|
ترى ماذا يعني عالم العجائز بالنسبة للصغار؟؟ بالنسبة للبعض قد يعني موضوع سخرية وتندر ، وقد يكون موضوع رعب وعقاب ، أو قد يكون رمزا للحنية والمحبة .......وقد يرتبط بخيال البعض بقصص ما قبل النوم أما بالنسبة لي فقد كان شيئا آخر..... منذ وعيت على الدنيا كما يقال وجدتي تعيش معنا أو بالأصح تعيش في غرفة جهّزها لها أبي على سطح بيتنا، لم تكن تتعامل معنا إلا نادرا ولم تكن تنزل إلى بيتنا إلا في مناسبات خاصة جدا ولم أكن أدري كيف كانت تقضي وقتها .......... لم تكن تعاني من أمراض ولكنها وضعت نفسها في هذه العزلة بعد وفاة جدي كما فهمت .
كان يوما عاديا لكن فيما بعد بدأت أراه مميزا في حياتي حين دخلت البيت ووجدت أمي لا تقوى على الصعود إلى السطح لتقديم الطعام لجدتي كما هي العادة وطلبتْ مني ذلك .........ترددت في البداية كمن يذهب إلى المجهول ولكن نظرات أمي أو نظراتها القليلة جعلتني أحمل صينية الطعام وأصعد...... كنت كمن يدخل إلى المجهول .....لم أستوعب إلا وجدتي أمامي..... أومأت لي بأن أضع الطعام جانبا كنت مازلت واقفا عند باب غرفتها لا أدري لماذا أحسست بأن هذا عالم أخر لم أعرفه من قبل ......كانت الغرفة في منتهى التواضع....أجلت نظري في محتويات الغرفة....أشياء بسيطة تكاد لا تذكر....لمحت مفتاحا كبيرا معلقا على طرف الجدار...... فهمت قصته فيما بعد.
في أحد الأركان كانت حقائب قديمة جدا ...أدركت أنها التي كان يحكى لي أحيانا عنها بأنها بقيت جاهزة وتحت الطلب عندما كان جدي يستمع للمذياع في انتظار إشارة العودة... كانت غرفة لها جو خاص ولها رائحة خاصة ، تجرأت أكثر وتفحصت وانتبهت إلى شجرة البرتقال .....كانت أغصانها تمتد إلى نافذة الغرفة .... تلك الشجرة التي كانت ربما الطلب الوحيد الذي طلبته جدتي من أبي وأصرَّت عليه ....لم تتحدث جدتي تلك المرة وأسرعت في النزول من الغرفة ولكنني أحسست بأني انفتحت على عالم خاص ذي نكهة خاصة ....وأصبحت أتقصَّد التواجد في البيت وقت إرسال الطعام إلى جدتي لأقوم أنا بالمهمة.....
يوما بعد يوم أصبحت علاقتي مع جدتي مميزة وقوية وكان ذلك محل استغراب الجميع ... فلم تكن تقريبا تكلم أحدا ... حدثتني عن أشياء كثيرة ... وكيف كانت حياتها في السابق في قريتها وكيف كان بيتها وبساتينها ... وكيف كانت تخطط لزواج أبنائها وإبقائهم هم وزوجاتهم وأطفالهم حولها في البيت الكبير ....لم يكن يخطر على بالها أن الأمر سينتهي بها في غرفة فوق سطح بيت من أبنائها في بلدة ليست بلدتها ! وعندما كانت تصل إلى هذه الصورة كانت الدموع تكاد تسقط من عينيها على وجهها الذي حفرته الأيام ... ثم تنتقل إلى الحديث عن الزمن المائل الذي مهما حاولت إصلاح اعوجاجه وتعديله يميل في ناحية أخرى ... كانت تتمتع بحكمة كبيرة قلما أجدها عند أحد أخر .... باختصار كانت تفهم الحياة ونفسيات البشر ولكن ما كانت لا تستطيع أن تفهمه هو لماذا حدث هذا معها ؟؟!!!
كنت ألجأ إليها في مواقف كثيرة ولكن بعض الأمور لا أجرؤ على مصارحتها بها .... لكنها كانت كمن تحس بي .......أذكر حين انتهت من دراستي الثانوية كنت أنوي إكمال دراستي في أمريكا وربما الاستقرار هناك بعدها... وفرح الجميع حين حصلت على القبول ... ولكن نظرات من عينيها كانت كافية لان أنزع هذه الفكرة تماما من رأسي ... وما زلت حتى الآن تراودني رغبة في بعض التصرفات أتخيلها أمامي واستلهم من نظرات عينها ماذا يمكنني أن أفعل .....
حين توفيت جدتي كان حزننا كبيرا .... ولكن المشكلة الأكبر ماذا نفعل بحاجياتها ؟؟ وماذا نفعل بغرفتها ..فلم يكن أي منا ابتداء من أبي يجرؤ على التصرف في أي شيء يخصها ... وكأن كل ما يخصها له قدسية خاصة ....
مع مرور الأيام عرفت أن جدتي ليست كغيرها من الجدات أو العجائز ... كانت أكثر من ذلك .... كانت قضية ........... |