|
غسان زقطان: الحنين كائن حيّ واكاد أسمع جلبته في الجوار

اجرى الحوار جهاد هديب
هكذا بدا الشاعر غسان زقطان في ديوانه الأخير وربما الأجمل من بين ما صدر عربيا مؤخرا بل ومتميزا عن نفسه : ليس الشعر لعبة الأخيلة والمجاز أو الاستعارة و ليس مادته الواقع الذي حدث وليس القائم من التخييل وفيه إنما هو الماضي مجلوبا بقوة المخيلة في حين ظل هذا الماضي فردي محض لكن ليس بالضرورة سيرة الشخص على نحو مطلق أو سيرة العائلة التي تخصه بل هو ماضيهما معا متخيلا .
فالماضي هو الإحساس به أو هو ( السير على حافة الرواية ) بتعبير الشاعر زقطان والتي يسردها الشاعر وكأنما منتهى الصبوة أن يتخفف منها .. من وطأتها على الإحساس بالعالم من حوله فهي تجعل الأشياء كلها من حوله في الخفة التي لا تطاق وليس ذلك الإحساس بالغربة لكنه الاحساس بالاغتراب .
فالشخص وحيد في عزلته ويضيئها بماض ما .. تماما مثل رجل يتذكر بحسب ما حملت عنوانا لها إحدى القصائد ويتردد صدى ذلك في عنوان الكتاب أيضا : سيرة بالفحم . فكما رسام قديم يخّط صورا في الحائط لأناس يكاد يتعرّف عليهم جاءت اليه أو ذهب اليها حتى لكأنما هي هنا في الحاضر ولكأنما هو هناك في عتمة الضباب حيث يكاد السارد في القصيدة - الراسم بالفحم وصوره .. يكادا يبينا على السطح التصويري للذاكرة المتخيلة أو الحائط الذي اختاره الرسام القديم ليكون مجال لعبه .
ومن موقعه الغامض والشفيف بالنسبة للمتخيّل وشخوصه يشعر المرء أن موقع الشاعر في منطقة أخرى معتمة بعيدة تشكل رؤيته للكيفية التي ينبغي أن تكون عليها بنية قصيدته وما تستطيع حمله من الشعر في المعنى المطلق للكلمة .
يقيم المنجز الإبداعي للشاعر الفلسطيني غسان زقطان هو الذي ينتمي إلى جيل السبعينات ولامس شعره آنذاك حواف شعر المقاومة الفلسطيني في تلك المنطقة التي تمتزج فيها ظلال قادمة من التذكر والحنين بل من اشتباكهما معا أثناء خروجهما من الحدس الشعري إلى الصورة الشعرية.
في هذا الحوار يصف غسان زقطان الحنين على انه حقل ثم يكاد يقول انه كائن واسمع جلبته في الجوار..إلا ان الحنين هذا له عدة وجوه تتقلب على المشاعر الإنسانية مثلما تتقلب على المعرفة التي هي معرفة نتاج خبرات في التواصل مع الذات بشكل ما . وأحد هذه الوجوه يبدأ هنا مع زيارة قام بها الشاعر مؤخرا إلى العاصمة الألمانية برلين التي زارها مؤخرا وأقام فيها بدعوة من دار الثقافات الألمانية العريقة ..ما يلي الحوار:
* ان تقرأ شعرك بالعربية لمتلق أوروبي في ظل الوضع الراهن ماذا يعني ذلك؟ ثمة ما هو غريب ومركب في الامر؟ - لقد امتد برنامج دار الثقافات في برلين على مدار ثلاثة اشهر حاول فيه المنظمون تقديم أقصى مساحة ممكنة من المنجز الإبداعي العربي الحديث، من السينما الى التشكيل الى الرواية الى الشعر الذي اقتصرت حصته على أمسيتين واحدة لأمجد ناصر والأخيرة لي. الملفت في هذا البرنامج الطموح انه يأتي في سياق محاولة أوروبية بدأت تتبلور في بحث عن حوار اكثر عمقا مما هو متداول مع المنجز الإبداعي العربي. لعلها موجة جديدة من البحث عن المعرفة بوسائل جديدة غير الوسائل الاستشراقية الكلاسيكية التي حكمت صورة الشرق في المخيلة الغربية وهي في اعتقادي تنبع من حاجة معرفية اكثر شفافية هذه المرة. ففكرة الحوار العربي الاوروبي تبدو قاسما مشتركا وعنوانا كبيرا من الاقتراحات القادمة من الضفة الشمالية للمتوسط. لنقل ان اوروبا خائفة هذه المرة او أنها تدخل ببطء الى معسكر المهددين بثقافة المركز الأميركي العنيفة، ربما لهذا تحاول اوروبا الاقتراب اكثر من أطراف او مناطق معسكر المهددين هذه والذي نمثل نحن المنطقة العربية النواة لها. ليس من السهل قراءة شعر أنجز في مكان مختلف وفي سياق ذاكرة مختلفة شعرا يسعى نحو متلق مختلف. من الصعب ايضا الدفاع عن النص في هذا المكان الملتبس ومع متلق لا يمتلك مرجعيا النص نفسه بل على العكس من ذلك ربما انحكم هذا المتلقي بمرجعيات مضادة بنتها حركة الاستشراق الطويلة التي أسست لصورة بدأت تفقد ملامحها. في أمسية امجد ناصر الذي قرأ فيها مختارات من اعماله بدا الجمهور منصتا وجاهزا لطرح الأسئلة وقادرا على تمثل تجربة الشاعر العربي أظن ان هذا بطريقة او بأخرى ما حدث في الأمسية التي قرأت فيها عددا من قصائد المجموعة الأخيرة وقد يكون جزءا من وصول القصيدة يرجع الى الترجمة المتميزة التي أنجزتها المترجمة ليلى شماع الألمانية من اصل لبناني.
* في كل الأحوال ليس مطلوبا من المتلقي ان يطل على مرجعيات النص غير ان ذلك يمكن أخذه على انه اختبار لطاقة النص الشعرية؟ - من الممكن قول ذلك ولكنها بالتأكيد مرجعيات سوف تصطدم بصورة تم انجازها وبناؤها في سياقات مختلفة، ثمة صدمة هنا ودهشة لعلها عائدة الى اختيار أجيال من الشعراء ونماذج شعرية حديثة تختلف عن تلك التي رسخت في ذهن المتلقي الاوروبي، نماذج قدمت عوالم المنفى والحنين ضمن تركيب لغوي جديد ومشهديات تتكئ على المشهد المعاصر نفسه ولا تنقل توصيفا لعالم مجاور ومعزول في الوقت نفسه.
* هل شعرت ان المتلقي الاوروبي يمتلك فهما ما او تصورا ما عن الشعر العربي؟ - اظن ان الفكرتين الأساسيتين اللتان يصطدم فيهما النص الحديث تكمنان في ميل المتلقي الاوروبي الى تسييس النص العربي من جهة ومقارنته مع نصوص عربية كتبت بلغات أوروبية.. ثمة كتاب عرب قدموا مشروعهم في غير لغة اوروبية في محاولة للتماهي مع مزاج وذائقة القارئ الاوروبي من جهة فلرضائه عبر استدراج المعايير الاستشراقية للنص من جهة أخرى، وهنا سيجد المتلقي نفسه امام نص مختلف تماما ولا ينحكم لهاتين المرجعيتين وهذا ما يفتح إمكانية الأسئلة على مصاريعها وهو ما جرى مع معظم الكتاب الذين شاركوا في مثل هذه الملتقيات. وأظن ان ما يجري في دار الثقافات وفي سياقه المختلف هو خطوة في الاتجاه الصحيح رغم كل المحاذير التي من الممكن ان تنشأ هنا او هناك.
