|

سألني صديقي: لم لا تكتب شيئا عن فلسطين؟!
ارتجفت أوصالي، و شعرت برغبة جامحة في البكاء. تمالكت نفسي بصعوبة و عاندت دمعة حزن و أسف كادت تسيل على الخد لترد على سؤاله بدلا مني. لم أجبه، فقط أومأت له برأسي واعدا أني سأفعل.
بعد منتصف الليل بقليل، كنت في غرفتي صحبة أوراق و أقلام و قهوة باردة. جلست إلى المكتب، بين أناملي قلم تجمد فيه الحبر لما علم بنيتي في الكتابة، و على المنضدة ورقة بيضاء تأبى أن ينال أحد من عذريتها الليلة.
ماذا أقول؟! ماذا أقول و لم يعد هناك ما يقال. معذرة يا فلسطين. معذرة أيتها الغالية فلسطين. كل ما كتب و كل ما سيكتب عنك، مهما بلغ وزنه، لن يساوي أبدا وزن حجر يضعه طفل فلسطيني في مقلعه و يشير به على وجه صهيوني غاصب يحتمي وراء دبابة.
* يا قدس معذرة و مثلي ليس يعتذر ما لي يد في ما جرى فالأمر ما أمروا و أنا ضعيف ليس لي أثر عار علي السمع و البصر*
هذا العملاق أحمد مطر يعتذر لأرضك المقدسة في أشعاره، كل الأحرار في هذا العالم يعتذرون لك، و يخجلون من ذكر مأساتك التي لا تنتهي. عندما ذهبت في زيارة قصيرة لبروكسيل في ربيع سنة 2002، فوجئت بحضور القضية الفلسطينية بقوة في الاهتمامات السياسية للشارع البلجيكي. كانت العاصمة البلجيكية مسرحا يوميا للافتات تعلق هنا و هناك، و شارات تضامنية يعلقها أناس من مختلف الجنسيات على صدورهم و هم ذاهبون إلى العمل أو عائدون منه، راجلين أو مستقلين الميترو أو الحافلة.
كانت الكوفية الفلسطينية حاضرة يلفها الشباب بفخر حول أعناقهم، و قد خطت عليها عبارة: القدس لنا.
و كان العلم الفلسطيني حاضرا أيضا من خلال ملصقات وضعت على نوافذ المنازل أو على زجاج السيارات، و قد كتب عليها باللغتين العربية و الفرنسية: - الدولة: فلسطين - العاصمة: القدس.
مساء كل جمعة، كان يلتقي حشد غفير من الناس مغاربة و أوروبيون و عرب و غيرهم، في ساحة *لابورس* وسط المدينة للتنديد بالمجازر الشارونية و السياسة الأمريكية المنحازة. كنت أقف وسط الجموع لا أكلم أحدا، خشية أن أسأل كم مرة في السنة تنظم مثل هذه الوقفات في بلدي؟! حقيقة كنت أشعر بالخجل. وشعرت به أكثر يوم عودتي إلى طنجة.
كم نحن مقصرون!! كم نحن مقصرون في تضامننا مع الشعب البطل، شعب فلسطين. مقصرون في تضميد جراح أبناء فلسطين. مقصرون في مساندة الانتفاضة الباسلة المباركة. مقصرون في دعم المنظمات و الحركات الفلسطينية. مقصرون في رفض التطبيع و منعه و محاربته. مقصرون في مقاطعة بضائع و منتجات العدو و الدائرين في فلكه. فمعذرة يا فلسطين. معذرة أيتها الغالية فلسطين.
*يا قدس يا سيدتي.. معذرة فليس لي يدان و ليس لي أسلحة و ليس لي ميدان كل الذي أملكه لسان و النطق يا سيدتي أسعاره باهظة و الموت بالمجان! * |