|
كتاب "المتلاعبون بالعقول" للكاتب الأمريكي هربرت شيللر "Herbert Chillier" ذو دلالات مدهشة رغم أن الكتاب قد صدر قبل أحداث 11 سبتمبر بكثير حتى لا تأخذنا روح المؤامرة إلى التوقف لما بعد الحدث فقط. يقول شيللر " كيف يجذب محركي الدمى الكبار في السياسة و الإعلان و سائل الاتصال الجماهيري و خيوط الرأي العام" و الكتاب يضع تصورا مدهشاً للمجتمع الأمريكي و للأجهزة التي تتحكم فيه بصورة علمية مثيرة, يتسلسل بداية من المقدمة التي تعرف القائمون على أجهزة الإعلام في الولايات المتحدة بأنهم الذين يضعون الأسس و الأفكار التي تجدد معتقدات و مواقف و سلوك الفرد. و يرى شيللر إن تضليل و برمجة عقول البشر ما هو سوى تطويع الجماهير للأهداف و السياسات السائدة حتى يتم ضمان لتأييد النظام بغض النظر إذا ما كان هذا النظام يعمل من خلال المصلحة العامة أو ضد الصالح العام للشعوب, و يضيف هربرت شيللر بأنهم لا يلجئون إلى التضليل الإعلامي إلا عندما يبدأ الجمهور في الاستيقاظ والظهور على الساحة لكي يصحح مساره .. أما عندما يكون الجمهور مضطهداً غارقاً في همومه و فقرة المدقع و يعايش بؤس الواقع فهم يتركونه في غيبوبته دون تدخل. و أعتقد أن هذا الكتاب يصلح لحالة الخداع و قلة الحيلة التي يعيشها المجتمع العربي و مجتمعات العالم الثالث في أفريقيا و أسيا و أمريكا اللاتينية, فهذه الدول بكل تأكيد تعيش حالة من التضليل الإعلامي المدعوم من عناصر رئيسية تتكون من حكام و أصحاب شركات و عملاء. و يؤكد الكاتب في سطوره على حقيقة الوضع بين من يملكون و من لا يملكون للحفاظ على الوضع كما هو علية و لتكريس تميز من يملكون و الإبقاء على الفئة التي لا تملك كما هي, و ليس هناك حد فاصل يحدد الهوية لكلا الفئتين, فمن يناضل للحفاظ على موقعه حتى يظل من لا يملك محتفظاً بهويته الدونية. و لكي تستطيع الطبقة التي تملك تنتج باستمرار و تضيف المزيد إلى رصيدها مما يمنحا قوة أكثر.
يلمح شيللر في كتاب " المتلاعبون بالعقول" بأن مهمة هذه الطبقة الاستمرار في التضليل الإعلامي لصالح الأجهزة الحاكمة, و لتظل هذه الأجهزة في وضع قابلاً لكسب و ربح مزايا جديدة من الوضع الاقتصادي المتردي.
ولقد شعر الجمهور في وقت من الأوقات أن التضليل الإعلامي ما هو سوى أداة للهيمنة على العقول بالخداع و التحايل نجح في أن يجعل الجماهير منقادين و مقيدين ضمن أغلال أبواق الإعلام من تلفاز و إذاعة و صحف و مجلات رغم أنهم و في أبسط الأمور في حياتهم اليومية يتصرفون ضد مصالحهم دون ما شعور بهذا العبء أو أدراك بأنهم مسيرون و ليس مخيرون, أننا في أغلب الأحيان نجد أن هذا الجمهور الواعي بالمشكلة يختار ما هو ضد مصالحة و ضد مستقبلة و إرادته.
و تتفنن الأجهزة الحاكمة في حيلها فيتخذ البعض منها رجال الدين كأدوات لتسيير منطق الوضع كما يريدونه, و يكون التفسير الديني لصاح أهداف المؤسسات الحاكمة كأن يقولوا هؤلاء للجماهير بأن الحاكم من طاعة الله وذلك ردة إلى مقولة أن الحاكم هو ظل الله في الأرض و يستمد منه سلطانه الذي لا ينافسه سلطان .. و عند الاعتراض على جزئية التفسير, سرعان ما ينبري هؤلاء المدججين بأبشع أدوات الردع بتكفير المعترضين من الجمهور حتى يستمر مسلسل التأثير على البسطاء و على عقولهم.
و في بداية من سطور المقدمة يقول هربرت شيللر "ففي داخل البلاد تنعم صناعة توجيه الجماهير بفترة نمو استثنائية بهدف تعليب و برمجة العقول , و كما يفعل حكام العالم الثالث عندما يودون تسيير قرار أو قانون ما فهم يلجئون إلى وسائل الإعلام عن طريق السيطرة التكتيكية من صور و معلومات بقصد التحكم في عقول الشعوب من خلال الاستفادة من الظروف التاريخية, و بهذا الأسلوب يصبح ابسط الناس و أشدهم حاجة أكثرهم تحمساُ لقوانين الملكية الفردية و الحيازة و أشدهم عداوة للحرية في ابسط مفاهيمها .. بل هو يصبح أكثر الناس عداوة المنتمي لها".
