|
لايمكن التخلي عن الجامعة العربية بل يجب تعديل نقاط الضعف في ميثاقها
اعتبر الدكتور عيسى درويش معاون وزير الخارجية السوري أن العيب ليس في الجامعة العربية ولكن العيب في النظام العربي ذاته مؤكداً أن الجامعة هي سكرتارية لا تجاوز ما يتخذه النظام من قرارات عدا عن فقدان الإمكانيات والوسائل المادية للتنفيذ. مضيفاً: لقد انطلقت الجامعة العربية من وضع يكرس فيها القطرية تحت داعي السياسة الوطنية وبقيت القطرية عاجزة عن تحقيق أي شيء بما فيها السيادة الوطنية، عدا عن غياب الآلية ووضوح الهدف، وكان الخلاف السياسي بين هذا القطر أو ذاك يعصف بكل ما عداه. وأكد أن أوجه الضعف في ميثاق الجامعة العربية لا تغيب حقائق إيجابية منها: - حققت الجامعة العربية للعرب نظاماً إقليمياً ما زال قادراً على تجميعهم بالرغم من كل الأزمات. - انبثق عن هذا النظام عدد من المنظمات العربية، حققت بالرغم من ضعف الإمكانيات قاعدة للعمل العربي المشترك، منها على سبيل المثال: منظمة التنمية الصناعية-منظمة التنمية الزراعية-المنظمة العربية للثقافة والعلوم-الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية وغير ذلك من الشركات والاتحادات والمجالس التي انبثقت عن مجلس الوحدة الاقتصادية أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي. - حققت تضامناً قومياً حول قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي. - قادت المقاطعة العربية لإسرائيل التي استمرت عقوداً طويلة. لكن هذه الإيجابيات رافقتها سلبيات تحتاج لوقفة لاستقراء ما جاء في الميثاق من ضعف، على أمل تجاوزها في أية عملية لتطوير الجامعة.
وأكد د. درويش في المحاضرة التي خصصها للحديث عن النظام العربي و آفاق تطويره، أن مصلحة العربي تكمن في استمرار النظام الإقليمي العربي الذي تمثله الجامعة العربية، وتطويره في الوقت الذي يشتد التآمر عليه لتحطيمه وبناء النظام الشرق أوسطي على أنقاضه، مقترحاً أن يتم تطوير الجامعة العربية من خلال ملاحق تضاف إلى الميثاق وتعدل نقاط الضعف الموجودة فيه لأنها الأسرع والأفضل في المرحلة الحاضرة، مبرزاً أهم النقاط السلبية وما يجب أن يقابلها في الجانب المقابل من مقترحات.
ففيما يتعلق بنص المادة الثانية من الميثاق التي تعتبر الجامعة أداة لتوثيق الصلات بين الدول المشاركة فيها وتنسيق خططها السياسية تحقيقاً للتعاون بينها، رأى أن هذا النص يضع للعمل العربي المشترك سقفاً هو توثيق الصلات وتنسيق الخطط السياسية، وهذا النص يمكن أن يوضع بين دول غير عربية ترغب في إقامة صلات وعلاقات سياسية فيما بينها ولا يصلح لكي يكون هدفاً لعمل قومي مشترك.
وإذا كان هذا النص تعبيراً عن واقع في حينه فإن الواقع الحالي يقتضي إعادة النظر فيه خاصة في ظل الواقع الإقليمي والدولي ورياح التغيير الجديدة في ظل هيمنة القوة وتحديات العولمة. وفيما يتعلق بنص المادة الثالثة من الميثاق وهي تنص على أن لكل دولة صوتاً واحداً مهما كان عدد ممثليها فإننا نرى إعادة النظر في الأهداف التي تتوخاها هذه المادة ورأى د. درويش ضرورة وضع آلية جديدة في عمل الجامعة العربية تتعلق بما يلي: - هيئة تنفيذية تضم مجلس الجامعة على مستوى المجلس الوزاري (وزراء الخارجية ويمكن أن يضم هذا المجلس رؤساء الوزارات ووزراء الخارجية في اجتماع موحد مرة كل عام). - هيئة تشريعية تكون بمثابة برلمان عربي.. ويمكن لهذا البرلمان أن يتألف من صيغة تجمع بين البرلمانات العربية وهيئات المجتمع المدني، ويمكن انعقاد هذا المجلس في دورة مرتين في العام. - ويمكن وضع الملاحق الخاصة لذلك متضمنة النظام الداخلي لكلا الهيئتين التشريعية والتنفيذية وقواعد التصويت، ودرجة الإلزام والالتزام والمواضيع التي تطرح على هذه المجالس.
