|

لم يعد لديها بعد فقدان ابنها أمنية إلا أن تجد قبرا تؤوي إليه كلما اشتاقت لغائبها …و أن يغلق ذلك القبر الذي سمي له منذ اليوم الأول لاستشهاده في بداية هذا العام و بقي مفتوحا ينتظر جثة …"اغبط أمهات الشهداء و أنا أراهن يزرن قبور أبنائهن يقرأن لهم الفاتحة ويترحمن عليهم…" قالت والدة الاستشهادي احمد نوفل من بلدة تل القريبة من نابلس.
احمد كان منفذ العملية الاستشهادية في معسكر الطور في مدينة نابلس والتي قتل فيها صهيونيين حسب اعتراف مصادر صهيونية، وبالرغم من تبليغ العائلة في حينها بان الجثة ستسلم إليهم الا انه و إلى ألان لا يزال القبر مفتوحا.
ولم تكن والدة أحمد الوحيدة بل كان حالها حال معظم أمهات الاستشهاديين والذين يحتفظ الصهاينة بجثثهم دون تسليمها لذويهم في خطوة تندرج تحت ما يسمى بسياسية العقاب الجماعي لأهالي الاستشهاديين.فقد كانت السياسة الصهيونية أن يتم الاحتفاظ بجثة الاستشهادي لفترة غير معلومة أحيانا تتجاوز الخمس سنوات و أحيانا أخرى لا تتعدى السنة …تدفن الجثة خلالها بما يسمى بمقبرة الأرقام حيث ترقم الجثث بأرقام تدل على صاحبها وتسمى بالنظرية الصهيونية" بمقبرة الأعداء"…وغالبا لا يحالف الكل بالدفن و إنما تستغل الدولة العبرية تلك الجثث وتقوم بسرقة أعضائها واستعمالها في تجاربها العلمية المختلفة.
تبعا لأهوائهم…
ولم تكن هذه القضية بالجديدة بل يتعدى عمرها الثلاثين عاما فقد بدأ العمل فيها في السبعينيات وكان جثمان الفدائية دلال المغربي أول الجثث التي احتفظ بها حيث شيع في حينها أنها اختفت إلا أن مصادر صهيونية أكدت ان الجثة دفنت في مقبرة الأرقام.
وفي الانتفاضة الحالية تزايد الأمر صعوبة حيث اصبح يحتفظ بجثث الاستشهاديين والذين أخذت أرقامهم بالارتفاع يوما بعد يوم عبر سنوات الانتفاضة الثلاث بالرغم من المطالبات المتكررة من الأهل عبر جمعيات حقوق الإنسان بالجثة إلا أن السياسة الصهيونية لا تلقي لهذه الطلبات ذهنا ولا يتم تسليم الجثة إلا بموعد يحددوه وفقا لاهوائهم "فوجئنا باتصال من قبل قوات الاحتلال بان علينا بعث من يستلم الجثة في ذكرى استشهاده الأولى، وبسبب تساقط الثلوج وغلق الطرق في المدينة طالبنا بتأجيل الموعد إلا انهم أصروا على ذلك وبالفعل قام أحد محامي مؤسسة "هموكيد" بمرافقة سيارة إسعاف بتسلم الجثة من مقبرة بئر السبع ومن ثم تم تسليمة إلى سيارة إسعاف فلسطينية على مفرق طولكرم ليصل إلى نابلس بعد تأخير استمر 12 ساعة على الحواجز الصهيونية بحجة أن عدم التنسيق للسماح للجثة بالمرور". قال فتحي أبو حجلة شقيق الاستشهادي حامد أبو حجلة.
وتابع أبو حجلة " كأنه كمن كان معتقلا لعام بالضبط وتم إطلاق سراحه، حتى على الحواجز عاملوه على انه لا يزال حيا".
انتظار الجثة…
هذه القضية انعكست بشكل بالغ على حياة اسر هؤلاء الشهداء التي تحولت كمن يعيش بيت عزاء دائم " كلما مررت بالمقبرة أحس أن روح ابني لم تهدأ قبل أن يسكن جثمانه قبره الذي لا يزال مفتوحا "قالت أم احمد و تابعت" كل يوم أصحو على أمل أن يتم تسليمه لنا وان تهدأ روحه كباقي الشهداء".
ولم تكن والدة الاستشهادي "علاء صباغ" من مخيم جنين بأحسن حالا ومنذ رحيل ابنها وعائلتها قد تركت بابا إلا وطرقته لاسترجاع جثمانه ودفنه. "يوميا نراجع الصليب الأحمر وغيره من المؤسسات وقد تقدمنا بواسطة أحد المحامين بشكوى للمحكمه العليا ،وطالبنا بالإفراج عن الجثمان لدفنه وفق الطقوس الدينية، ولكن المحكمة صادقت على طلب النيابة العسكرية التي أوصت بعدم البت في القضية". قالت.
