|
اكتشاف الكائن الغريب

أعترف أن الخطأ كان فاحشا، لكن التراجع أيضا لم يكن ذا جدوى في وضع كوضعي. لهذا قبلت أن نقيم أنا و مريم في بيت والديها مؤقتا لحين إيجادي شقة و هو شيء ما كنت لأقبله لو كنت تزوجت في العشرينات من عمري حيث كانت لا زالت المكابرة الخرقاء تغمرني، قبل أن تركلني الحياة على مؤخرتي و أدرك أنك إن لم تأخذها غلابا ستأخذك هي إلى ما لا يحمد عقباه. و ما شجعني على ذلك هو أننا سنقيم في طابق كامل لوحدنا، أي أننا سنكون مستقلين نوعا ما عن أسرتها . و بالفعل مضى الأسبوع الأول كأحسن ما يكون و لم يكن ينقص سوى وردة أجدها في سريري في الصباح و أن تكون مريم تستيقظ بكامل مكياجها صباحا لأشعر بالشك و أتساءل : هل نحن في مسلسل عربي رديء ؟! لكن الأمر لم يستمر كما لكم أن تتوقعوا .. ففي أول يوم من الأسبوع الثاني دعتنا أسرة مريم للعشاء معهم " تحت " . و كان الرفض من رابع المستحيلات .. هذه فظاظة و قلة ذوق ستجعلاني أبدو وغدا في عيون حماتي و حماي منذ الأيام الأولى. كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساء و نحن نلتف حول مائدة الطعام نتبادل أطراف الحديث و ننتظر أن تظهر حماتي بالعشاء كي نهلل و نكبر في سرنا بالطبع. و أطراف الحديث هذه كانت مهمة بدرجة كبيرة و تمس أخطر القضايا على الإطلاق .. و هاؤم مثال على ذلك : محمد ( أبو مريم ) : الجو جميل اليوم . أنا : بالفعل ، البارحة لم يكن كذلك . مريم : إيييه .. يوسف ( أخو مريم الأكبر ) : لعلها لن تمطر غدا. أحمد ( أخو مريم الأصغر ) : إن جوربك مثقوب يا عمو ( يقصدني بالطبع ) !! الأب : هسسسس .... و يصمت الجميع من جديد .
** ** **
بعد أن تداعى الأكلة على قصعتها جلسنا نشرب الشاي و قد بدأ نوع من الحميمية يتسرب خصوصا بعد أن امتلأت البطون و آن للعقل أن يكون أكثر تيقظا على إيقاع رائحة الشاي المنعنع . و أصارحكم القول أنني أشعر بالرعب من أحمد هذا .. الكبار عندما يكونون أوغادا يرمونهم خلف القضبان أما الصغار فلا يكف الجميع عن الابتسام لهم و رفع الكتفين بمعنى : ( شقاوة الطفولة هذه ) . و في عيني الطفل كنت أرى علامة استفهام كبيرة عن هذا الكائن الغريب الذي جاء ليملأ عليه البيت و يختطف أخته .. و الكائنات الغريبة تستحق الدراسة حتما لذا ...
** ** **
كانت الضربة قوية إلى درجة جعلتني أحس أن رأسي سينخلع من مكانه .. - أحمد .. ماذا فعلت ؟ ألم أنهك عن أن تلعب الكرة داخل البيت !! و ابتسامة رقيقة وجهها الجميع لي و رفعوا مناكبهم بمعنى واضح جدا : شقاوة الطفولة هذه ! طبعا ، بادلتهم الابتسام بابتسامة أخرى بلهاء مسالمة كناية عن أن ( هذه الأمور تحدث دائما و لا حرج ).
** ** **
ما حدث بعد ذلك كان مثيرا للحنق حقا : سمعت تمزق سروالي بقوة و أنا أنهض من الكرسي .. لقد وضع الشقي صمغا بالكرسي الذي جلست عليه كما لكم أن تتوقعوا .
** ** **
كانت ليلة نقاش حامية بيني و بين مريم و هي تحاول أن تثبت لي أن أحدا لم ير سروالي الداخلي المزركش بينما كنت متأكدا أنهم انفجروا ضاحكين لمظهره! حاولت مريم أن تخفف عني الأمر و هي تعدني أن أباها سيلقنه درسا و أن أحدا لم يضحك من منظري !! تجاوزت هذه الجملة لأنها اتهام صريح بأنني أعمى و فضلت الصمت .. الصمت الذي جعلها تشعر بغضبي بالفعل فاستخدمت أشد الأسلحة فتكا : الدموع . ببساطة انقلبت الأدوار و أصبحت أنا من عليه أن يوقف دموعها فقط لأكتشف – و أنا أربت على ظهرها – أنها قد ملأت منامتي بالمخاط و الدموع. إن النساء يحببن البكاء كما نحب نحن كرة القدم. المهم أن مريم استعادت هدوءها كما فعلت أنا ، لكن الأمر لن يمر بسهولة . هكذا قلت لنفسي : و بيني و بينك الأيام يا أحمد. |