|
إسرائيل تعود إلى المغرب بعد 3 سنوات من "الغياب" الرسمي
بعد غياب قارب الثلاث سنوات نشط من جديد خط العلاقات المغربية الإسرائيلية والذي بدأت أولى ملامح تنشيطه في اللقاء الذي شهدته السفارة المغربية في لندن بين وزير خارجية المغرب محمد بن عيسى ونظيره الإسرائيلي سليفام شالوم والذي كلل ببلاغ صادر عن الخارجية المغربية بأن اللقاء عقد بأمر من الملك محمد السادس، ليعقب هذا استقبال العاهل المغربي لشلومو عمار أحد كبار الحاخامات الشرقيين الإسرائيليين بمناسبة ذكرى عيد الجلوس المغربي ، فالمشاركة العلنية لوفد إسرائلي في المؤتمر الدولي الثاني للشباب الذي احتضنته الدار البيضاء المغربية شهر أغسطس الماضي.
وفي إشارة قوية للحد الذي وصلت إليه درجة التطبيع بين المغرب وإسرائيل قام رئيس الدبلوماسية الإسرائيلي سليفان شالوم بداية هذا الشهر بأول زيارة رسمية لمسؤول إسرائيلي للمغرب منذ إغلاق مكتبي إرتباط البلدين أكتوبر العام 2000 عقب إنذلاع انتفاضة الأقصى.
لم يخف الوفد المرافق لوزير خارجية إسرائيل سليفان شالوم إعجابه بالإستقبال الحار والمميز الذي حضي به من قبل المسؤولين المغاربة خلال زيارته للمغرب ، والتي تباحث خلالها مع نظيره المغربي محمد بن عيسى قبل أن يحظى بالاستقبال من قبل الملك محمد السادس حيث أجرى الجانبان مباحثات زادت عن الساعة والنصف خرج بعدها المسؤول الإسرائيلي ليصرح للصحافة "أن المملكة المغربية اتخذت قرارا استراتيجيا بإعادة علاقاتها مع إسرائيل والعمل على تطويرها والرفع من وثيرتها". وإذا كان هناك توجها رسميا في المغرب نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل مرتبط بالأساس باختيار الوقت المناسب لإعلان إعادة فتح الممثليتين المغربية والإسرائيلية في تل أبيب والرباط ، أو ربما إقامة علاقات دبلوماسية كاملة عبر تبادل السفارات كما صرح بذلك سيلفان شالوم ، فإن عدد من التيارات السياسية المغربية خاصة الإسلامية منها واليسارية تعلن معارضتها لأي تطبيع مع "الكيان الصهيوني" في ظل سياسة التنكيل الممارسة في حق أبناء الشعب العربي في فلسطين . وفي استطلاع لموقف عدد من السياسيين المغاربة أكد العديد منهم لـ "الحقائق" عن غضبهم لهذا التطبيع الذي يتنافى مع موقف الشعب المغربي ورفضهم لأي علاقة مع هذا الكيان خاصة في ظل المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني والتي وصلت حد استهداف زعاماته سواء عبر الاستهداف المباشر المتمثل في الإغتيالات ، او من خلال سياسة الحصار وهو ما يخضع له حاليا الرئيس ياسر عرفات عضو مجلس القمة العربي. خالد السفياني الرئيس السابق للجمعية المغربية لمساندة كفاح الشعب الفلسطيني والعضو البارز في صفوف حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية اعتبر " أن زيارة الإرهابي سيلفان شالوم إلى المغرب في الوقت الذي تتعرض فلسطين أرضا وشعبا ومقدسات لمحنة لم يسبق لها مثيل ، تستهدف إبادة الشعب الفلسطيني وتهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية ، وفي هذا الظرف يبدأ الحديث، من جديد ، عن إعادة العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني ". وعن موقفه من الزيارة ، قال السفياني " إن هذه الزيارة هي بمثابة اعتداء صريح على إرادة الشعب المغربي التي عبر عنها في مختلف المناسبات ، ورفضه الكامل لكل أشكال التطبيع مع العدو الصهيوني ، كما تعتبر الزيارة عملا مدانا بكل المقاييس ، مما يقتضي التنبيه إلى خطورة ما يسعى إليه المطلعون الذين لا هدف لهم إلا خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني".
