عانس.....
انطلقت كالريح عبر الجموع لتأخذ مسارها اليه، الى ذلك الذي سيبدد وينتزع عنها لقب (العانس).
كم تاقت نفسها للأنيس بسبب مرارة الوحدة. الشعور بالفراغ صراع متواصل لا هدنة فيه، تمر عليها السنوات سريعة وهي ما تزال تبحث عن الاستقرار. أرهقها ذلك اللقب وتود التخلص منه لكن دون جدوى.
حلمت كثيرا بذلك اللقاء ربما سيعيد إليها شبابها وحيويتها، أضاعت النهار بطوله تتجمل وتتحضر للمجهول ، تغمض عينيها ساهمة وتطلق العنان لخيالها الخصب تبني الآمال من خلال أحلام اليقظة، تتخيل نفسها داخل القفص الذهبي، بيت الزوجية الورديّ بفستانها الأبيض تركن نحو السعادة بخطواتها الواثقة تسكنها وتتبختر في هوائها.
يسترسل الى مسامعها صوت كنارها العذب باعثا اليها تحياته من داخل قفصه. تترجل مسرعة تقصد مأواه ُ فتأخذه بين يديها، تداعبه وتلمس ريشه الناعم بعذوبة وتتركه يحلق في سمائه الضّيقة ثم يعود اليها ينهل من ينبوع حنانها يترقبها راضيا وجوده داخل مخدعه مسرورا.
نظرت في مرآتها، لمحت آثار السنين مما زادها اعتقادا أن رجل الغد وفارس المستقبل باستطاعته محو الآثار المتناثرة هنا وهناك، لكن أليس من الممكن زيادتها فمضاعفتها حتى لتصل البشاعة والقبح !؟
أخذت تسترجع أحداث اللقاء الجريء، تنازل الحقيقة، شعورها بعدم الرضا والنّفور أديا بها الى التردد، كان من الصعب تنقيب حسناته ازاء تناقض الحياء والمباديء التقليدية المصبوغة بالتحرر الكاذب المنافي للأخلاق.
رجعت أدراجها الى بيتها الدافىء، توجهت اليهِ وبحماسة تطلق سراح سجينها الكنار غير آبهة لرجوعه.
انطلق يا أيها السجين الجميل ولا تدع الأيام تسلب منك حريتك.
لم ينتهز الكنار فرصة الهرب السانحة، فضّل المكوث حيث يروق لهُ...داخل قفصه ينتظرها كما في كل يوم . تربت على جسده الصغير المنتفض بأناملها الرقيقة تسرّح ريشه الجميل، تمنحه حنانا وأمانا فيشاركها التواصل والولاء.
دينا سليم – روائية فلسطينية
dina_saleem@hotmail.com
(خاص الحقائق)