|
ومحاولة الهروب نحو الحلم !
تبدو رواية " تجليات الروح "للكاتب الفلسطيني محمد نصار حافلة بالكثير من التساؤلات والأسئلة المباغتة ، التي تفرض نفسها بقوة قسوة الواقع ومرارة الحياة الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون ، لكنها في غالبيتها كما يقول بطل الرواية ، تجريفا والبعض الأخر تجديفا وهذيان قاده إليه ضيق الأفق والحس الزائد بالأشياء من حوله" الرواية صرخة أو محاولة احتجاج على واقع مؤلم يعيشه الفلسطينيون ويقول عنه بطل الرواية أيضا " انهم ساهموا في صنعه حين اصبحوا يطحنون الوقت هباء ويرددون مقولات لا تغني ولا تسمن من جوع ". وهي أيضا محاولة انتقاد جريئة لكاتب عايش الأحداث عن كثب واكتوى بنارها ، لذلك فهو يكتب من موقع المعاناة اليومية ، مما يضفي الكثير من الصدقية والواقعية على هذا العمل الأدبي الذي يعالج أحداث حصار وسقوط مخيم جنين واجتياح المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ، ليس من زاوية تسجيل الأحداث ، بل من زاوية تداعياتها وانعكاساتها النفسية على بطل الرواية والناس المحيطين به .
" فنتازيا "
" فنتازيا عجيبة تحرك الأشياء والبشر وغرائبية محيرة ، اللعبة تدور ويدور الناس معها ، وأحيانا يحركها البعض فتدور معه ، فترى الناس سكارى وهم في الواقع ليسوا كذلك ". بهذه العبارات البسيطة يلخص الكاتب نصار صورة الواقع الفلسطيني المرير ، الدماء تسيل من حولهم لكن الناس يبدون وكأنهم يدورون في حلقة مفرغة ، ومجازر الاحتلال التي تطال البشر والحجر والشجر مستمرة في ظل صمت عربي مطبق واحتضار للضمير الإنساني . ووسط هذه الفنتازيا الغرائبية يبدو البعض كمن " يرتدي عباءة دونشكوت يصارع العدو بسيفه ولسانه "، والآخرون يمضغون القيم والفراغ ، يحيكون منها حللا تليق بكل مقام ".
"خذلان "
هذا الواقع الفانتازي المرير الحافل بكل مظاهر الموت والجنون ، سوف يقود بالضرورة إلى الشعور بالمرارة والخذلان واليأس من موقف الأنظمة العربية التي تركت الفلسطينيين وحيدين في ميدان المواجهة ، الأمر الذي دفع بطل الرواية إلى الصراخ : عن أي أخ يتحدث ؟ حين سمع أحدهم يردد قول الشاعر المصري : أخي جاوز الظالمون المدى … . لكنها محاولة مشروعة للاحتجاج من قبل بطل الرواية دفعته إليها مشاعر الحزن واليأس التي كانت تعتصر قلبه وهو يشاهد أحداث اقتحام مخيم جنين من قبل الجيش الإسرائيلي ، وجثث الأطفال والنساء المنتشرة بين ركام البيوت داخل المخيم ، والتي ربما ساهم في التخفيف من وطأتها ، الصمود الأسطوري لابناء المخيم في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية التي حشدت كل طاقاتها ضد هذا المخيم الصغير الذي لا تتجاوز مساحته الصغيرة البضعة كيلومترات مربعة . وقاد أيضا إلى مقاربة موضوع التسوية السياسية التي أنتجت مثل هذا الواقع الصعب وأدت إلى زيادة مشاعر الإحساس بالنقمة والخذلان واليأس " إحساس فجر بداخلي نقمة على هؤلاء الذين جاءوا في لحظة زائفة فأوهموني بأشياء كثيرة استهوتني في غالبيتها ، جاريتها وأمنت بها حينا لكنها تلاشت لحظة أن لامست الحقيقية " ص94
" انكفاء "
بطل الرواية يصاب بالصدمة جراء الواقع الذي يعيشه وهول ما يرى من جرائم الاحتلال ، وصورة المرأة العجوز وابنها الشاب التي أصابت منهما رصاصات الاحتلال مقتلا في بيت حانون ، واستنجاد الابن الأخر لهذه المرأة بالعالم كله من اجل التدخل لدى سلطات الاحتلال من اجل السماح له بمواراة جثة أمه وأخيه التراب لم تفارق مخيلته ، فينكفئ البطل على ذاته داخل الغرفة ويبتعد عن زوجته وأولاده مفضلا الوحدة ، لان عقله لم يعد يحتمل كل ما يدور حوله من أهوال :_ " نظرت ألي زوجتي بأعين ملؤها العتب وقالت :_ _ إلى هذا الحد لا تحتمل رؤيتنا !ص69 يستمر البطل في وحدته بعيدا عن عائلته ، وينفجر غضبا وهو يقرأ في الجريدة خبرا يقول نقلا عن الرئيس الأميركي بوش إن " شارون رجل سلام ، فيقذف الصحيفة بعيدا وهو يردد كالثور الهائج " اللعنة ، مريم التي طاردوها لم يسمع بوش بها ، ها هي تطارد اليوم بأمره ، ليصلب المسيح في رحمها أو يموت ، حتى النخلة التي هزت بجذعها وشجرة الزيتون التي استظلت بفيها واقتاتت من زيتها قطعوها ، ما عاد للمسيح زيت في ربوعنا ، اقتلعوا شجرته كي لا يستظل بظلها ولا يتخذها طعاما فيشتد عوده ويقوى صلبه ، يريدون صلب المسيح مرة أخرى أو قتله إن استطاعوا ".
