|
من جديد أثبتت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) قدرتها على الوفاء بالتـزاماتها في الحفاظ على الاستقرار في سوق النفط العالمية وبتوفير الاحتياجات اللازمة من الإمدادات النفطية للسوق في حالة الأزمات ، حدث ذلك أكثر من مرة من قبل وكررت الموقف ذاته في الثاني عشر من أيار/ مايو الماضي فقررت في اجتماع طارئ في مواجهة أزمة الإمدادات الفنزويلية بسبب الإضطرابات التي تشهدها فنزويلا زيادة الإنتاج بمقدار 1,5 مليون برميل ليرتفع وفقـًا للحصص الرسمية المقربة لدول المنظمة عدا العراق إلى 24,5 مليون برميل يوميـًا . هذه الزيادة في الإنتاج قد تكون منطقية في ظل استمرار ارتفاع الأسعار عن مستوياتها الأعلى المقررة 28 دولارًا وبسعر وسطي 25 دولارًا و22 دولارًا كحد أدنى . الموقف ذاته قد تكون الأوبك مطالبة به وفي وقت قريب في ظل تسارع دق طبول الحرب الأمريكية على العراق تحت ذريعة تفريغ العراق من أسلحة الدمار الشامل المزعومة تارة وتحت ذريعة تغيير النظام تارة أخرى . فالحرب إن وقعت ستترك لا شك أثرها الكبير على الأوضاع في سوق النفط العالمية وهو تأثير يتراوح في حدته تبعـًا لطبيعة الحرب التي ستشنها الولايات المتحدة الأمريكية ولعدد الدول التي قد تساندها أو تشترك معها وبشكل أكثر دقة تبعـًا للمدة التي يستغرقها تحقيق الأهداف الأمريكية غير المعلنة بدقة حتى الآن والعنصر الأخير يعتمد بدوره على مدى القدرة العراقية على الصمود في مواجهة الهجوم الأمريكي الكاسح . وفقـًا لكل السيناريوهات المحتملة فلا شك أن الأيام الأولى لبدء المعارك ستشهد ارتفاعـًا في الأسعار التي قد تقفز إلى ما فوق الأربعين دولارًا للبرميل ويعتقد وزير الطاقة الجزائري شكيب خليل في تصريحات له في الرياض مؤخرًا أن الأسعار قد تتجاوز هذا الحد إلى الستين دولارًا للبرميل ، وهذه أرقام قد تكون محببة للدول المنتجة للبترول التي سرعان ما ستسعى إلى الإفادة من الفرصة بحيث تعمد كل منها على تجاوز حصتها لتحقيق أكبر قدر ممكن من الغنائم . وفق هذا السيناريو المحتمل لا بد من ملاحظة عدة أمور فبالعودة إلى التجربة السابقة لحرب تحرير الكويت حيث لامست أسعار النفط الثلاثين دولارًا للبرميل مرتفعة من حدود 12 دولار فإن علينا أن لا ننسى أن الأسعار لم تصمد طويلا ذلك أن خضات الحرب مع قسوتها ليست العامل الثابت الذي يمكن الرهان عليه ، خاصة إذا ما أخذت الحرب شكلا روتينيـًا في عملياتها اليومية واتضحت بشكل سريع النتائج المتوقعة للعمليات إلى جانب عنصر مهم جدًا وهو إذا ما اتضح سريعـًا- وهذا لا شك سيحدث- أنه لا خوف على الإمدادات النفطية في ظل الحرب المشتعلة . ثم يجب أن لا نغفل عاملا رئيسيـًا آخر وهو عامل البعد السياسي ، فالولايات المتحدة لا شك ستمارس ضغوطـًا على دول الأوبك لزيادة إنتاجها من النفط لطمأنة الأسواق من جهة ولعدم التأثير على الاقتصاد العالمي وذلك تحت ذريعة تغطية نقص إمدادات النفط العراقية إضافة إلى النقص الراهن في إمدادات النفط الفنزويلية والتي من المستبعد أن تعود إلى مستوياتها السابقة على الأزمة 2,5 مليون برميل يوميـًا في