من أبناء أقربائهم وترسيخا لفهمهم للوطن والعائلة والأرض، فالوطن يبقى ذكرى غير محسوسة لديهم لا تلبث أن تصبح ملموسة اكثر من خلال الزيارات التي يقومون بها خلال اجازاتهم الصيفية. |