وإذا كان هذا موقف لجهة محسوبة عن التيار الإشتراكي ، فما هو رأي الإسلاميين المغاربة ، المعترف بهم وغير المعترف بهم من قبل السلطات المغربية. سعد الدين العثماني الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية الإسلامي التوجه، والذي تبقى الأوضاع في العالم العربي والإسلامي من بين أهم اهتماماته قال" إن موقف حزب العدالة والتنمية من التطبيع مبدئي في هذا المجال ، وبالتالي فإننا نرفض كل أشكاله، خصوصا مع ازدياد الإنتهاكات ضد الشعب الفلسطيني ، وتزايد المجازر من تقتيل وتجويع وجرف الأراضي واحتلال المزيد من المدن والبلدات، فأمام كل هذه المعاناة كيف أن نقبل التطبيع مع الكيان الصهيوني؟". بالمقابل اعتبر فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان الإسلامية المحضورة أن زيارة شالوم للمغرب هي استخفاف كبير وغير مقبول بمشاعر المغاربة ، وأنها تدخل في إطار التطبيع بين تل أبيب والرباط وهو ما أفاد به شالوم نفسه، فيما حاول المسؤولون المغاربة تغطيته بالإدعاء وراء ستار محاولة الوساطة بين الفلسطينيين والصهاينة ، " لقد تحدث وزير الخارجية المغربي وكأن المغرب دولة محايدة تسعى إلى الوساطة بين طرفين ، إن هذا يعد قمة الاستخفاف بموقف المغاربة من القضية الفلسطينية" يقول أرسلان الذي أكد أن موقف العدل والإحسان "رافض لمثل هكذا زيارة مهما كانت المبررات والدواعي الكاذبة التي تطلق للتغطية على الهدف الأساسي ، وهو البحث عن حل ليس للإسرائيليين وليس للفلسطينيين، وإعطاء مزيد من الدعم للكيان الصهيوني". الرفض المغربي لإعادة التطبيع بين المغرب وإسرائيل تعدى الطبقة السياسية ليضم أيضا الصحافة، وهو ما أشارت إليه أسبوعية "الصحيفة" في عددها الأخير، حيث كتبت تقول نقلا عن مصادر مطلعة " إن طبيعة تعاطي بعض الصحف المغربية مع الزيارة التي قام بها وزير خارجية إسرائيل أقلقت السلطات العليا،التي اعتبرت أن تعاطي هذه الصحف خاصة "العلم" ـ لسان حال حزب الإستقلال ـ و"الإتحاد الإشتراكي" كان فاترا ، حيث أن الجريدتين تجاهلتا هذه الزيارة ، ولم تتناوولها صحيفة الإشتراكيين إلا في سياق خبر عن الإستقبال الملكي لوزير خارجية إسرائيل ، أما "العلم" فاختارت أن تعرض في صفحتها الأولى ليوم الأربعاء الماضي ـ الموالي لمباحثات محمد السادس ^ شالوم ـ لمظاهر البشاعة التي يواجه بها الكيان الصهيوني الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية".
إذن وفي ظل الرفضين الحزبي والإعلامي للتطبيع مع إسرائيل ، ما موقف الحكومة المغربية؟
"الحقائق" اتصلت بوزير الإعلام المغربي والناطق باسم الحكومة الذي اعتبر أن الحديث عن التطبيع هو سابق لآوانه وقال " لا يجوز أن نسبق الأحداث في هذا الشأن ، ذلك أن سبب زيارة وزير خارجية إسرائيل الذي قدم إلى المغرب حاملا معه خطابا للملك محمد السادس ، ومن ضمن ما يحتويه هذا الخطاب هو الطلب من المغرب أن يقوم بمساعي وجهود مكثفة لإقرار السلام في منطقة الشرق الأوسط ، وبالتالي فإن المغرب لا يمكنه إلا أن يواصل هذا المشوار ، علما أنه أنخرط وعلى الدوام في إقرار السلام ،وبالتالي فالمغرب لا يمكن إلا أن يعبر عن استعداده للمساهمة في إقرار السلام بناء على مضامين خارطة الطريق ، أما الحديث عن التطبيع بين البلدين فهو سابق لآوانه". بالإضافة إلى الدور الذي يعول على الرباط أن تلعبه لترسيخ السلام في منطقة الأوسط والتقريب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن هنا ما يضيف سببا آخر في رغبة المغرب التقرب من إسرائيل ألا وهو مشكل قضية الصحراء طمعا ربما في تجنيد اللوبي الصهيوني للضغط على الإدارة الأمريكية من أجل تليين مواقفها المؤيدة للطروحات الجزائرية ، ذلك أن المغرب يعتبر أكثر الدول العربية تأثيرا على مجريات الساحة السياسية الإسرائيلية بالنظر إلى وجود ما يقارب المليون يهودي من أصل مغربي يعيشون في إسرائيل وما زالوا يرتبطون بوطنهم الأم اقتصاديا من خلال استثمارات مالية ضخمة، وقانونيا من خلال احتفاظهم بالجنسية المغربية ، وروحيا من خلال عدد من الأماكن المقدسة لديهم على امتداد التراب المغربي والمتمثلة بالأساس في عدد من أضرحة رجال الدين اليهود المغاربة، هذا وتذكر القيادات السياسية في إسرائيل الدور الكبير الذي لعبه العاهل المغربي الراحل في الإطاحة باليميني المتطرف بنيامين نتنياهو عندما دعا في خطاب شهير اليهود المغاربة في إسرائيل إلى التصويت على "الرغبة في السلام" والمتمثلة في مرشح حزب العمل إيهود بارك خلال انتخابات العام 1996 .
على أي، ومهما كانت قراءة كل طرف لأسباب ومسببات التطبيع بين الرباط وإسرائيل ، فإن خط العلاقات بين البلدين يسير في اتجاه إعادة الدفئ لها ، والذي كانت آخر ملامحه المكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس وزراء إسرائيل أرييل شارون مع العاهل المغربي يوم الجمعة الماضي. |