وقال قدري أبو واصل سكرتير جمعية الأسرى أن قضية احتجاز جثت الشهداء "من اكثر القضايا حساسية وتعقيدا، ونتابعها بشكل دائم رغم أن الحديث توقف عنها مؤخرا ولكن السلطات المحتلة تتكتم حولها وتعتبرها من القضايا الأمنية الحساسة التي لا يمكن البحث فيها او مناقشتها".
قلق دائم…
وعن هذا الشعور الدائم بالفقدان الذي يتولد عند أفراد الأسرة وخاصة الوالدين تقول الأخصائية الاجتماعية فاتنة الجابي " إحضار الجثمان والصلاة عليه والجنازة وإجراءات تقبل العزاء والدفن تعطي انطباعا لدى الأهل انه موت أحد أفرادها واقعا ملموسا وان الأمر انتهى عند حافة القبر مما يجعل تقبلهم لفكرة الموت او الفقدان اكثر، ولكن في هذه الحالة تختفي كل هذه الإجراءات بالإضافة إلى ان عامل المفاجئة في تسليم الجثث يعلب دورا في خلق حاله من الانتظار الدائم للجثمان الأمر الذي يعزز من قلق الأسرة وشعورهم ان أمر الاستشهاد لم ينتهي بعد".
فليحتفظوا به…
ومع ذلك فان بعض الأهالي كانت صدمتهم بتسليم الجثمان اكبر " كان أبي لا يألوا جهدا بطرق باب أي مؤسسة قانونية في محاولة منه لتسلم جثمان أخي ولكنه عندما رأى ابن جيراننا وبعد ان تم تسليمه لأهله بعد سنتين في صندوق صغير بعد ان تم سرقة معظم أعضائه لم يعد يحاول ذلك ، اصبح يردد ان روحه بالسماء وهذا يكفي لا أريد أن يرجعوه لي في صندوق كهذا لا يزن اكثر من كيلوا غرامات قليلة …فليحتفظوا به وحسبي ان الله سيجمعنا في الجنة". قالت شقيقة أحد الاستشهاديين من مدينة قلقليلة شمال الضفة الغربية، والذي كان شقيقها قد استشهد أثناء محاولته القيام بعملية استشهادية في القدس مع بداية الانتفاضة.
ولما كانت لهذه العمليات البطولية التي يقوم بها الاستهشادي أثرها الكبير في زعزعة الكيان الصهيوني فقد دأبت تللك السلطات الصهيونية إلى اخذ كافة التدابير التي من شنها الانتقام من الأهالي ومن الاسشتهادي نفسه حتى من خلال جثته وهذا ما دفع بعض المتدينون الصهاينة إلى اقتراح شيئا غريبا لوقف العمليات الاستشهادية والانتقام من الاستشهادي فقد جاء في صحيفة "معاريف" في أحد أعدادها في أبريل الماضي اقتراحا ان يتم تغطية جثث الاستشهاديين الفلسطينيين بجلد خنزير قبل دفنهم؛ لأن ذلك ، حسب زعمهم، سيحرمهم من دخول الجنة، متناسين أن مع أول قطرة من دمه يرى مكانه في الجنة.
منافيا للمفاهيم الدينية…
جمعية القانون وفي بيان لها ذكرت إن سلطات الاحتلال الصهيوني تحتجز في مقابر خاصة جثامين عشرات الاستشهاديين الفلسطينيين و ترفض تسليمهم إلى ذويهم لدفنهم .وذكرت الجمعية انه بالرغم من الدعاوى المستمرة التي تقوم برفعها للمحاكم الصهيونية إلا أنها ترفض تسليم الجثامين، معتبره ذلك مسا "بمشاعر ذوي الشهداء ، و يتنافى مع أبسط القيم الدينية و الأعراف الدولية" .
و اعتبرت "القانون" أن استمرار احتجاز الشهداء في مقابر خاصة لجيش الاحتلال يتنافى مع المفاهيم الدينية و التي أوصت بدفن الميت حسب الأصول الشرعية ، إضافة إلى تأكيد مختلف الأعراف الدولية على هذه المسألة .أكدت أن المحاكم الصهيونية لا تحترم القيم الإنسانية العليا و لا الشريعة الدينية لدى الفلسطينيين ، كما أنها انتهكت كل القوانين و الأعراف الدولية التي تنصّ على ضمان كرامة الميت و احترام مشاعر الأحياء . |