غضون الأسابيع القليلة القادمة حيث تصل الترجيحات المتفائلة للمسؤولين الفنزويليين بارتفاع الإنتاج من مستواه الحالي 0,5 مليون برميل فقط إلى 1,5 مليون برميل عند منـتصف الشهر الجاري . وكانت الولايات المتحدة قد عمدت خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى التأثير على أسواق النفط العالمية عبر تسريبات متضاربة حول مخزون النفط الأمريكي الذي تشير تقارير إخبارية إلى تراجعه تارة إلى أدنى مستوياته ، وتارة إلى التلويح باستخدام الولايات المتحدة لهذا المخزون وتارة ثالثة في سعي أمريكا لزيادة احتياطها الإستراتيجي إلى 900 مليون برميل ، في حين أن التقارير الإخبارية الصادرة من واشنطن تباينت في تقرير الاحتياطي في هذه المرحلة ما بين 500 مليون إلى 600 مليون وإلى 700 مليون برميل وفق تقديرات ثالثة . ولعل من المفيد أن ننبه إلى ما أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأيام الأخيرة من الشهر الماضي عن إستراتيجية جديدة تتخلى بموجبها بلاده عن الطاقة المستوردة تدريجيـًا عبر إنتاج مزيد من الطاقة محليـًا وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة وتطوير تقنيات نظيفة واقترح الرئيس الأمريكي في إطار طرحه لهذه الإستراتيجية أمام الكونغرس الأمريكي تخصيص مبلغ 1,2 مليار دولار للأبحاث حتى تتصدر أمريكا العالم في مجال تطوير سيارات نظيفة تعمل بالهيدروجين . إذن من الواضح في ظل هذه الصورة أن الانعكاسات السياسية ستكون العامل الأكثر تأثيرًا على أوضاع سوق النفط العالمية ، لكن من المنطق أن ننتبه إلى أن العوامل السياسية لا تتسم بالموضوعية إذ لا تقترن بالية العرض والطلب وهي بالتالي عوامل نفسية سريعة التأثير، وكما هي سريعة الظهور فإنها أيضـًا سريعة الانحسار . وعليه فإن الحكمة تقتضي بأن تكون الدول المنتجة للبترول أكثر حذرًا ووعيـًا في تعاملها مع المتغيرات التي قد تفرضها الحرب القادمة على العراق ، وهي مع كونها- أي الدول المنتجة- معنية بالحفاظ على الاستقرار في الأسواق إلا أنها ليست معنية بتحمل تبعت حماقات الآخرين في التوجه إلى حرب لا تفرضها إلا مصالحهم ، وفي هذا الصدد لنا أن نتخيل مآل الأسعار في حال هيمنت الولايات المتحدة على النفط العراقي وبدأت تستأثر باحتياجاتها كاملة من هذا النفط وفق السعر الذي ترتئيه . فإذا كنا نرى أن من حق الولايات المتحدة المضي قدمـًا في مخططاتها التي تخدم مصالحها فإن من حقنا أيضـًا أن نراقب مصالحنا ونتخذ ما نراه من الاحتياطات . وإذا كانت دول الأوبك ملزمة في مواجهة الأزمات القهرية التي قد تشهدها الأسواق كحالة الأزمة الفنزويلية فإن المنطق يقتضي أن لا الأوبك ولا الدول المنتجة الأخرى ملزمة بمواجهة الأزمات التي يفتعلها الآخرون ، فكل المؤشرات تشير إلى أن أسعار النفط سوف تصاب بتراجع حاد بعد انـتهاء الحرب الأمريكية على العراق . أولا لأن الحرب قد تفضي إلى هيمنة أمريكية على النفط العراقي ، وثانيـًا لأن الدول المنتجة ستعاني من التخمة التي فرضها في الأسواق تسرعها المتوقع في اغتـنام فرصة ارتفاع الأسعار في بداية الأزمة التي قد لا تعمر