و أتذكر أني قرأت شيئاً عن صناعة المعرفة أو بمعنى أكثر تحديدا ما عرف بمفهوم "تصنيع المعرفة" حيث يقول لندون جونسون أحد الرؤساء الأمريكيون السابقون " لقد راودني شعور عميق بالفخر و أنا أوقع القرار بحرية المعلومات فهو يعني أن الولايات المتحدة مجتمع منفتح يحترم فيه حق الشعب في المعرفة و تقوم الحكومة بأعداد المعلومات في كافة الفروع و على سبيل المثال تعد الحكومة بيانات عن الشعب و التعداد و الإنتاج و الاستهلاك و المصادر الأولية و العلاقات بين الأمم ..الخ. ويستفيد الإعلاميون من هذه المعلومات باستخدامها لتوعية الشعب من خلال حملات الحكومة لأهداف معينة مثل الحد من استهلاك المياه أو الحد من استخدام الطاقة خاصة في حالات الحروب و المجاعات. و لاحظ كيف استخدم الرئيس جونسون لفظة "التوعية" و لم يستخدم لفظة "التوجيه".
لا أرى فارق كبيرا بين ما تفعله الولايات المتحدة و ما تفعله حكومات العالم الثالث سوى أن تلك الحكومات دائما ما تتوخى الحذر من فتح باب المعلومات بل أنها تحجب معلومات صادقة عن أجهزتها الإعلامية, و في كثير من الأوقات نجد أن هذه الحكومات تغلق تماماً باب المناقشة في إعطاء معلومة مهمة و للمثال عندما نسمع "صرح مصدر مسؤول" فتلك إنهاء للخبر لا، المصدر المسؤول مجهول. و مثال آخر "أن تقول أجتمع فلان مع فلان و ناقشوا بعض القضايا الهامة وتم توقيع بروتوكول تعاون مشترك بين الدولتين" و بالطبع لا أحد يدرك ماهية القضايا الهامة ولا البنود التي تم التوقيع عليها في البروتوكول.
هكذا بين الحقيقة و الكذب تضيع آمال الشعوب, و بسبب حجب الحكومات للمعلومة الصادقة عن أجهزة الإعلام تضيع الثقة في الشركات الوطنية كما تضيع الثقة في الحكومات و في المسئولين الكبار.
من الواضح أن الخطر الذي يهدد الكيان الاجتماعي يكمن في الدافع التجاري الخالص و الذي لا يستهدف سوى الربح و الربح فقط, و بهذا أضيفت إلى الإعلان مواد و أشكال و ألوان جعلت من السلعة المستهلكة صورة مغايرة للواقع و كأنها من ضرورات الحياة الأساسية و كأن لا غنى عنها فتشكل بذلك الخطر الذي اصبح يهدد استقرار كل أسرة.
و لا يردع صناع الإعلان أي رادع أخلاقي أو إنساني فهم يسعوا إلى جذب الجماهير من خلال مشاهد للعنف أو باللعب على الحس الجنسي لدى العامة من الجماهير مثل أن تظهر فتاة في ما دون العشرين من العمر و هي تمسك بقلم أحمر شفاه ثم تنفرج الشفتان بإثارة مفضوحة و تغمض العينين لتفوح بعض ذلك بصوت جنسي شره, و يقول الإعلان بأن الثمن فقط عدة دولارات و لكن من أين تأتي الفتيات بالدولارات في مجتمعات نامية مرهقة؟! و هل يكفي مرتب فتاة عاملة لاقتناء أحمر الشفاه .. هذا ناهيك عن الإثارة في الملبس و المأكل و المسكن الفاخر؟!.
كل هذا يتم من خلال الإعلان التليفزيوني و هو الذي حقق الكم من الإثارة الجنسية و خلق الرغبة الشديدة في الاقتناء .. و بالتالي تمت السيطرة على أفراد الأسرة الواحدة رغم أن المقومات الأساسية للنظام التجاري هو الدافع الذاتي دون الرجوع للقيمة الحقيقية للسلعة المعروضة و ما إذا كانت مطلباً أساسياً أو رفاهية فقط.
كما يؤثر الإعلان و يبرمج العقول, هناك ما هو أخطر من ذلك و هو برمجة عقول الأطفال من خلال برامج قد تبدو مسلية و ممتعة و لكن الأمر يبدو أخطر بكثير من ذلك من خلال ما يعرض من أفلام الكرتون و لو لاحظت كم العنف الموجود في أفلام "توم و جيري" علي سبيل المثال لتعجبت .. الأمر أخطر مما نتصور فالطفل يدرك و لكن لا يميز و بالتالي فهو سهل التكيف و التشبع بالمعروض .. و هذا الطفل هو نفسه الشاب الذي يبرمج على وتيرة عشق كرة القدم أو الموسيقى إلى درجة تكريسها كأولويات على مبادئ أساسية مثل الحقوق الوطنية و حقوق الإنسان و العمل الاجتماعي و حقوقه كدافع للضرائب في حياة أفضل و حقوقه كشاب في أن يجد مكاناً له في جامعات وطنه و أن يجد عملاُ و سكناً الخ من القضايا الأساسية.
هذا الخطر الكامن في حياتنا يختلف و يتطور و يندس ليشكل عنصرا من عناصر الضعف الإنساني ليلعب بعقولنا فنصبح جميعا لعبة في أيدي من لا ضمير لهم من أعداء الشعوب و الحريات و الحياة.
المصادر: المتلاعبون بالعقول - هربرت شيللر "Herbert Chillier". |