ولإعطاء هذه القرارات المصداقية أو الالتزام فلا بد من عرضها على القمة العربية في كل عام وتكون بالتوافق أو بالتصويت بالأغلبية في القرارات العادية وبأغلبية الثلثين في القرارات السياسية والاقتصادية ذات الصفة الاستراتيجية.
وفي كل الأحوال تلتزم الأقلية برأي الأكثرية، تعبيراً عن الإرادة السياسية التي نفتقر إليها.
وأشار المحاضر إلى أن المادة الخامسة من الميثاق تنص على عدم اللجوء للقوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر إلى آخر المادة، ولكن هذه المادة بقيت مجرد نص في الميثاق ونادراً ما كانت الدول العربية المنضمة إلى الجامعة تلجأ إليها لفض المنازعات، مفضلة أن تذهب بخلافاتها إلى محكمة العدل الدولية وهيئات التحكيم الدولي الأخرى، وذلك بسبب عجز النظام العربي عن خلق دبلوماسية وقائية أو آلية لفض المنازعات. وقد وافق مؤتمر القمة المنعقد في القاهرة عام 1996 من حيث المبدأ على إنشاء آلية للوقاية من المنازعات العربية العربية وقامت الجامعة بإعداد مشروع لهذه الآلية وتمت موافقة وزراء الخارجية العرب عليه في عام 2000، إلا أنها لم تخرج إلى النور والمطلوب الآن إعادة إقرارها في قمة عربية قادمة، وكذلك إقرار محكمة العدل العربية.
وبخصوص وضع ميثاق الدفاع المشترك، أشار د. درويش إلى أن المادة /6/ من الميثاق تنص على حالتين هما: 1- اعتداء من دولة أجنبية على دولة عربية. 2- اعتداء دولة عربية على دولة عربية.
وفي الحالة الأولى نفترض إقامة نظام للأمن الجماعي.. وإذا كان ميثاق الدفاع المشترك يتولى هذه الناحية إلا أن هذه الاتفاقية من الناحية العملية معطلة.
وقد شهد النظام العربي حالتين تؤكدان ذلك هما احتلال بيروت بعدوان إسرائيلي على لبنان 1982، إذ لم يتحرك أحد من العرب اللهم إذا استثنينا سورية واشتباكات قواتها المسلحة مع العدو والخسائر التي تحملتها في سبيل صد العدوان الإسرائيلي على لبنان.
والحالة الثانية هي الأزمة العراقية والحرب الأمريكية على العراق وبيان العجز العربي في تحقيق الأمن الوقائي بمنع الحرب أو بالالتزام بعدم مشاركة دولة أجنبية الحرب على دولة عربية وذلك أضعف الأمور، معتبراً أنه آن الأوان لوضع نظام للأمن الجماعي العربي من خلال تقوية اتفاقية الدفاع العربي المشترك ووضع المبادئ والقواعد لهذا الأمن في ضوء المصلحة العربية المشتركة والتطورات الحاصلة في المنطقة والعالم.
أما معالجة الوضع العربي العربي فيجب إقرار ميثاق العمل يتعهد بوضع آليات الأمن الوقائي وفض المنازعات موضع التطبيق وكذلك الاحتكام لمحكمة العدل العربية بعد استنفاد مساعي الدبلوماسية الوقائية.