طويلا . وستجد الدول المنتجة للنفط نفسها مدعوة إلى اجتماعات طارئة لمواجهة أزمة شاركت هي في خلقها . خلاصة القول أن الارتهان إلى أسباب موضوعية في تحديد توجهات السياسة النفطية للدول المنتجة هو الملاذ الآمن الذي يجب أن يرتهن إليه ، وأن أي قرار سيتخذ لزيادة جديدة في الإنتاج يجب أن يؤخذ بحذر فمستويات الإنتاج الحالية في الأسواق بالرغم من تراجع إمدادات النفط العراقية إلى أدنى مستوياتها والغياب شبه الكامل للإنتاج الفنزويلي هي في واقع الحال قريبة من الاحتياجات الكاملة للسوق خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الزيادات المتلاحقة في إنتاج بعض الدول كروسيا التي وأن بات يتقلص معدل النمو في إنتاجها إلا أنه ما زال في ازدياد وكذلك الدول المنتجة الصغيرة والتي ستشكل مع الزمن عامل قلق للأوبك . إن سعر ثلاثين دولارًا لبرميل البترول من مزيج برنت وما دون 29 دولارًا لسلة نفوط الأوبك هو سعر معقول في ظل الأزمة الفنزويلية والظروف السياسية الدولية الراهنة التي تفرضها الأزمة العراقية ولعل الزيادة الأخيرة التي قررتها أوبك في إنتاجها في الثاني عشر من الشهر الماضي ستكون كافية وحدها في طمأنة الأسواق عند بدء العمل بها في الأول من الشهر الجاري . وغني عن القول أنه أمام أوبك تحديان لا بد من أخذهما دائمـًا بعين الاعتبار يعكسان مستوى تماسك المنظمة وقدرتها على التأثير في الأسواق التي تحفظ لها الثبات كمنظمة فاعلة . العامل الأول الالتـزام بالحصص الجديدة المقررة إذ لا يجب أن يدفع هلع الأسواق في ظل اضطرابات الحرب- إن حدثت لا قدر الله- بالدول المنتجة إلى اقتـناص الفرصة ، والعامل الثاني هو سرعة الاستجابة لأية متغيرات قد تفرضها الأحداث تراجعـًا على الأسعار بحيث تعيد النظر سريعـًا في مستوى إمداداتها من النفط إلى الأسواق أو بمعنى آخر العمل بشكل فعال وسريع في إطار آلية التسعير التي وضعتها المنظمة قبل عامين . إن بمقدور دول الأوبك توفير طاقة إنتاجية بما فيها فنزويلا تـزيد على 5,6 مليون برميل يوميـًا قياسـًا بمستوى حصص العام الماضي بل أن المملكة العربية السعودية بمقدورها توفير ما يقارب هذا الرقم في حالة الأزمات ولكن هل تفرض الحرب على العراق إن حدثت مثل هذه الزيادة ؟ ذلك هو السؤال!!
|
الفائض المحتمل في الإنتاج |
الحصة الجديدة 1/2/2003م |
إنتاجها السابق 2002م |
الدولة |
|
2,950 |
7,963 |
7,053* |
السعودية |
|
0,255 |
0,728 |
0,693 |
الجزائر |
|
0,090 |
1,270 |
1,125 |
اندونيسيا |
|
0,470 |
3,592 |
3,186 |
إيران |
|
0,490 |
1,966 |
1,741 |
الكويت |
|
0,080 |
1,312 |
1,162 |
ليبيا |
|
0,429 |
2,018 |
1,787 |
نيجيريا |
|
0,210 |
0,653 |
0,562 |
قطر |
|
0,630 |
2,138 |
1,894 |
الإمارات |
|
0,030 |
2,819 |
2,497 |
فنزويلا |
|
----------- |
----------- |
------------ |
العراق ** |
|
5,634 |
24,459 |
21,7 |
المجموع |
|
|
|
|
|
* الإنتاج بالمليون برميل يوميـًا . ** لا تتوفر أرقام دقيقة بالنسبة للإنتاج العراقي الذي كان متذبذبـًا طوال العام الماضي ، كما أنه لا يخضع لنظام الحصص .
|