* ذكرت شيئا عن المنفى وآخر عن الحنين هل يمكن القول ان »الدياسبورا« في ثقافة المتلقي الاوروبي قد دفعته الى تفهم المنفى والحنين مثلما هما في قصائدك؟ - ان الثقافة اليهودية التي انبنت على ركائز الشتات والحنين والعزلة هي واحدة من المصادر الرئيسية للثقافة الغربية بكل ما تحمله من ظلال قداسة ولا شك ان المفهوم الذي تشكل في هذا السياق يتأثر الى حد كبير بالثقافة اليهودية وبما أنجز المثقفون اليهود الذين كانوا شركاء في الغرب، ولنضف الى ذلك المحمول السياسي الذي ضخته الحركة الصهيونية في شرايين الثقافة الغربية بكل مكوناتها. الان تحاول اوروبا ان تتخفف من أثقال الحرب العالمية الثانية، ولا شك في ان الثقافة التي أثقلت بالكثير من الأعباء خلال نصف القرن الماضي هي جزء من محاولة هذا التخفف واحد الجوانب يتمثل في عدم الاكتفاء في نقل صورة الشرق بقدر ما هي محاورة الشرق بأدوات جديدة وأظن ان جزءا من هذه المهمة يقع على عاتق المؤسسات الثقافية العربية والمثقفين العرب. لقد تمت محاولة للإنصات هناك وبناء الأسئلة.
* الحنين لديك مرتبط بالذكرى لكن الذكرى هنا ليست كلها تذكر بل فيها قدر من التخيل؟ - الحنين حقل كثيف من الذكريات، الحنين لا يمكن ايضاحه مشهديا ولا اظن ان المطلوب هو وصفه او الإقامة فيه بقدر ما انه قابل للاستدعاء ثم البناء عليه، ان التصرف مع الذاكرة او الجهد المبذول في التذكر ينبغي ان يتجاوز فكرة نقل الأشياء من الماضي الى الحاضر. فالشعر ليس مركبة مواصلات او مركبة لتحميل الأشياء بقدر ما هو الأشياء في حد ذاتها لكن في تركيب مغاير. والحنين مرة أخرى، ذاكرة غامضة ممتلئة بالتفاصيل، تفاصيل لا يمكن التعامل معها بوصفها بناء واحدا متماسكا ومعرف. في التعامل مع الذاكرة ينبغي التأكيد على مشهد متحرك قادر على النمو والتكاثر والاختلاف، انه انزياح عن السكونية، هكذا أتصرف مع ذاكرتي وأضيف عليها وارمم ثغرات فيها او أعيد بناء ذكرى ما، ثمة كائن آخر ينمو الى جوارنا ويتغذى من حركتنا ومن حواسنا، هكذا أفكر بذاكرتي، عندما اذهب الى هناك لا اقصد ان أقيم بل لاعيد تنظيم الأشياء تماما كما تكتب نصا للمرة الثانية بكل ما يحتمله ذلك من الحذف او الإضافة.
* في قصائد أخيرة تبدو هذه الذاكرة وبالتالي يبدو الحنين تاريخيا؟ - أحيانا، يأتي الحنين نتاجا للخسارة، وبالضبط يأتي الحنين من الخسارات، ليس بالإمكان تفكيك انكسار جماعي واختزاله بهواجس فردية، آنت لا تستطيع ان تفعل ذلك دائما، يُحتمل ايضا ان الحنين الى المكان بمكوناته وذاكرته يمكن ان تلمسها في الروائح والمعمار والضوء، هذا جزء أساسي من الحنين او من التذكر، أحيانا تأخذك هذه الممرات التاريخية والشخصية معا الى مجاميع ومناطق أوسع من تلك التي تكتفي بعابر وحيد او بذكرى معزولة، الامر برمته عائد الى لحظة التذكر وعمق المكان الذي تتذكره.