وفيما يتعلق بقواعد التصويت رأى أن نص المادة /7/ من الميثاق ومن خلال الممارسة التطبيقية قد تبين عجزه، فقاعدة الإجماع أصبحت شبه مستحيلة وإن تحققت فإنها لا تكتسب المصداقية أو الالتزام، ولم تخضع في الممارسة لقواعد الإلزام ولذلك بقيت قرارات القمة العربية حبراً على ورق، مستنتجاً ضرورة وضع ملحق يتناول قواعد التصويت ويخضعه للأكثرية في القرارات العادية ولأغلبية الثلثين في القرارات الاستراتيجية ويجب أن تلتزم الأقلية برأي الأغلبية بعيداً عن المصالح القطرية الضيقة.
وعن جهاز الجامعة العربية أشار أن المادة /12/ من الميثاق نصت أن يكون للجامعة أمانة عامة وأمناء مساعدون وعدد كاف من الموظفين، وقد وضع الأمين العام الحالي السيد عمرو موسى هيكلة جديدة للجامعة العربية وحصل على موافقة القمة على ذلك، وبدأ في تنفيذ هذه الهيكلة، مؤكداً، ورغم ضرورة ذلك من حيث الشكل والمضمون، أن النظرة السلبية للجامعة العربية قد زادت بعد تلك الهيكلة على مستوى الحكومات والشعوب والمفترض أن تعزز النظرة إيجابياً للجامعة ولكن ليس الموضوع موضوع جهاز الجامعة والنظم التي تحكم عملها ولكن العيب في الإدارة العربية للحكومات، التي لم تبد الإرادة العربية فقامة نظام عربي إقليمي يحقق طموحات هذه الجماهير.
وعند حديثه عن تعديل الميثاق أشار أن المادة /19/ تنص على تعديل الميثاق بأغلبية الثلثين كما تنص على إنشاء محكمة عدل عربية وفيما يتعلق بالتعديل فإن عملية التطور والمتغيرات التي حصلت في العالم وفي المنطقة تشير إلى ضرورة التعديل. ويمكن، وفقا للمادة عشرين من الميثاق، أن تتم هذه التعديلات بإضافة ملاحق وفق النظم الأساسية المرعية وألا نتعرض للميثاق بالتعديل في هذه المرحلة.
وحول المنظمات العربية المتخصصة رأى د. درويش أن النجاح الذي حققته بعض المنظمات العربية في مجال عملها لا يغيب حقيقة أن معظمها بقي قاصراً عن تحقيق أهدافه، وزاد الأمر تعقيداً انسحاب بعض الدول من هذه المنظمات مما أدى إلى ضعفها وقلة إمكانياتها وعدم فاعليتها على الصعيد الإقليمي والدولي، وآن الأوان لإعادة النظر في هذه المنظمات ودمجها ببعضها أو تقوية الموجود منها وتأهيله ودعمه بالمال والكوادر وصولاً إلى أهدافه.
وركز على ضرورة إعطاء الموضوع الاقتصادي الأهمية القصوى وتقوية الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي ليتحول من الجانب التمويلي إلى الجانب الاستثماري وإذا كان الصندوق قد اختص بتمويل المشاريع الحكومية فقد آن الأوان لإنشاء بنك عربي للاستثمار تساهم فيه الحكومات والأفراد يتولى التعامل مع القطاع الخاص في المجال الاستثماري، كما آن الأوان لتطوير منظمة التنمية الصناعية للتحول إلى منظمة للتطوير وتوطين التكنولوجيا وكذلك تطوير منظمة التنمية الزراعية..
وأنهى معاون وزير الخارجية السوري محاضرته بالقول: إن مستقبل النظام الإقليمي العربي والمخاطر التي يتعرض لها يجعل التمسك بالجامعة العربية وتطويرها واجباً قومياً يشارك فيه العرب، مواطنون وحكومات، من أجل صنع المستقبل. |