|
الحلـم الأخيــر........
الهث فوق السهول خلف طائرتي الورقية، والريح عاتية أرى.. الخيط المتدلي منها، كأنه أمل ضرير
أركض عكس الريح..
- بالروح بالدم نفديك يا..
يتعالى الهتاف من حولي وأنا لا أبالي
لا أحلم إلا باستعادة تلك الطائرة.
ألقي حقيبتي المهترئة فوق حصيرة القش وأمدّ يدي النحيلة خلف الوسادة لآتي كما الحاوي بطائرة ورقية لوّنتها بالأحمر والأبيض والأسود والأخضر.
أغادر المخيم وأنا أتأبطها، أخفيها بمهارة عن العيون وكأنّها حلم أخشى أن يسرقه مني أحد.
- كل يوم عدس؟!
هكذا اعتدت أن أتبرم وأتلوى كلما عدت ظهراً الى حضن أمي، ما بالي اليوم ارى أن العدس نعمة بمقدورها أن تخمد هذا الجوع الكافر الذي أخذ ينهش أمعائي؟!
ما من طعام اليوم. أخمد جوعك بالجري في الحقول يا خالد. قالت أميّ بأسى. فغادرت بسرعة..
بدأت بصعود الجبل.
**
رميتُ الصخرة خلفي. أصعد الى القمة ككل يوم وأنا أحلم بتحرير الطائرة التي يربطني بها ذلك الحبل الرفيع..
وككل يوم حين أفلت خيطها المربوط الى كف يدي.. تنفلت من قبضة القلب كل أوجاعي الدفينة. تمرّ ساعة..
يضمحل الألم في أحشائي. الآن بإمكاني أن أبدأ سفر العودة.
ولد مفتول العضلات، يعترض طريقي. يرتمي ظله فوق ظلي.
- هذه لي
قال بسخرية فانفرجتْ شفتاه عن أنياب صفراء.
تشبثت بطائرتي، واريتها خلف ظهري وأنا أهتف:
- هذه طائرتي أنا.
- بل هي لي، هاتها وإلا..
اقترب مني وبدأ يلوي يدي يحاول أن يغتصب الطائرة لكنني استجمعت كلّ ما املك من عزيمة لمقاومة غطرسته. لمحتُ حجراً صغيراً على الأرض فانحنيتُ أتناوله.. مرّ بنا شاب أنيق.
استبشرتُ به خيراً. فصل بيننا. ثم وقف كالمسمار المعقوف، رأسه في اتجاه الآخر. هتف من عليائه:
أعطه الطائرة يا..
ألا يكفي أنك سرقتها منه، تريد أيضاً أن تضربه بحجر.؟!
أفلتُ الطائرة من يدي. استجمعتُ كل ما أوتيت من عزيمة وضربته بالحجر. بدأ ينزف. انشغلا عنّي. أخذتُ أعدو خلف طائرتي بجنون لأستعيدها. وكأنها.. حلمي الأخير.
**
- بالروح بالدّم نفديك يا..
يتجمهر المارون من حولي. أتملصُ من دوامة الطنين ولا تغفل عيناي لحظة عن طائرتي. تخفتُ أصوات المتظاهرين وهم يسيرون باتجاه المقابر. أسيرُ انا باتجاه النهّر. أقترب من الحبل.
أقفز اليه بكلّ ما أوتيتُ من إصرار. أخيراً.. أقبض عليه. أسحبُ الطائرة الى قبضة يدي. ترتجف يدي.. ترتخي.. أتنهد.. أغمض عينيّ وأسحب نفساً عميقاً.
أزفر الهواء من رئتي.. أستكين.
أمسح الوحل عن ثيابي. أشرعُ بالبحث عن حقيبتي لئلا أنال اليوم عقاباً من والدتي. آ آ آ ه يمّا..
درس التاريخ كان صعباً للغاية اليوم...!
تراك تعاقبينني لو لم أتمكن من حلّ الوظيفة؟!
المدرس كان يتحدث بصوت رخيم عن صلاح الدين الأيوبي، وأنا كنت أحلم بالطائرة وكأن قلبي دليلي.
**
- الله اكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن محمداً رسول الله..
يرتفع صوت المؤذن. تدثرني موجة دفء. تخمدُ اضطرابات امواجي. أشرعُ بالعودة.
***
يجب ألا تفوتني صلاة الظهر.
حتماً سيرفعون اليوم صلاةً على روح الغائبين. |