"استحضار التاريخ "
وفي مواجهة هذا الواقع المعقد والصعب يلجا بطل الرواية إلى التاريخ ومحاولة استحضار بطولات غابرة ، وكأنه بذلك يريد مواجهة الهزيمة الموجودة بداخله بتلك البطولات التي صنعها أجداده في الماضي . " دنا بفرسه مني حتى لفحتني أنفاسها ، ثم دار حولي دورات متتابعة ، كان خلال ذلك ينظر إلي بتحفز مخيف أو هكذا بدا لي ، توقف أمامي يتفحصني بأعين ملؤها الشر ثم قال بلهجة قوية : _ ألم أحذرك من الرجوع إلى التاريخ مرة أخرى ؟!. _ لم أحاول العودة .. بل هو الذي جذبني إليه ، ما زال يسكننا شئنا أم أبينا . _ كذبت صاح بغضب ثم تابع قائلا :_ _ هذا التاريخ الذي تدعى صنعه هؤلاء الرجال وليس من حقكم أن تدعوا انتسابكم إليه ، أن أردتم تاريخا فاصنعوه من رحم واقعكم كما صنعوه " ص15
" الهروب نحو الحلم "
وفي محاولة أخرى للهروب من جحيم الواقع وثقل وطأته على النفس ، والذي أصبحت فيه ممارسة الحياة الزوجية العادية " عيبا " في نظر البعض " الناس يذبحون على مرمى حجر وأنت تمارس البطولة في السرير " يهرب بطل الرواية نحو الحلم فيجد نفسه فجأة أمام قصر السلطان الذي بدا متأثرا لحاله وأمر بإبقائه في القصر ضيفا معززا حين علم انه من أهل الرباط في فلسطين . وفي أحد الأيام يجد البطل نفسه في مواجهة " الثريا " جارية السلطان التي وقفت على مقربة منه وراحت تلهبه بابتساماتها الجميلة التي أصابته بالدوار وجعلته يهمس مصعوقا :_ _ يا الهي … هي بشحمها ولحمها . _ جاريتك الثريا . قالتها وارتمت على صدري ، فأسكرني شذا عطرها وتمرغ وجهي قي خصائل شعرها الذهبي ، حاولت أن أضمها إلى صدري فخشيت أن تذوب بين ذراعي " ص 54 لكن البطل يجد نفسه مطرودا من القصر بعد أن يكتشف السلطان بنفسه سر العلاقة الغرامية بينه وبين جاريته " الثريا " ويضبطهما عاريين في السرير فينسل هاربا من القصر حاملا ثيابه وهو يضع يده على سوؤته .
" تحدي "
الرواية رغم سوداويتها المستمدة من جحيم الواقع الذي تعالجه ، إلا إنها لا تخلو من نبرة التحدي ومحاولة الدخول في مواجهة مع هذا الواقع ، التي برزت في صوت المرأة العجوز التي تحدثت عبر الأثير من داخل مخيم جنين قائلة : _ _ نقول لشارون لو مات فدائي راح نلد ميه ، وان دمر بيت راح نبني بدله ، وان خلع شجرة راح نزرع ألف ، والزمن بينا وبينك يا شارون " ص 112 هذه النبرة التي قوبلت بإعجاب الذين كانوا يستمعون إليها ، والتي دفعت أحدهم للقول معلقا : _ على الطلاق من مرتي العجوز التي حكت قبل لحظات أرجل من نصف الأمة " ص 111.
* رواية " تجليات الروح " منشورات دار الأمل للطباعة والنشر _ غزة _ الطبعة الأولى فبراير 2003-
|