* الوصف، وصف للماضي في شعرك بينما هو وصف للمكان عبورا اليه كأنما لتفتيته في روايتك (وصف الماضي)؟ - اظن ان البناء الروائي يحتمل (المناورة) اكثر بكثير من النص الشعري، ثمة مسافات ليس من الممكن إلغاؤها بين أنواع الكتابة. ولعل هذا ما حدث معي في كتاب (وصف الماضي) الذي حمل فكرة الوصف في عنوانه، ربما كانت تلك محاولة لقول ما عجزت عن قوله في الشعر وظل يؤلم غير انني لست واثقا حقا في انني تخففت تماما من تلك الرغبة حتى الان وبعد ان كتبت تلك الرواية، ثم انني لا اتفق معك في ان الرواية وصف للمكان تماما إذا أردنا ان نذهب مباشرة الى النص سنجد ذلك التقاسم بين الشخصيات والمكان نفسه، إنها رواية موتى يرغبون في التذكر ويعيدون رواية حدث واحد من زوايا مختلفة. تجد في الرواية ثلاث روايات تصف مكانا واحدا يختلف في كل مرة حسب زاوية الراوي. هذا ليس دفاعا عن الرواية بل محاولة للدفاع عن مفهومي للمكان في النص.
* لماذا تفيض قصائد الحنين بغنائية تنحسر في قصيدة النثر؟ - ليس ذلك ضروريا، لقد كتبت قصيدة نثر مشبعة بالحنين الى مناطق للعيش ومناطق في الجغرافيا تتجاوز الشحنة الغنائية فيها تلك الغنائية التي في قصائد ذهبت الى تلك المناطق.
* يلاحظ في قصائدك الأخيرة انك تعود الى قصيدة النثر؟ - لا اظن أنني قد ابتعدت عن قصيدة النثر بقرار فني بل استفدت الى حد كبير، وهذا ينطبق على معظم جيلي، من حمولة قصيدة النثر والمناطق الجديدة التي أشرعتها امام الشعر العربي سواء عبر تركيب الصورة او المزج والتقطيع والتكنيك وغنى القاموس وإدخال مناطق لغوية جديدة الى التداول الشعري ولقد أفدت الى حد كبير من هذه الحمولة في كل ما كتبت، لقد حاولت جاهدا ان اثري نصي الغنائي الذي اكتبه بمنجز قصيدة النثر. لهذا عندما صدرت مجموعة (استدراج الجبل) عام 1999 وهي تحمل قصائد نثر لم يكن لدي ذلك الشعور الذي يكتنف العائد بقدر ما هو الاستمرار في تطوير التجربة وهذا ينطبق ايضا على مجموعة: سيرة بالفحم . لا اظن ان هناك مساحات جرداء او فارغة بين القصيدة الغنائية الحديثة وقصيدة النثر العربية، بل يأتي الامر من خلال النقطة التي تقف عليها لحظة الكتابة.
* في ظل اوضاع سائدة الان هل ثمة اقتراح جديد لوطن او لمنفى؟ - لنتفق على اقتراح تبدلات بين المنفى والوطن فذلك اخف وطأة، لكن دعنا نتذكر معا ان منفى الجيل الثاني من الفلسطينيين لم يكن منفى بالمفهوم الكلاسيكي، هناك ملامح وطن ظهرت في هذا المنفى وانبنت على ذلك ذاكرة كاملة ومتشعبة وغنائية، باستثناء المنفى الاول الذي وجد والدي ووالدتي نفسيهما فيه تبدو كأنها هي الاخرى مناف طوعية او مناف مبنية على قدر من الاختيار، عندما يحدث ذلك، عندما تتمكن من اختيار منفاك فانك تمنحه بعض ملامح وطنك. هذا يمكن ان يحدث مع الوطن ايضا، فعندما تصل الى مكان متعارف عليه او محمول في داخلك كأمانة دون ان تمتلك اية ذكريات او معرفة حقيقية باستثناء ما هو متداول لدى العامة فانك تصل الى وطن يحمل ملامح منفى، هذا ما عليك ان تتعايش معه. |